التوقف أمام صفحات التاريخ ووقائعه، أمر لا مفر منه بل نراه ضروريا ومطلوبا لفهم حقائق السياسية الجارية، التي غالبا ما تختفي وراء ستائرقاتمة تنشرالعتمة، وضباب كثيف يحجب الرؤية، وسحب دخان سوداء تمنع وصول الضوء المفترض توافره للشعوب، لتدرك طبيعة ما يجري حولها من احداث، ربما تشكل علامة فارقة ومفصلية في حياتها ، وتترتب عليها لاحقا وقائع جديدة يصعب فك رموزها وعقدها، أو حتى التنبؤ بحركاتها واتجاهاتها.. مثلها مثل كرة الثلج التي تتدحرج من قمة جبل، لاتعرف في أي مكان ستستقر.

عندما ننظر الى تاريخ العراق الحديث، نجد انه يتسم بقدر عال من العنف والدم جراء الانقلابات العسكرية التي شهدها، والتي شكلت واقعا من الخوف الشديد في العلاقة بين السلطة والشعب، وهنا يمكن ذكر عدد من نماذج تلك الانقلابات، مثل الانقلاب العسكري الشهير خلال فترة حكم الملك غازي الأول، والذي قاده عام 1936 بكر صدقي وقتل فيه وزير الدفاع آنذاك جعفر العسكري. كما قتل بكر صدقي بعد تسعة أشهر من الانقلاب إثر اطلاق أحد الجنود الرصاص عليه.

أيضا هناك إنقلاب 14 يوليو 1958 الذي قاده عبد الكريم قاسم، وتم فيه قتل الملك فيصل الثاني والعديد من أفرد العائلة المالكة. وبعد يوم واحد قتل رئيس الوزراء نوري السعيد على أيدي جنود في ساحة النصر في بغداد. قاسم نفسه تعرض للقتل في انقلاب عسكري ضده في فبراير 1963 بقيادة عبد السلام عارف، الذي لم يستمر في الحكم طويلا إذ سرعان ما قتل في حادث طائرة غامض عام 1966 وتولى شقيقه عبد الرحمن عارف الحكم في العراق. ولم يمض عامان حتى استطاع حزب البعث وبعض ضباط الجيش الإطاحة بعبدالرحمن عارف، وإرغامه على التسليم ومغادرة البلاد في انقلاب 17 يوليو 1968، حيث انتخب أحمد حسن البكر رئيسا للجمهورية.

هنا يأتي عهد صدام حسين الذي كان نائباً للبكر، حيث تمكن في يوليو 1979 من التخلص منه سلميا وإقصائه من جميع مناصب الدولة والحزب، ووضعه في منزله تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته، ورغم أن عهد صدام بدأ بما يمكن تسميته ب«الثورة البيضاء» الا ان سنوات حكمه اكتست بلون الدم الفاقع، سواء عبر الحروب التي خاضها أو بالمجازر التي ارتكبها ضد شعبه وخصوصا المعارضين له، وكان الحياة في العراق أقوى نموذج على الحياة في عالم «أرض الخوف» والقهر تحت رحمة السيف.

أستاذ التاريخ الحديث في مصر الدكتور رياض الرفاعي يحاول تقديم قراءاة تحليلية لدموية تلك الانقلابات وحالة الخوف التي أطلقت لها العنان، فيقول إن «العراق الذي شهد أول انقلاب عسكري في العالم العربي، له طبيعة مختلفة أفرخت العنف وأنهار الدماء التي شهدناها على مر التاريخ». ويضيف الرفاعي في تفسيره لهذا العنوان العريض «الطبيعة المختلفة» ان «التركيبة الاجتماعية في العراق ليس فيها التجانس، الذي هو مطلوب دائما لتوفير حصانة لابناء المجتمع الواحد، من أنهار الدماء التي يمكن تجري حال اختلف الاخوة الفرقاء».

وغياب التجانس يرجع كما يقول الرفاعي الى «تعدد العشائر في العراق» مشيرا في هذا الصدد الى بعض منها، مثل عشيرة شمر والظوالم وزوبع وبني تميم والعزة والسعيد والقرنة والعوابد وآل فتله اخوة قبيلة الدليم وعشيرة بني عارض وعشيرة بني زريج وعشيرة الشريفات وغيرها.

تعدد هذه العشائر أدى- كما يرى الرفاعي- الى خلق مسألة خطيرة جداً وهى ان «مشاعرالإخلاص والوفاء والتفاني للتلك العشائروالقبائل لم تندثر لصالح فكرة الدولة، الأمرالذي يفسركثرة الانقلابات العسكرية الدموية التي جرت في تاريج العراق الحديث»، مشيرا هنا الى قاعدة مهمة للغاية في فهم هذه الظاهرة، وهي ان «العنف دائما يأتي من تقارب القوى المتصادمة».

ويفسر هذه النقطة بالقول إنه «إذا القوى التي يتشكل منها اي مجتمع متعدد الطوائف والمذاهب، تتمتع بدرجات متقاربة من القوة، فإن ذلك يجعل من الصدام والصراع والتناطح بينها أمراً محتماً للغاية، نظرا لمحاولة كل طائفة من تلك القوى فرض إرادتها على الطائفة الأخرى، وذلك على عكس المجتمعات الأخرى التي تتمتع بنسيج سكاني واحد».

لكن الاكاديمي والكاتب العراقي الدكتور رسول محمد رسول، يرد الانقلابات الدموية التي شهدها العراق في العصر الحديث الى عوامل أخرى، فيقول إن: «نظام الدولة الحديثة في العالم العربي أو في العراق بعد الإستقلال، لم يكن تطور بدرجة كافية تسمح بوضع الاسس التي تحد من تلك الانقلابات».

وتابع: «أما فيما يخص العراق، فإنني أرى ان دموية الانقلابات تعود في الاساس الى وجود تدخلات خارجية هى التي افزت تلك الجرائم». ويضيف أن «الانقلابات التي جرت في العراق، تمت جميعها وفق توافق خارجي، ولولا هذا التوافق لم نجحت، بل ان ازحة صدام تمت بتوافق مع الخارج».

وتدعيما لهذه الفكرة، يضرب د.رسول مثالا حيا لمسألة التوافق مع الخارج، ويقول إن «فترة الهدوء الأمني التي يعيشها العراق حاليا، تعود في الاساس الى توافق مع الخارج، بمعنى ادق ان الضغط الاميركي على بعض الاطراف المجاورة للعراق، إضافة الى الأزمة المالية العالمية وتراجع أسعار النفط، دفع بعض الدول الى وقف تمويل الجماعات الإرهابية المتشددة، الأمر الذي أثمر في النهاية عن هذا الهدوء الذي نشهده الآن».

نفس الرؤية التي تحمل التدخل الخارجي، مسؤولية اكتساء الانقلابات العسكرية باللون الأحمر، يتبناها الصحافي العراقي سعد الدوغمان، لكنه يتوغل أكثر في مناطق خطرة تصل الى حد جلد الذات، والذات هنا هى للشعب العراقي.

يقول: «حقيقة إذا نظرنا الى تاريخ العراق قديما وحديثا، لوجدنا أن اللون الأحمر صبغ وجهه لفترات طويلة من الزمن، والأمر في رأيي يرجع الى عوامل كثيرة، أهمها طبيعة الشعب العراقي القاسية جداً، حيث كان من الصعب عليهم تقبل أي حاكم الا إذا كان عنيفا وقاسيا ويدخلهم بأفعاله الى دائرة الخوف».

وتابع: «قوة الدولة ايضا عندما تزيد عن الحد تجاه الشعب، يكون لها انعكاسات خطيرة على الشعب نفسه، حيث تجعله عنيفا وقاسيا، حتى في التعامل بين افراده، وهذا ما يحدث في العراق حاليا، الى درجة أن أي مشكلة عادية في الشارع يتم فيها اللجوء الى استخدام السلاح، بعكس الدول الأخرى.. انها من قوانين الفيزياء المعروفة.. لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار و مضاد له في الاتجاه».

ورغم عدم تبريره لديكتاتورية الحاكم وعنفه، الا انه يؤكد ان «هذا الوضع المعقد في العراق، جعل من الصعب جداً، على الحاكم الاتجاه نحو التسامح والرحمة، بل وجد نفسه في موقف ينبغي عليه الامساك بالسيف وممارسة القوة وخلق حالة من الخوف والرعب للطرف الآخر، حتى يتمكن من قيادته والسيطرة عليه».

وعند سؤاله عن دور الديمقراطية هنا،قال: «الديمقراطية لا يمكن أن تثمر في العراق لأن الشعب لم يتعود على ممارستها، وهذا يتطلب وقتا وظروفا ملائمة، أهمها اقناع الناس بضروة قبول الآخر لا إلغائه، والتحرر من حالة الخوف الملازمة له على مر التاريخ». «عنف الحاكم ليس سوى تهذيب وتأديب واصلاح».. هذا هو مضمون كلام الصحافي والاعلامي العراقي الدكتور فارس خطاب، والذي يذكرنا بالشعار الذي ترفعه الكثير من السجون في العالم العربي، في توصيف لرسالتها مع المعاقبين قانونيا بالحبس.

يبدأ د.خطاب حديثه بتوصيف طبيعة السلطة في العراق، ويرى انها «تعني الحاكم المطلق»، وينفي ان يكون ذلك «بدعة» (البدعة في اللغة تعني إحداث شيء مادي أو معنوي لم يكن موجوداً من قبل) أنتجتها نظم الانقلابات العسكرية، بل ان هذا الأمر ـ وفق كلام خطاب ـ «هو قضية مرتبطة بتاريخ العراق وتكون حضارته على مر العصور».

ويفسر أكثر وجهة نظره بالقول إن «تاريخ العراق على مر العصور كان مرادفا لتاريخ عدد من القادة والحكام الذين استطاعوا ان يحكموا السيطرة على بلاد الرافدين، رغم تعدد أعراقها وتضاريسها وقوة تأثرها بمحيطها الاقليمي المتعدد ايضا الاعراق والنوايا».

ويتابع «من هنا فإن تلك الدموية وحالة الخوف التي أفرزتها تلك الانقلابات، كانت من وجهة نظري واحدة من حالات فرض القوة والهيمنة التي مارسها الحاكم القوي على الشعب، ليقمع كل حركات التمرد المناوئة له، ويصل بالشعب الى درجة من الالتزام الذي كان يفضي في الغالب الى وحدته وزيادة انتاجيته وابداعه في جميع المجالات».

وأضاف في عودة سريعة الى الوراء: «بعد ان عاش العراق في فترة الحكم الملكي، والتي اتسمت بالديمقراطية نوعا ما، استيقظ على مشاهد دموية تمثلت في اجهاز الضباط على العائلة المالكة.. هذا الأمر شكل سابقة خطيرة في سلوك الانقلابيين، واعتقد ان العراق لا يزال يعاني من تداعياتها حتى الآن».

ويفسر د.خطاب ظاهرة عدم تحرك الشعب للخروج من أرض الخوف التي عاش فيها مع هؤلاء الانقلابيين، وفق مقولة «لا يفل الحديد الا الحديد» أو بمعنى آخر لا يزيح العسكر الا العسكر، حيث يرى ان: «تقوقع الشعب وعجزه لم يكن خوفا، وانما انتظارا لولادة طليعة قيادية جديدة تأخذ على عاتقها اصلاح ما أفسده العسكر واسقاط حكوماتهم كما حدث في عامي 63 و68».

تحقيق ـ خالد سيد أحمد