في الثاني من ديسمبر الجاري عقد وزراء خارجية حلف الناتو مؤتمرهم في بروكسل بحضور وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لبحث سؤال الأمن الأوروبي الذي أصبح محل شكوك كبيرة ، خاصة في ظل تصميم واشنطن على نشر منظومة دفاعها الصاروخي في بولندا وتشيكيا بالقرب من الحدود الروسية ، إلى جانب معارضة روسيا لتوسعات حلف شمال الأطلسي شرقا وضمه لجمهوريات سوفيتية سابقة مثل جورجيا وأوكرانيا.

وكان الأوروبيون قد وافقوا في يونيو الماضي على مبادرة الرئيس الروسي ميدفيديف حول عقد معاهدة جديدة للأمن الأوروبي ، إلا أن الحرب في القوقاز في أغسطس الماضي أوقفت هذا الحوار بعد إدانة واشنطن لهجوم روسيا على جورجيا واستنكار الأوربيين لإعلان موسكو استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وعادت الأمور تشتعل من جديد بعد إعلان الرئيس الروسي ميدفيديف في الخامس من نوفمبر المنصرم عن قراره بإعادة نشر منظومة الصواريخ الروسية « اسكندر» في إقليم كاليننجراد الروسي الواقع في قلب أوروبا ، وذلك ردا على وجود منظومة الدفاع الصاروخي الأميركي في بولندا وتشيكيا. وشعر الأوروبيون بالقلق إزاء هذا التصعيد خشية أن تتحول القارة الأوروبية في المستقبل إلى ساحة للصراع بين القوتين النوويتين الكبيرتين روسيا وأميركا .

وصرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في أعقاب هذا القرار قائلا «إن التوتر الذي يشوب العلاقات بين موسكو وواشنطن يشكل تهديدا لأمن أوروبا» ، كما صرح رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني قائلا«إننا نتوجس خيفة من تصعيد المواجهة بين موسكو وواشنطن ، خاصة في القارة الأوروبية لأن أي صدام بين هاتين الدولتين سيشكل كارثة للجميع ».

و طالب بيرلسكوني واشنطن بإعادة النظر في نشر منظومة دفاعها المضادة للصواريخ في أوروبا طالما تشكل استفزازا لروسيا ، وأبدى بيرلسكوني وساركوزي استعدادهما للوساطة بين موسكو وواشنطن من أجل تهدئة الأوضاع في أوروبا.

ويقول المحلل الإستراتيجي الروسي أندريه سيرجييف«إن الأوروبيين يراقبون بقلق شديد التصعيد بين موسكو وواشنطن منذ أن أعلنت روسيا في يوليو من العام الماضي تعليق مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا ، ويرون أن واشنطن مستمرة في استفزاز روسيا والضغط عليها حتى تدفعها لاتخاذ قرارات وخطوات تثير الأوروبيين ضدها وتدفعهم لطلب الحماية الأمنية من واشنطن ، ولكن على ما يبدو أن الأوروبيين واعون للمخطط الأميركي و مصممون على الاتفاق مع روسيا ، الأمر الذي يشكل قلقا شديدا لواشنطن على وضعها و هيمنتها على أمن أوروبا» .

بوتين يحذر

بعد الحرب في القوقاز وهجوم روسيا الحاسم على جورجيا ، ثم إعلان موسكو اعترافها باستقلال أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا شنت واشنطن حملة دعائية قوية ضد روسيا ودعت الأوربيين للانضمام إليها واتخاذ قرارات بعقوبات ضد موسكو ، ولكن الأوروبيين لم يستجيبوا لواشنطن واكتفوا في سبتمبر الماضي بقرار تجميد الحوار بين الاتحاد الأوروبي و روسيا حول معاهدة الشراكة والتعاون و حول معاهدة جديدة للأمن في أوروبا.

وتجمدت الأوضاع والحوارات بين الطرفين حتى أعلن الرئيس الروسي ميدفيديف عن إعادة نشر منظومة الصواريخ اسكندر في كاليننجراد وإعلانه عن قيام قواعد الرادار الروسية في أوروبا بالتشويش على منظومة الدفاع الأمريكية المضادة للصواريخ المنتشرة في بولندا وتشيكيا ، الأمر الذي جعل الأوربيين يستشعرون الخطر من وقوع أي خطأ يسبب كارثة.

وصرح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين في 24 نوفمبر قائلا «إن أوروبا ستخسر كثيرا من نشر المنظومة الأميركية على أراضيها لأن روسيا سترد على نشر هذه المنظومة بالشكل الكافي لردعها تماما ».هنالك تيقن الأوروبيون من استحالة استمرار هذا التوتر والتصعيد فقرروا إنهاء حالة التجميد والعودة للجلوس مع روسيا لمناقشة قضية الأمن الأوروبي والعودة للمفاوضات حول إعداد معاهدة جديدة للأمن الأوروبي العام.

ودعا الرئيس الفرنسي ساركوزي واشنطن للكف عن إطلاق التهديدات بشأن منظومة دفاعها المضادة للصواريخ كما دعا موسكو للعدول عن قرار نشر منظومة صواريخ «اسكندر» في كاليننجراد ، و طالب ساركوزي بتجميد كل الأنشطة الفردية لحين إعداد معاهدة جديدة للأمن الأوروبي .

منظومة جديدة

الرئيس الروسي ميدفيديف صرح قائلا«يتعين على كافة بلدان أوروبا قبل الجلوس معنا لإعداد معاهدة الأمن الأوروبي العام أن يمتنعوا عن اتخاذ أية مواقف أحادية مع أطراف أخرى تهدد الأمن الأوروبي ». وأشار ميدفيديف إلى أن بعض دول أوروبا ( يقصد بولندا وتشيكيا ) عقدت من جانب واحد اتفاقات مع جهات أخرى ( يقصد واشنطن) حول نشر أسلحة جديدة إستراتيجية في أراضيها .

وقال ميدفيديف«إذا كنا نعيش في بيت واحد فلنلتق و نتفق ولا ندع غيرنا يقرر لنا أمننا ». وبدا واضحا أن روسيا تسعى لاستبعاد الولايات المتحدة من قضية الأمن الأوروبي ، كما بدا واضحا أن أطرافا أوروبية تؤيد هذا التوجه .

فقد صرح الرئيس الفرنسي ساركوزي قائلا « إن الاتحاد الأوروبي وروسيا قررتا وضع حجر الأساس لمنظومة أمنية أوروبية جديدة وهذه القضية تحتل الأولوية بالنسبة لنا، ولا مانع لدينا من مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في المناقشات ». تصريح ساركوزي أثار جدلا كثيرا حول تفسيره ، إذ رأى الكثيرون أنه تعامل مع الولايات المتحدة كطرف ثالث لا شأن له بالأمن الأوروبي ، و بدا واضحا أن كل من إيطاليا وألمانيا وأسبانيا و دول أخرى يؤيدون هذا التوجه.

ويقول فيكتور كريميوك الخبير بأكاديمية العلوم الروسية لوكالة نوفوستي«لقد أدرك الأوروبيون جيدا أنه لا مجال لحسم قضية الأمن الأوروبي إلا بحسم الخيار لديهم بين موسكو وواشنطن ، وأنه لا يمكن الجمع بين الاثنين على طاولة واحدة لمناقشة هذه القضية ، وأن عليهم الاختيار بين الشراكة مع روسيا الدولة الأوروبية الكبيرة بقوتها العسكرية المتنامية بشكل واضح و التي أصبحت تربطها بأوروبا مصالح اقتصادية حيوية ، خاصة في مصادر الطاقة ، وبين الصديق الأمريكي القديم عبر الأطلسي والذي لا تهمه إلا مصالحه وهيمنته على الساحة و يسعى لعسكرة القارة الأوروبية لأهداف خاصة لديه» .

المبادئ الخمسة

روسيا والاتحاد الأوروبي اتفقا على العودة للحوار والإعداد للمعاهدة الجديدة ، هذه المعاهدة التي طرح الرئيس الروسي ميدفيديف خمسة مبادئ تقوم عليها هي أقرب للشروط منها للمبادئ ، وهي : أولا : التنفيذ النزيه و حسن النية للالتزامات الدولية واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ، وثانيا :عدم جواز استخدام القوة ا، التهديد بها في العلاقات بين الدول ، وثالثا : ضمان أمن متكافئ للجميع ، ولا أمن لأحد على حساب أحد اخر ومنع تطوير الأحلاف العسكرية ، ورابعا: ليس لأي دولة أيا كانت قوتها وحجمها امتياز خاص للانفراد بقضية الأمن والسلام في أوروبا ، وخامسا : أن تتضمن المعاهدة آليات جديدة للرقابة على التسلح في دول القارة .

لقد بدا واضحا أن الشروط أو المبادئ الروسية تستهدف في الأساس الولايات المتحدة بهدف تهميش دورها في الأمن الأوروبي ، و بدا واضحا أيضا أن دولا أوروبية كثيرة تؤيد هذا الأمر ، وهذا ما عكسه مؤتمر وزراء خارجية دول حلف الناتو الذي عقد في بروكسل أخيرا و حضرته وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس.

وهو المؤتمر الذي كانت واشنطن قد أعلنت في أغسطس الماضي أنه سيخصص لمناقشة مسألة انضمام جورجيا وأوكرانيا لعضوية حلف الناتو ، لكن الأوروبيين استبعدوا هذه المسألة من النقاش و قصروا المؤتمر على مناقشة قضية الأمن الأوروبي، هكذا عادت روسيا لطاولة الحوار الأمني الأوروبي بدعوة من الأوروبيين أنفسهم ، ولم تجد واشنطن في ظروفها الحالية إلا التسليم بالأمر الواقع و قبوله على مضض.

تصور

المبادئ الروسية الخمسة للأمن الأوروبي

وضعت روسيا خمسة مبادئ للامن الاوروبي هى كالتالي:

أولا : التنفيذ النزيه و حسن النية للالتزامات الدولية واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.

ثانيا :عدم جواز استخدام القوة او التهديد بها في العلاقات بين الدول.

ثالثا : ضمان أمن متكافئ للجميع ، ولا أمن لأحد على حساب أحد أخر ومنع تطوير الأحلاف العسكرية.

رابعا: ليس لأي دولة أيا كانت قوتها وحجمها امتياز خاص للانفراد بقضية الأمن والسلام في أوروبا .

خامسا : أن تتضمن المعاهدة آليات جديدة للرقابة على التسلح في دول القارة.