سألت أحد الأصدقاء سؤالاً بدا له ساذجاً للغاية، وهو انه عندما قامت ثورة 1952 في مصر (سميها حركة أو انقلابا.. أياً تكن التسمية) أطاحت عرشاً قوياً من دون قطرة دم واحدة، لكن في العراق كان الأمرمختلفا للغاية، حيث تم قتل أغلب من جلس على عرشه، فضلا عن تنامي مناخ من عدم الثقة والخوف المتبادل، والذي استمر طويلا بين السلطة والشعب، فرد وعلى وجهه ابتسامة خفيفة «إسأل الحجاج بن يوسف الثقفي؟».

الحجاج.. هذا السياسي والقائد العسكري المثير للجدل في التاريخ الإسلامي، الذي لعب دوراً كبيراً في تثبيت أركان الدولة الأموية، استمرت فترة حكمه للعراق نحو عشرين عاما ، لكنها كانت في نظر الكثيرين، أشبه بيدي نحات رسمت قوالب الحكم وملامح الحاكم لكل من أتى بعده وصولاً الى صدام حسين.. بل ومن أتى بعد صدام. فلسفة حكم الحجاج أوضحها في أول خطبة له لدى وصوله الى الكوفة، وهذه الخطبة تشبه ما نصطلح عليه اليوم ب«خطاب القسم» الذي يلقيه اي رئيس يوم أدائه اليمين الدستورية ليتولى الحكم، والذي يحدد فيه أهدافه وسياسته العامة.. ويا لها من اهداف وسياسات.

قال الحجاج: «أما و الله فإني لأحمل الشر بثقله و أحذوه بنعله و أجزيه بمثله، والله يا أهل العراق إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، والله لكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى».. الى آخر خطاب الوعيد والتهديد الشهير، الذي القى الرعب في قلوب الحاضرين، وكشف فيه عن ملامح فلسفة حكمه الدائمة.

الفلسفة واضحة للغاية، وهى أنه حاكم لايقبل بالرأي الآخر- ديكتاتور وفق التوصيف السياسي الحديث- ومن يؤمن بفقه الإختلاف معه - الذي تنص عليها أبسط قواعد الديمقراطية - عليه أن يواجه غضبه، والغضب في قاموس الحجاج ليس التهميش السياسي أو الإعلامي أو المعنوي للمعارضين، وانما السيف للرؤوس التي أينعت.

إذن هذه هى اللبنة التي بنى عليها الحجاج حكمه..حكم متسلط ديكتاتوري دموي، لكنها لم تكن كافية لحماية عرشه من المعارضين له، والذين لن يأبهوا لقواعده في العمل السياسي، وإنما سيلجأون الى العمل ضده مهما كان عنفه ووسائل قمعه، وبالتالي كان عليه البحث عن فكرة جديدة خلاقة يدعم بها فلسفة حكمه.

كانت من مميزات الحجاج اضافة الى بلاغته وفصاحته وحبه للشعر،إلمامه التام بالقرآن الكريم، وكان يردد انه عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، مستمدا المعنى من الآية الكريمة «وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ».. من هنا جاءت الفكرة الخلاقة التي يبحث عنها لدعم حكمه، وهى ان يتحول الى «حاكم مقدس» أو«ظل الله في الارض» ومن ثم لايستطيع أحد مخالفته أو معارضته ،لانه في هذه الحالة سيكون معارضا للدين أو بمعنى أدق لله.. فمن يقدر إذن على معارضة الله..أو حتى ظله في الأرض؟

لم يكن يدرك الحجاج أن ما أقدم عليه، من زج للدين في السياسة، وتحويله شخصية الحاكم الى إله، أصبح أحد«التابوهات»الكبيرة التي يناضل كثير من مثقفي العصر الى تحطيمها، من اجل إعلاء شأن الدولة المدنية، التي تسمح لمواطنيها بالاختلاف مع الحاكم من دون خوف أو خشية من أن يكونوا ضمن لائحة «أعداء الله» الذين يتجوب إقامة الحد عليهم، لمحاولتهم ممارسة حقهم في الإختلاف والتعبير عن آرائهم بكل حرية.

لكن هل كان الحجاج فعلا مجبرا عندما حول بنهجه وفكره العراق الى أرض للخوف وساحة للرعب وقلعة لكبت الحرية؟. «نعم الوضع في العراق في ذلك الوقت كان يبرر ذلك».. هكذا بدأ أمين عام إتحاد المؤرخين العرب وأستاذ التاريخ الإسلامي في مصر الدكتور محمد عيسى الحريري حديثه، الذى حاول فيه رسم صورة تقريبية للظروف والملابسات التي واكبت حكم الحجاج.

يقول الحريري: «كانت الاوضاع والظروف ذلك الوقت عصيبة للغاية، حيث كان عرش الدولة الأموية يتعرض للاهتزاز، فيما كان العراق خارج سيطرة عبدالملك بن مروان، بل وظهرت فيه فئة الخوارج التي كانت ضد الخلافة الأموية، وتتبنى عقيدة سياسية مخالفة لها،خاصة في مسألة ان الحكم ينبغي ان يكون وفقا لنظرية الانتخاب العام». يخلص الحريري الى ان «هذه العوامل مجتمعة، أثرت بلا شك في سلوك الحجاج فجعلته حادا في تعامله مع الناس الى درجة كبيرة للغاية، حيث كان يسرف في القتل ضد كل من يخالفه».

لكن الاكاديمي والمؤرخ العراقي الدكتور فالح حنضل، يرجع ظاهرة العنف والخوف في العراق، ما هو أبعد من الحجاج، وبالتحديد الى العامل الديمغرافي، حيث يقول إن «التركيبة السكانية في العراق،تختلف عن باقي الدول العربية»، مشيرا الى ان «الإشكالية في العراق،ترجع في الأساس الى انه وقع أمام موجات سكانية متتالية قدمت اليه من الشرق وليس من الغرب، وهذا الأمر ولد للاسف تركيبة سكانية ليست متجانسة ،علاوة على ان دخول هذه الأقوام اتسم دائما بالعنف».

ويتابع: «كذلك ان تاريخ (التشيع والتسنن) بدا في العراق، وهذا أيضا أوجد نمطا من شعب تسوده البغضاء والكراهية والإنفعالية،لكن ذلك لايعني ان العراق عاش في جميع عصوره مضطربا، بل شهد فترات من الهدوء (العهد الملكي نموذجا)». عدنا مرة أخرى للدكتور الحريري أمين عام اتحاد المؤرخين العرب، وطلبنا منه أن يرسم صورة عن قرب«بورتريه» للحجاج،لكنه اصابنا بحيرة شديدة عما إذا كان يتحدث عن الحجاج نفسه أم عن أغلب الرؤساء الذين جلسوا على عرش العراق في العصر الحديث.

حيث يقول الحريري إن «هناك ظاهرة مرضية في الدول العربية عامة، وتظهر على وجه الخصوص وبوضوح في العراق، وهى حب الزعامة التي تتمخض عنها أخطاء بل خطايا كثيرة، وهنا يمكن القول إن الحجاج كان شخصية عنيفة للغاية وبلا رحمة خاصة مع العلماء، ويهوى شراء خصومه بالمال ومن يرفض فالسيف يقوم بالمهمة،وكان يهوى تكفير من يخالف أمرالحكام، ويبالغ في شأن الطاعة، وقمع همم الناس و نفوسهم ،وحاول ان ينشر بين الناس ان الخلافة اصطفاء من الله، فلا يجوز الخروج على السلطان، ومن يخرج فقد حل دمه وسُمي كافراً».

بالتأكيد الدكتور الحريري لم يقصد الحجاج وحده، فتاريخ العراق الحديث زاخر بالعديد من القادة والرؤوساء الذين كانوا على الدرب سائرين، ولنهج الحجاج حافظين، وفي إشاعة الرعب والخوف متحمسين، ليس لسبب سوى تدعيم ملكهم وعرشهم من المعارضين،الذين يسهل وصفهم سريعا إن لم يتراجعوا ويتوبوا عن معارضتهم ب«الخوارج الكافرين».

لكن هل فعلا شكل الحجاج قبل أربعة عشر قرنا نمط الحكم في العراق الحديث؟ «لا نقول شكلا وإنما نقول أن أغلب من تولى حكم العراق في العصر الحديث، لم يجد نموذجا مناسبا للحكم سوى نموذج الحجاج،اي انه اصبح نموذجا للمحاكاة».. هكذا يرد أستاذ التاريخ الاسلامي وعميد كلية الآداب السابق في جامعة المنصورة المصرية الدكتور حسين عليوة،على السؤال السابق.

ويتابع: «العراق دون غيره من بلاد الدولة الاسلامية كان دولة متمردة، وقيادته لم تكن سهلة أوسلسة أو هينة، ومن ثم فان شخيصة الحجاح التي تمثل نموذجا للحاكم الديكتاتور وفق النمط الحديث كانت مناسبة تماما لتحكم قبضتها على مقاليد الامور».

ويضيف: «هذه الطبيعة القاسية للعراق،فضلا عن وجود تناطح ديني كبيربين المذاهب (سنة وشيعة)، كانت مبررا لان يكون الحاكم على شاكلة الحجاج، ومن أتى بعده-يقصد حكام العصر الحديث- كان لابد وان يستلهم نموذجه،خاصة وان هذا النموذج قد حقق نجاحات كبيرة في وقته، بدليل ان هناك حكاماً كثر - قديما - فشلوا في السيطرة على الامور في العراق لانهم لم يكونوا على شاكلة الحجاج».

وجهة نظر مخالفة لما سبق، تبناها الاكاديمي والكاتب العراقي الدكتوررسول محمد رسول،إذ يرى انه «لايجب التعميم واعتبار كل شيء مطلق عند القيام بمقارنة بين العراق منذ 14 قرنا والان». وأضاف د. رسول أن: «هناك إعتقادا خاطئا سائدا في أماكن كثيرة من عالمنا العربي ،يرى ان الشعب العراقي نظراً لتركيبته العرقية والمذهبية المتعددة، يتطلب نظاماً سياسيا شرساً وعنيفاً».

وتابع أن: «الحجاج وضع فعلا نظاما سياسيا قائما على القوة والبطش والسيف الحاد، لكن هذا التكتيك استخدم في ظل ظروف تاريخية معينة»، مشيرا الى انه «من الظلم جداً ،مقارنة صدام حسين مثلا بالحجاج،رغم ان صدام ارتكب خلال عهده مجازر وجرائم كثيرة ،ضد مختلف فئات المجتمع العراقي،الا انه ليس الحجاج.. فالاخير كان ينطبق عليه المقولة المصرية المعروفة.. الداخل اليه مفقود والخارج من عنده مولود».

وأضاف أن «القوة والعنف التي يلجأ إليهما حاكم ما تنبع من شخصيته والظروف المحيطة به،بدليل ان هناك فترات زمنية عديدة،كانت فيها أنظمة الحكم في العراق تتمتع بدرجة عالية من التسامح، ولايمكن مقارنتها أبدا بالحجاج أو صدام».

صراع قبل الميلاد

رصد حالة الخوف في العراق،يدفعنا بلاشك الى محاولة تتبع جذورها السحيقة في التاريخ العراقي القديم،لنعرف هل كان هذا الخوف موجوداً فعلاً قبل الميلاد..أم لا؟ وعلى أي شكل تبلور ليتحول الى ميراث بين أيدينا الان ؟والى أي درجة تحكم بحياة الناس؟ أستاذ التاريخ المصري القديم الدكتوررضا سيد أحمد يقول إن: «ما تعوده أهل العراق ،في تاريخهم قبل الميلاد،من الظواهر الغريبة لفيضانات النهرين، والطبيعة القاسية لصحرائهم وجبالهم، من حيث غلبة المتاعب على المنافع، فضلا عن التقلبات الحادة للمناخ..

كل هذا ترك بعض الأثر في صبغ حياتهم بغيرقليل من الحدة والتوتر والخوف، كما ترك أيضا بعض الأثر فيما رددته أساطيرهم عن شدة العداء بين آلهة الطبيعة، ومنافستهم الحادة لبعضهم البعض».

وأضاف ان«هذا الوضع ساهم كذلك في توجيههم فنون النحت والتصويرفي عصورهم الأولى،أوفي بدايات تاريخهم إلى إيثار المبالغة والميل إلى إشاعة الرهبة ، كما أنهم وجهوا جهودهم الفكرية القديمة الى توفيرمتطلبات حياتهم الدنيوية والتشريع لحياتهم ومعاملتهم اليومية(تشريع حمورابي نموذجا)من دون التركيز على الحياة الآخرة كما كان حال القدماء المصريين؟».

وبالنسبة للجانب السياسي في العراق وقتها، يقول د.أحمد إنه«في بداية عصور العراق التاريخية، والتي تبدأ في القرن الثامن والعشرين قبل الميلاد (2800ق.م) ،كانت هناك حروب طاحنة بين دوليات المدن،ومن أشهرهذه الحروب تلك التي وقعت بين مدينتي لجش وأوما، والتي سجل أحد ملوك لجش في نص تاريخي،انتصاره على الملك الذي كان يعاصره في أوما».

وعندما طلبنا توضيحا لكيفية تسجيله هذا الانتصار لمعرفة طريقة التفكير السائدة في ذلك العصر والسيكولوجية المتحكمة في تصرفات المنتصر،قال د.أحمد «ان الملك المنتصر سجل انتصاره في لوحة أسماها لوحة (العقبان)،حيث صور جثث الأعداء المهزومين عارية ممددة تحت أقدام الجنود،كما صوربعض الجثث الأخرى وتنهشها الأسود،وانه سجل أيضا أن ضحايا هذه الحرب وصل الى 3600 رجل».

تحقيق- خالد سيدأحمد