يخلص المؤلف في ختام تحليله لعناصر أزمة الغذاء العالمية وأسرار تفاقمها وتعقيدها إلى القول بمجموعة مهمة من الأطروحات التي يرى أن مواجهة الأزمة لابد لها من المرور بها على نحو حتمي.
فلابد أولا من إصلاح سلسلة غذاء البشر التي يقول إنها قد تبدأ من غابات الأمازون ثم لا تنتهي في محال السوبر ماركت وهو يحرص على التحذير من خطورة النتائج المترتبة على الإفراط لأنه يعني من الناحية العملية استنفاد الموارد وهو يطالب بأن يتحول الترشيد إلى نمط للسلوك لا يغيب عن الأنظار. وعلى الجانب الآخر من معادلة الغذاء فإنه يرى في محاربة الجوع ضرورة قصوى لابد من انجازها اليوم قبل الغد لأنها مهمة غير قابلة للتأجيل بأي معيار. وذلك في ضوء النتائج الخطيرة المترتبة على تفاقم أزمة الغذاء وخاصة بالنسبة لدول العالم الثالث وعلى وجه التحديد الافريقية منها.
من واقع المعلومات التي ساقها المؤلف عبر صفحات الكتاب، فضلا عن الآراء التي طرحها عبر مسيرة البحث، يخلص إلى أن مواجهة الأزمة المحدقة بعالمنا وتنذر كما يؤكد من جانبه بنهاية عصر الغذاء المتاح بكميات كافية وأسعار متهاودة، هذه المواجهة لا تتم ولا تنجح في رأي المؤلف إلا بأن يبادر العالم إلى اتخاذ إجراء جذري.. وربما نقول ثوري.. تلخصه عبارة من كلمتين بالفرنسية: نوفيل كوزين، أوالمطبخ الجديد. وتعني إدخال تغييرات أساسية على الأساليب التي يتعامل بها إنسان هذا الزمان الصعب مع الغذاء.. من حيث أصنافه وأطباقه.. مذاقاته ـ نوعياته، طرائق طهيه.. ثم كمياته وجدواه الطبية والصحية إضافة إلى موقعه من منظومة الطعام المعاصرة من ناحية الإنتاج والتجهيز.. والتعبئة والتغليف والنقل والطرح والتعامل في أسواق الجملة والتجزئة.
في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يعترف المؤلف بأن صناعات الأغذية في أميركا ظلت تمارس ما يتصوره نوعا من التمويه سواء على صانعي القرار أو على جمهور المستهلكين مدعية أن كل شيء على ما يرام وأن لا خوف إطلاقا على مستقبل الغذاء لا في أميركا ولا في العالم.
وقد تنطلي مثل هذه الصورة البراقة على بسطاء المستهلكين، لكن يظل من واجب أهل الرأي والعلم أن يتأملوا ما وراء هذه الرتوش الزاهية المموهة بألوان الطيف: سوف يجدون ـ كما يؤكد المؤلف (ص 299 ـ 300) أن خلف الفاكهة المرصوصة واللحوم والدواجن المعروضة منظومة غذائية عالمية شاملة (غلوبالية كما يسميها الكتاب) وقد استبد بها الإجهاد وأصابتها أمراض الوهن والتوتر والاستنزاف سوف يطالعون أطنانا من الكيمياويات تدخل في تركيب المأكولات الزراعية وتنتقل عناصرها الكيماوية إلى جسم الإنسان مسببة أمراضا فتاكة..
سوف يطالعون تربة للزراعة أصابتها أمراض التحلل والتآكل. سوف يشاهدون مراعي في قارات مثل أفريقيا أو استراليا وقد كاد الغطاء النباتي الذي يسترها ينوء من الزيادة الباهظة في عدد رؤوس الحيوان.. تماما كما أدت أساليب الصيد الجائر (مصطلح الأمم المتحدة ؟ اتفاقية قانون البحار) إلى استنفاد أنواع ثمينة من الأرصدة السمكية التي كانت بمثابة ثروة نفيسة وهبها خالقها عز وجل إلى بني البشر.. سوف يجدون مزارع كانت منتجة وكانت تزدان بخضرة الزروع ونضارة البراعم ويانع الثمرات..
فإذا بها تتحول إلى مولات ـ أسواق مركزية مودعة في بنايات تستهلك مزيدا من الطاقة وتنفث مزيدا من الانبعاثات الكربونية وتلتهم مزيدا من وقت الناس ومن أموالهم واهتماماتهم وتكاد تقف شاهدا على أن أغرقت الإنسانية نفسها في حمئة الاستهلاك.. سوف يطالعون مشكلة انخفاض منسوب المياه العذبة في مجاري الأنهار.. وارتفاع منسوب المياه المالحة ومياه الصرف الصحي التي تسربت من فرط النشاط الحضري (في المدن) إلى جوف الأراضي فإذا بها تصبح كالكائن البشري المصاب بآفة الاستسقاء.
سوف يصادفون صوامع ـ مخازن الغلال وقد كادت تؤول إلى الخواء بسبب زيادة المطلوب لزوم الاستهلاك الذي فاق كل المعدلات سواء من حيث الكم أو من حيث تنوع الأصناف، دع عنك ما أصبح نمطا من سلوكيات إنسان العصر للأسف متمثلا في زيادة معدلات الصرف والإفراط ومن ثم زيادة معدلات الهدر والإهلاك. ويشير المؤلف في هذا الصدد إلى الحقائق المفزعة التي كشف عنها بروفسور بول كروجمان فيما يتعلق بأسرار أزمة الغذاء ويشير إلى الآمال الكبار المعلقة على خطط الإدارة الأميركية الجديدة وعلى رأسها باراك أوباما لتحريك الاقتصاد الأميركي.
ويورد مؤلف الكتاب تعليقه.. فيقول: في واقع الأمر.. فكلما مضت الأيام أجد نفسي حيال صور مغايرة تماما.. يرسمها الفكر والخيال.. صور أرى فيها منظومة الغذاء البشري وقد أغلقت أبوابها أو انسدت مسالكها وأتصور كيف أن هذه الأرفف الحاشدة بصنوف الطعام يمكن أن تخلو إذا ما وقعت حوادث أو نجمت عوائق تفوق في جسامتها قدرة منظومة الغذاء العالمي على الأداء والاستمرار.
وقبل أن نسأله عن تصوراته لمثل هذه الحوادث أو العراقيل.. يبادرنا قائلا: إنها أحداث قد تشمل مثلا اندلاع وباء يجتاح أجزاء شاسعة من عالمنا وخاصة تلك التي تخصصت في إنتاج أنواع حيوية من الأغذية ـ اللحوم أو الدواجن مثلا.. وباء من قبيل الأنفلونزا..
وقد انتشر في العالم باسم الأنفلونزا الأسبانية في الربع الأول من القرن العشرين ثم عاود الانتشار باسم الأنفلونزا الأسيوية عام 1957 وراح ضحيته عشرات الملايين من البشر وربما لطف الله بالمعمورة فخف انتشار أنفلونزا الطيور بعد السنوات الخمس الأولى من القرن الجديد.. ومع ذلك فالمؤلف يسوق أبعاد السيناريو العلمي الذي وضعه »معهد السياسة الدولية« في سيدني ـ استراليا.
مشيراً إلى آفة أنفلونزا الطيور إياها انطلقت قنبلة عدواها من مزارع البط في قارة آسيا.. ويقدر المعهد الاسترالي أن يهلك من ضحاياها نحو 14 مليون إنسان مع ما تسببه من أضرار جسيمة تلحق باقتصاديات العالم بشكل عام وقطاع الأغذية على نحو خاص.
صحيح أن مثل هذا الوباء بدأ في آسيا ـ لكن الصحيح أيضا أن المعهد الاسترالي ينبه إلى أن مثل هذا الخطر سيكون أفدح إذا ما وصل إلى أفريقيا السوداء التي تفتقر فيها ملايين السكان إلى أسباب الوعي والوقاية والاحتياطات الصحية. ناهيك عن الفقر المدقع الذي يدفع الإنسان إلى أن يأكل كل ما تقع عليه يداه.
وحتى بصرف النظر عن اندلاع أوبئة فتاكة.. فالمؤلف يحذر البشر أيضا من آفة الإقبال على استهلاك صنوف الطعام ؟ يقول بغير مواربة: لقد أصبحنا.. أفدح وزنا وأشد جوعا وأكثر نهما لالتهام الطعام.. والمشكلة أن توافر الطعام أمامنا ليس بالأمر السهل على نحو ما قد يتصور الناس.. لن يتوافر ببساطة إذا ما أصيبت بأي مشكلة أي حلقة من حلقات سلسلة التوافر..
إذا ما وقعت أزمة في الطاقة ـ مشكلة في وسائل النقل.. قضية من قضايا التوصيل أو التجهيز فما بالك بالارتفاع المتصاعد في معدلات الأسعار. وبديهي أن ليس هناك حل سحري للتعامل مع المشكلات التي قد تعتري سلسلة توفير الطعام. لكن الخطوة الأولى الناجعة تكمن في أمر جوهري واحد وهو: تغيير سلوك الناس إزاء الغذاء.
وهو ما يوجزه المؤلف قائلا بغير مواربة: لا يكمن التحدي في أهمية أن نعمل على زيادة المعروض من الأغذية.. التحدي الأهم هو أن نعمل على تقليل الطلب على الغذاء خاصة على اللحوم بأنواعها (ص 315). لأن الاستمرار ـ دع عنك الإمعان ـ في استهلاك تلك الأصناف كفيل بأن يصل بالبشرية يوما ليس بالبعيد إلى وضع لا تستطيع فيه الموارد المحدودة أن تلبي الطلبات التي تتزايد بغير حدود.
ومن المفارقات أن يأتي الارتفاع الذي طرأ مؤخرا على أسعار الحبوب ليكون فيه فائدة تتمثل في جعل إنتاج اللحوم أقل جاذبية لجماهير المستثمرين. في هذا الإطار يلزم خفض المقادير المستهلكة من اللحوم بالنسبة للأفراد، ربما لحساب زيادة في مقادير الاستهلاك النباتي..
ويلزم أيضا توعية الآباء بمغبة الإمعان في إطعام أطفالهم بالأصناف المستحدثة من الأغذية التي يتم تجهيزها باستخدام نسبة خطيرة من الدهون الثقيلة المصنّعة التي تصيب الطفل ببدانة مفرطة من ناحية وترفع في دمه نسبة الكولسترول والسكري الضار من ناحية أخرى، وتلك مشكلة أكدت نفسها حاليا في مجال طب الأطفال في بلد مثل الولايات المتحدة باعتبارها نموذجا مازال يحتذى في السلوك الذي يحمل أوصاف العصرية ـ الحداثة ـ الشياكة ـ وما إليها.
من ناحية أخرى يؤكد المؤلف أن تغيير سلسلة الغذاء ـ أو استحداث المطبخ الجديد ـ نوفيل كوزين كما يسميه ـ لا يقتصر على تغيير موائد طعامنا ولا حتى تبديل سلوكياتنا أو مواقفنا إزاء ما نتناوله من صنوف الغذاء.
الأمر أشمل من ذلك بكثير: أنه ينصرف إلى رصد الاعتمادات المالية الكافية لإجراء البحوث والتجارب العلمية الكفيلة باكتشاف أساليب وتقنيات جديدة في مجالات الزراعة والتجهيز وإعداد أنواع الأغذية من أجل طرحها في الأسواق.. معناه أيضا إدخال إصلاحات على نظم تغذية التلاميذ بالمدارس أو العمال في مواقع الإنتاج والخدمات بعيدا عن سقط المتاع من الطعام ـ ويعرف في المصطلح الشائع باسم »جنك فوود«. وهو أنواع الأطعمة المفعمة بأصناف من مكسبات اللون والطعم والرائحة ولكنها في نهاية المطاف تعد من غثاء الغذاء كما قد نقول.
وينصرف الأمر أيضا إلى وضع القوانين واللوائح التي تلزم كل الهيئات والجهات المسؤولة عن إطعام هذه الفئات من الطلاب أو العاملين أو أفراد القوات النظامية في الجيش والشرطة.. ومن ثم المستهلكين.. بأن تراعي المواصفات التي تحددها قوانين الصحة والوقاية والنظافة والبيئة.
في كل حال فعندما يدعو بول روبرتس مؤلف هذا الكتاب إلى إصلاح سلسلة غذائنا كما يسميها فهو يدعو بإخلاص إلى أن يتم هذا الإصلاح من خلال المنظور الأوسع لتدبير غذاء البشرية وبمعنى أن مسؤولي هذا التدبير ـ الحيوي بالطبع ـ لا بد وأن يدركوا أن السلسلة مؤلفة من حلقات متداخلة ومنها ما قد ينتمي إلى الغابات المطيرة في حوض الأمازون بالبرازيل أو إلى أشجار الكاكاو في غرب أفريقيا أو إلى حقول الأرز في جنوب شرقي آسيا أو إلى مراعي الأبقار في الأرجنتين ـ أميركا الجنوبية..
هذه السلسلة الحيوية أقرب في التشبيه إلى جسم الإنسان إذا شكا منه عنصر.. أو إذا اختل التوازن في عضو بسبب غدرات الطبيعة أو جشع الإنسان.. تداعت له سائر حلقات السلسلة بحمى أمراض اقتصادية في مقدمتها الشحة والنقص أو اجتماعية في جوهرها الفقر والحاجة.. وفيما بينها أمراض عضوية تصيب البشر على أساس معادلة متطرفة الجوانب.. أولها جانب التخمة حتى البدانة.. وآخرها جانب سوء التغذية حتى السقم والهزال.
وبمناسبة طرفي المعادلة: يختم المؤلف طروحات كتابه موضحا أن البطر.. الإفراط هو العلة الأخطر لأنه يعني استنفاد الموارد وترهل الهمة على صعيد الحضارات. وإذا كان الحرمان والجوع هو الطرف الآخر لنفس المعادلة فربما يكون هذا الحرمان هو الدافع الأوفق نحو الترشيد.. ومحاربة الإسراف وإعمال العقل في التصدي لمشكلات الغذاء.
الصفحات: 390 صفحات (متوسط)
الكتاب: نهاية الغذاء
تأليف: بول روبرتس
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: هوتون مفلن كومباني، نيويورك


