شهد عام 2008 أعمال عنف مروعة من عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية أودت بحياة أكثر من 5500 شخص في المكسيك فقط حيث قاتل تجار المخدرات بعضهم البعض لانتزاع السيطرة وتحدي سلطة الحكومات وامتد ذلك جنوبا حتى الأرجنتين.
وخلال العام الحالى وافقت الولايات المتحدة على مبادرة مريدا لمساعدة المكسيك وأميركا الوسطى، أساسا، في القتال ضد عصابات المخدرات. وقدمت أميركا معدات خدمات لوجستية قيمتها 465 مليون دولار. كما شهد العام طرد بوليفيا لفريق وكالة مكافحة المخدرات الأميركية من أراضيها حيث اتهمته بمؤامرة مزعومة ضد الحكومة البوليفية. وجدير بالذكر أن عصابات المخدرات المكسيكية التي حلت الآن محل العصابات الكولومبية في تزعم هذه التجارة زادت تواجدها في أميركا الوسطى ولا سيما جواتيمالا ومددت نشاطاتها في الطرف الجنوبي للأميركتين كما يلقي باللوم عليها في هجوم غير مسبوق على أشخاص يحتفلون بعيد استقلال المكسيك في سبتمبر خلف 8 قتلى من المدنيين و106 مصابين.
وذكر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة أنطونيو ماريا كوستا أنه «ليست هناك منطقة أخرى في العالم تواجه مشكلة أكثر الحاحا من أميركا اللاتينية فيما يتعلق بالاتجار في المخدرات واستهلاكها وانتاجها وأيضا أعمال العنف التي تتعلق بالمخدرات». وفي أنحاء المنطقة تجلت قوة عصابات المخدرات في كثرة ما جرت مصادرته من الأسلحة والمخدرات والأموال والمنازل الفاخرة وفي عدد من جرائم القتل التي ارتكبت فى يوضح النهار وخطف العصابات لمسؤولي الحكومة المسجلين على قوائم العصابات لتصفية الحسابات.
وتعد كولومبيا وبيرو وبوليفيا أكبر الدول المنتجة للكوكايين في العالم. وتأخذ عصابات المخدرات المكسيكية على عاتقها بعد ذلك نقلها إلى الولايات المتحدة وأيضا بشكل متزايد تنقلها إلى أوروبا عبر طرق في أمريكا الجنوبية. وشكى رئيس جواتيمالا ألفارو كولوم قائلا إن عصابات المخدرات المكسيكية «تريد السيطرة على الدولة بأكملها». وأشار كولوم إلى العصابات قائلا «إذا هاجمتهم يردون الهجوم. إنهم يتسمون بالعنف إنهم ليسوا أطفالا أبرياء». كما شعرت كوستاريكا بوطأة الأزمة. وقال وزير داخلية كوستاريكا جانينا ديل فيكيو «ظللنا فترة طويلة نخشى دخول الكولومبيين، على مدى ال 12 شهرا الماضية شعرنا بوجود تجار المخدرات المكسيكيين في الدولة».
وخلال عام 2008 شهدت المكسيك جرائم قتل تتعلق بالمخدرات تزيد عن ضعف عددها العام الماضي وهو عدد قياسي رغم شبه عسكرة مناطق شاسعة من البلاد ورغم توجيه عدة ضربات قوية لهياكل تنظيمات تجارة المخدرات. وكانت إحدى هذه الضربات إلقاء القبض على ألفريدوبلتران ليفا امبراطور المخدرات ما أدى إلى انقسام شديد داخل عصابة «سينالوا». كما كان من بين من اعتقلوا من العصابات إدواردو أريلانو فيليز الزعيم التاريخي الأخير في عصابة تيجوانا وأيضا جيسوس زامبادا الزعيم في عصابة سينالوا وجايمي جونزاليز دوران الشهير باسم «ذا هامر» ولوس زيتاس مؤسس جماعة القتلى المأجورين.
وراح العديد من الأبرياء ضحية لأعمال العنف بسبب المخدرات من بينهم أطفال ورضع سقطوا خلال تبادل إطلاق النيران. وهزت المكسيك عشرات من جرائم الذبح والقتل الجماعي مثل قتل 13 شخصا في حفل ببلدة كريل شمال البلاد أو قتل 24 عامل بناء زعم أنهم بنوا نفقا تحت حدود الولايات المتحدة من أجل عصابات المخدرات. وتصر السلطات على أنها ستنتصر في هذه الحرب ولكن أذرع الجريمة المنظمة تبدو أطول من أي وقت مضى في قدرتها على إفساد المسؤولين أو توسيع أماكن نشاطها.
وشهدت المكسيك وكولومبيا القبض على العديد من المسؤولين اتهموا بالعمل لصالح عصابات المخدرات مثل رئيس مكتب الشرطة الدولية (انتربول) في المكسيك ريكاردو جوتيريث وقيصر مكافحة المخدرات المكسيكي السابق نوي راميريث وكولونيل الشرطة الكولومبي خوان كارلوس مارتينيث. كما اهتزت الأرجنتين لمقتل ثلاثة من رجال الأعمال الشباب في حادث كشف النقاب عن أنشطة عصابات مكسيكية في الطرف الجنوبي من أميركا اللاتينية. ونظرا لأن عقار «إفيدرين» غير مشروع في المكسيك والأرجنتين ومع صناعته المعقدة أصبح مصدرا للمادة التي تستخدمها العصابات المكسيكية في صناعة المخدرات المدمرة التي تسبب الإدمان.
وتستورد الأرجنتين مادة إفيدرين بشكل مشروع وذلك بشكل رئيسي من الهند والصين لاستخدامها في تصنيع العقاقير الخاصة بعلاج نزلات البرد ولكن يوجد ضعف فى قيود التحكم في توزيعها. وبدأت الأرجنتين تواجه الأزمة وتشدد القيود على واردات ومبيعات المنتجات التي تحتوي على الإفيدرين كما فعلت العديد من الدول ومن بينها الولايات المتحدة. وتقع بلاد أخرى مثل كوبا وفنزويلا وهايتي وجمهورية الدومينيكان على الطرق المستخدمة لتجارة المخدرات. وبخصوص كوبا وفنزويلا شكت الولايات المتحدة من موقفهما السلبي والأقرب للتستر على الجريمة.
وفي جواتيمالا التي تلجأ إليها عصابات المخدرات المكسيكية من أجل ممارسة أنشطتها وقعت ثلاث جرائم قتل جماعي هذا العام كما أبلغ ملاك العقارات بالقرب من الحدود مع المكسيك عن الضغوط التي تمارسها عليهم عصابة «جولف كارتيل» لإجبارهم على بيع أراضيهم. وقال الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون في يناير 2006 عندما كان فقط مرشحا للرئاسة «سأكون أسوأ كابوس لتجارة المخدرات». وبعد مرور ثلاث سنوات قال المدعي العام بالمكسيك إدواردو مدينا مورا إنه ستنتصر الدولة في المعركة ولكن الحرب ستكون «طويلة ومكلفة وصعبة».
من جهة أخرى من المحتمل ألا يكون هناك عام يوصف بأنه جيد بالنسبة لشخص محتجز رهينة في الغابة مريض ومصفد بالاغلال أو عاري القدمين من ضمن ظروف أخرى فظيعة. فقد شهد عام 2008 تطورات كبيرة في الصراع الكولومبي حتى رغم بقاء نحو 700 رهينة تحتجزهم جماعة القوات المسلحة الثورية اليسارية في كولومبيا (فارك).
وأتسم العام الحالي بقيام المتمردين بعمليات فردية لاطلاق سراح رهائن وعمليات إنقاذ هامة من بينها إطلاق سراح المرشحة الرئاسية السابقة إنجريد بيتانكورت وهي أبرز الرهائن الذين أحتجزتهم فارك. كما شهدت أيضا تطورات وتغييرات هامة داخل جماعة فارك كمنظمة مسلحة من بينها موت مؤسسها والرجل الثاني في قيادتها مما قد يحمل ثمارا في السنوات المقبلة.
والصراع الكولومبي لا ينتهي وهو الذي أثار المتمردين اليساريين ضد الحكومة الكولومبية منذ أكثر من 40 عاما. ويتفق الخبراء على أن فارك رغم ضعفها الواضح يمكن أن تعيش كمنظمة مسلحة في غابات كولومبيا الكثيفة. وقد أكسبت عمليات الاختطاف على وجه الخصوص الجماعة إدانات دولية إلا أن المتمردين يبدو أنهم لا يلقون بالا. وكتبت فارك منذ شهور «إننا لن وللمرة الالف نلقي سلاحنا أبدا».
وقد بدأ العام بما يبدو إنه محاولة فاشلة لضمان إطلاق سراح بعض الرهائن. علاوة على أنها أعلنت أن طفلا ولد في الاسر أنجبته المرشحة لمنصب نائبة الرئيس كلارا روجاس مساعدة بيتانكور من أحد المتمردين العاديين والتي عرضت فارك إطلاق سراحها ليس في حوزتها ولكنه في مركز رعاية. وبدا أن كشف هذا الامر أدى إلى مزيد من عدم صلاحية المتمردين كشركاء في حوار. إلا أنه سرعان ما تغير كل شيء. وخلال أيام أعيد الطفل إلى أمه روجاس بشكل عاطفي مؤثر بعد قيام فارك بالافراج عنها مع عضو البرلمان الكولومبي السابقة كونسيلو جونزاليس.
وفي الشهر التالي أفرجت فارك عن أربع رهائن آخرين وجميعهم من أعضاء البرلمان السابقين ولكنها تعهدت بوقف العمليات الفردية لاطلاق السراح من أجل القيام بعملية مبادلة شاملة. والمتمردون ينوون مبادلة نحو 40 من الرهائن - سياسيون وضباط جيش وشرطة -على رأسهم بيتانكور وثلاثة من المقاولين الاميركيين في مجال الدفاع. بيد أن الطاولات بدأت تنقلب على فارك في مارس.
ففي اليوم الاول من الشهر قامت القوات الكولومبية بغارة عبر الحدود أثارت جدلا دبلوماسيا على معسكر لجماعة فارك في الاكوادور وقتل الرجل الثاني فيها راؤول رييس. كما قتل عضو آخر في القيادة السباعية لفارك إيفان ريوس على يد زميل متمرد غاضب بعد عدة أيام. كما توفي المؤسس الاول للجماعة مانويل مارولاندا في وقت لاحق من الشهر لاسباب طبيعية ليحل محله الزعيم الطلابي السابق ألفونسو كانو.
(د ب ا)

