ألاحلقات النقاش غير المسبوق ألا الذي تشهده الدوائر الفكرية والثقافية في ليبيا هذه الأيام تكشف النقاب عن ظهور جيل جديد في الجماهيرية يسعى بصمت لكتابة تاريخ جديد للبلاد ينطلق مما تصفه النخب السياسية بالتأسيس لدستور جديد هو الأول في البلاد منذ أربعة عقود.

ومجرد الحديث عن دستور جديد في ليبيا يؤسس لقواعد حكم واضحة تعد ألابمثابة ثورة على الثورة التي أوجدتها ظروف تاريخية تقاطع فيها الاجتماعي بالسياسي، فكانت من منظور الثوريين حتمية تاريخية لليبيا عاشت على إيقاعها طيلة العقود الماضية ألامتماهيةً مع التحولات المتعاقبة حيناً ومتصادمة معها في أحيان كثيرة،رصيدها في ذلك قوة الشعارات التي رفعتها والتي كثيراً ما اتسمت بالعمومية والتباس المعنى.

إلا أن أجيال ليبيا الجديدة، والتي يظهر اليوم النجل الثاني للزعيم الليبي سيف الإسلام القذافي كرأس حربة لها، تقدم قراءة جديدة للواقع الليبي في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم.

وخلص هذا التيار الذي بات يعرف ب«الإصلاحي» إلى تشخيص الظرف التاريخي الراهن وإدراك ألاالقوى غير التقليدية التي تحكمه ألاوتسيره وفق منظومة مصالح متشابكة ألغت الحدود الاقتصادية والسياسية والثقافية، وهو ما يتطلب وعياًألايتجاوز الشعارات الثورية ألادون أن يعني ذلك بالضرورة إلغائها.

فالفكر الثوري الذي أنتجته ظروفألا الستينيات كان القوة المحركة لعجلة التاريخ في حقبة كان فيها ضرورة لبعض الشعوب والعالم. وهو لم يعد ذاته اليوم ما يحتم إعادة بناء الذهنية والعمليات المعرفية والسياسية برمتها لتستجيب للشروط الجديدة.

وأجيال ليبيا الجديدة التي أمنت لها الثورة مختلف الوسائل من تعليم وصحة ووسائل الحياة العصرية التي لا يخلو منها بيت في المدن والقرى والبوادي الليبية تتفوق في إدراكها لما حولها وإلمامها بأدوات المعرفة الحديثة وعياً وممارسةً على الثوريين مجتمعين وإن تحصنوا وراء شعاراتهم القوية وتاريخهم الثوري الحافل بالانتصارات والانكسارات.

إلا أن ما يميز ليبيا والشعوب المغاربية عموماً جنوحها إلى التريث في الإقدام على التغيير الجذري الذي يعد من وجهة نظرهم بمثابة قفزةٍ في الهواء. لذلك، فإن السماح لليبيين بالنقاش العلني لواحد من المبادئ المخالفة لعناوين الثورة في حد ذاته يعتبر مكسباً للإصلاحيين في المقام الأول ولليبيين الذين يحتاجون اليوم أكثر من أي وقت للخروج من عباءة الشعارات إلى الإسهام بدورهم الحضاري في الحراك الذي يشهده العالم والذي يفرض الانتقال من حالة الثورة إلى مرحلة الدولة.

محمد الحناشي

mohannach@gmail.com