على الرغم من أن أوروبا هي التي ألّحت على الولايات المتحدة كثيرا لكي تدخل الحرب العالمية الثانية مع الحلفاء ضد النازي الألماني ، إلا أن الأوروبيين دفعوا ثمن ذلك باهظا ، حيث فرضت واشنطن عليهم بعد الحرب مشروعها الشهير لإعادة الإعمار المسمى بمشروع « مارشال »نسبة لصاحبه وزير الخارجية الأميركي الجنرال جورج مارشال الذي طرح المشروع في يونيو عام 1947 ، والذي لم يكلف واشنطن أكثر من 13 مليار دولار تم توزيعها على بعض دول أوروبا التي عانت من الحرب كمعونات مقابل استثمارات أميركية في هذه البلاد .
و فتح هذا المشروع المجال للهيمنة الاقتصادية الأميركية في أوروبا وأيضا للهيمنة الأمنية والعسكرية من خلال حلف شمال الأطلسي الذي تأسس برعاية أمريكية عام 9491 ، وظل الأمن الأوروبي طيلة سنوات الحرب الباردة حكرا على واشنطن تقرر مصيره وتحدد توجهاته و التهديدات التي تواجهه ، كما تحدد حاجة دول أوروبا من السلاح والعتاد للدفاع عن هذا الأمن ضد الخطر الشيوعي القادم من الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي.
هذا على الرغم من أن موسكو الشيوعية لم تشكل بعد الحرب العالمية وتقسيم برلين أي شكل من أشكال التهديد لأوروبا الغربية بالتحديد ، بل على العكس سعت موسكو للتقارب مع الأوروبيين وفتح مجالات للتعاون معهم ، ولكن واشنطن كانت دائما تحول دون هذا التقارب ، على الرغم من ترحيب بعض الدول الأوروبية الكبيرة بهذا التعاون ، مثل فرنسا ديجول التي كانت لا ترى أي مبرر للعداء مع الاتحاد السوفييتي ، وكان ديجول من أشد المعارضين للهيمنة الأميركية على حلف الناتو وتدخلها القوي في الأمن الأوروبي ، و كان يقول « إن أمن أوروبا لا معنى له بدون مشاركة موسكو فيه باعتبارها الامتداد الشرقي لأوروبا ».
ظل الوضع على هذا الحال طيلة سنوات الحرب الباردة حتى انهار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي ، و بدأت روسيا تفتح علاقات جديدة مع الأوروبيين ، وتدخل معهم في معاهدات التعاون الأمني المشترك ، و بدا ترحيب الأوروبيين بمشاركة روسيا معهم كبيرا ، الأمر الذي أزعج واشنطن التي بدأت تتخوف من سحب روسيا للبساط من تحت أقدامها في أوروبا ، وزادت تخوفات واشنطن أكثر بعد التغلغل الاقتصادي الروسي في أوروبا.
وخاصة في مجال الطاقة بعد أن أصبحت روسيا في عهد الرئيس السابق بوتين تحتكر وحدها نحو 60 في المئة من واردات واحتياجات أوروبا من النفط والغاز ، الأمر الذي أعطى الحق لروسيا في المشاركة الفعالة في سؤال الأمن الأوروبي و جعل البعض يشك في وجود مشروع روسي في أوروبا شبيه بمشروع مارشال الأميركي ، خاصة وأن موسكو لم تكتفي بهذا بل تسعى لإزاحة واشنطن من القارة الأوروبية وإعادتها لقارتها عبر الأطلسي ، وهذا ما بدا في مقترحات الرئيس ميدفيديف الأخيرة لمعاهدة الأمن الأوروبي الجديدة، ويبدو أن هذا التوجه يلقى قبولا من الكثير من دول أوروبا.
د. مغازي البدراوي