إذا كان الجدل الدائر في ليبيا حول ما بات يعرف بمسودة الدستور انطلق مبكراً منذ إعلان نجل قائد الثورة الليبية سيف الإسلام القذافي قبل عامين وتحديداً في شهر أغسطس من العام 2006ألا عن السعي لإصدار دستور في الجماهيرية، يعتبر مؤشراً كبيراً على وجود حراك فكري وسياسي في بلدٍ يستعد لاعتماد دستورٍ سيكون الأول بعد نحو أربعة عقود من إلغاء آخر دستورٍ ملكي.
إلا أن السياق الذي يمكن من خلاله قراءة هذه الخطوة للوقوف على أهميتها التاريخية هو تماشيها مع خطوات انفتاح لم يسبق لليبيا أن عاشتها منذ سنواتٍ طويلة، فالبلاد التي عاشت طيلة الحقبة الثورية خطاباً إعلامياً ومنهجاً واحداً، أصبحت اليوم تعيش حالة فريدة من التنوع الإعلامي حتى تكاد تكون البلد المغاربي الوحيد الذي تبث منه ما يزيد عن 10 محطات تلفزيونية وإذاعية.
فضلاً عن تعدد العناوين الصحفية التي خرجت من تحت عباءة «الثوريين» لتفتح المجال واسعاً أمام النخب الفكرية للمساهمة في نحت مستقبل جديد بخطاب مغاير للسائد الذي دأب على سماعه الليبيون منذ فترة الستينيات.
هذا التحول الحاد الذي تشهده ليبيا لم يقتصر على اتساع دائرة الحوار والتعددية الإعلامية، فالانفتاح الاقتصادي وتنوع المشاريع التنموية وتسارع حركة التنمية بعثت في ليبيا روحاً جديدة أنعشت العاصمة طرابلس الغرب وبقية المدن الليبية التي توقف الزمن فيها طيلة سنوات الحصار الذي طال البلاد.لقد اكتست البلاد حلةً جديدة تمثلت في تغير العقلية التي بات الليبيون يفكرون بها بهدف الاستجابة لمتطلبات التحولات التي يشهدها العالم اليوم.
ولعل المواقف المعلنة والمثيرة للجدل التي يطرحها بين الحين والآخر نجل العقيد الليبي سيف الإسلام رئيس «مؤسسة القذافي للتنمية» جعلت منه قائداً لورشة إصلاح ضخمة وحولت أطروحاته كقبلة لشرائح كبيرة من المواطنين بعدما تبنت الإصلاح سبيلاً دون المساس بالطبع بالعناوين الكبرى للثورة وقائدها معمر القذافي التي اعتبرها سيف الإسلام «خطاً أحمراً».
وككل حالة تطوير، اتسعت رقعة الجدال الدائر لتطال مواقع الانترنيت والمنتديات الليبية في الداخل والخارج وارتفعت أكثر فأكثر بعدما نفت جهات رسمية في العاصمة طرابلس علاقتها بمسودة وثيقة الدستور كانت نشرتها صحف مقربة من نجل القذافي قبل نحو أسبوعين.
وإذا كانت السلطات الليبية تعتمد أسلوبها الخاص في تمرير مشروعاتها وبرامجها، فإن إقدام سيف الإسلام على الدعوة لهذا المشروع علناً وتكليف لجنة عملت شهوراً على صياغة ملامح الدستور أو «الميثاق الوطني» كما سمي لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يمر بعيداً عن خيمة الزعيم الليبي معمر القذافي الذي لا يستبعد المراقبون موافقته الضمنية على خطوات نجله الإصلاحية .
وهو ما يعتبره البعض أن القذافي الأب نفسه يقف وراء المشروع وأن ظهور سيف الإسلام في الواجهة ما هو إلا رسالة واضحة للحرس القديم للثورة الرافض للإصلاح بضرورة التزحزح عن مواقفه الجامدة.وهو ما انعكس تالياً في الحملة الواسعة التي شنتها الصحف ألاالمقربة من سيف الإسلام رغم الغياب المفاجئ ألاللوثيقة .
وهو ما يضاعف من حجم التساؤلات التي أثارتها والتي تصل إلى حد ما اعتبره البعض «مناورة سياسية» تعد بمثابة «بالون اختبار» لقياس رد فعل اللجان الثورية وهي القوة الجماهيرية الحقيقية في ليبيا والتي تعتقد شريحة واسعة فيها أنها المستهدفة بهذا المشروع الذي سيؤسس لدولة القانون المؤسسات وتنضج فيه العلاقة بين المواطن والدولة وفق «أسس مؤسساتية».
لكن ما حصل في الواقع هو أن المسودة خرجت فعلياً من أدراج المكاتب وبات في حكم المؤكد أن جهة ما أياً تكن عملت على صياغتها إثر نقاش طويل وانتقلت ملامحها بسرعة خيالية بين مواقع الانترنيت الليبية المختلفة وهو الهدف الذي تطمح له الجهة التي روجتها. فالوثيقة كما نشرتها المواقع تطرح ترتيبات مرحلة ما بعد العقيد القذافي، حيث ذكرت المادة الرابعة أن القذافي الأب «رمز وطني لا يتكرر».
واحتوت المسودة على أكثر من 165 مادة موزعة على ثمانية فصول تضمنت عملية الاقتراع السري داخل صناديق المؤتمرات الشعبية الأساسية ومنح صلاحيات واسعة لمجلس القيادة الاجتماعية وطرح قوانين تنظم حالة الطوارئ في البلاد وإنشاء محكمة دستورية وإلغاء المحاكم الاستثنائية.
وتشير التسريبات الإعلامية إلى أن المادة الخامسة تنص على أن الميثاق الوطني هو «المرجعية القانونية العليا التي تبني عليها التشريعات ويعد باطلاً كل قانون يخالف أحكامه»، وهو ما يعني بكلمةٍ أخرى تجاوز الوثيقة الخضراء الكبرى لاعتمادها على مبدأ ألاالسلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية وما يتفرع عنها، وهي تقسيمات غير معترف بها في ليبيا وفقاً للنظام الجماهيري المعروف باسم «سلطة الشعب».
وتؤكد ديباجة الدستور على أن مجتمع الليبيين «مجتمع الحرية والمساواة وحكم القانون والإبداع والتألق، يتمتع فيه الجميع، دون أي تمييز، بحق الحياة والحرية والأمن والطمأنينة».كما تعلن تمسك المجتمع الليبي «بالدين الإسلامي الحنيف ونبذ العدوان والحرب والاستغلال والعبودية والإرهاب». وتشدد على قيم «العدالة، والتساوي أمام القانون».
كما تشير إلى أن السلطة والموارد الطبيعية «بيد الشعب»، وأن سيادة الدولة «لا تقبل التجزئة أو التفويض أو التنازل».وترفض الديباجة «العنف كأداة لفرض الأفكار»، وتتبنى عوضاً عنه «الحوار الديمقراطي أسلوباً للتعايش وبديلاً عن كافة أدوات القهر والتسلط والظلم».
أما المادة الأولى فتقول: إن «الجماهيرية العربية الليبية دولة مستقلة ذات سيادة وهي جزء من الوطن العربي والقارة الإفريقية، ولا يجوز التنازل عن سيادة الدولة أو أي جزء من ترابها الوطني. ويحدد بقانون شعار الدولة ونشيدها ورايتها الوطنية».
وأيا تكن الأهداف والنتائج من تسريب هذه الوثيقة فإن مجرد انتشارها تحت مسمى «دستور ليبيا» من شأنه أن يخرج الجدل من الدوائر الفكرية والأكاديمية إلى دوائر صناعة القرار الليبية وتحديداً مؤتمرات الشعب العامة التي لن تمر اجتماعاتها بكل تأكيد من دون الوقوف مطولاً عند هذه السابقة في التاريخ الليبي.
فيما يرى مطلعون على الشأن الداخلي أن هذه المؤشرات ليست إلا مقدمات لتحول نوعي كبير يسميه معظمهم ب«الثورة الثانية» تحت قيادة معمر القذافي، لتصبح ثورة على الثورة ممهدةً لتأسيس دولة حديثة تعمل وفق نظم ومؤسسات متعارف عليها دولياً.
سيرة : سيف الإسلام معمر القذافي
ولد المهندس ألاسيف الإسلام كما يحلو لليبيين تسميته ألافي ال5 من شهر يونيو العام 1972. وهو الابن الثاني للعقيد القذافي من زوجته الثانية صفية فركاش. ولسيف الإسلام خمسة أشقاء من بينهم أخت واحدة.التحق بكلية الاقتصاد في جامعة «إمادك» في النمسا العام 1998 حيث حصل على درجة الماجستير منها العام 2000. كما التحق ب«كلية لندن للاقتصاد» لنيل شهادة الدكتوراه.
ولسيف الإسلام اهتمامات فنية حيث أقام العديد من المعارض الفنية في مختلف دول العالم. عمل بعد تخرجه ل«مركز البحوث الصناعية» في العاصمة طرابلس. كما عمل العام 1996 في «المكتب الاستشاري الوطني». وانشأ «مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية والتنمية» العام 1998، حيث ساهم في حل الكثير من المشاكل الدولية كقضية الرهائن الأوربيين في الفلبين.
يقود سيف الإسلام تياراً إصلاحياً»، حيث دعا في شهر أغسطس من العام 2006 لاستحداث دستور ثابت لليبيا، كما دعا في خطاباته للتحول السياسي مما وصفه «ليبيا الثورة» إلى «ليبيا الدولة»، موجهاً انتقادات حادة للنظام السياسي الليبي، كان آخرها خلال لقائه السنوي مع الشباب الليبي. يقود نجل الزعيم الليبي مشروعاً يسمى «مشروع ليبيا الغد»، ويهدف إلى إخراج ليبيا من العزلة الدولية التي فرضت عليها.

