أول ما لفت نظري في قراءاتي عن ابن خلدون هو أنه كان يمتلك في قراءته للتاريخ منهجاً لم يسبقه إليه أحد، كما يقول هو بالتحديد. فهو، إذ يقارن بين منهجه ومنهج أرسطو ومنهج المؤرخين العرب القدامى، يكتشف أنه كان أكثر منهم دقة علمية في قراءته للتاريخ.
وبمعزل عما إذا كان مصيباً في حكمه على أسلافه من المؤرخين، فإن المنهج الذي اتبعه في قراءته للتاريخ ولأحداثه ولتسلسل هذه الأحداث قد تميز بثلاثة أمور ذات أهمية استثنائية، يعتبرها الباحثون في فكره أنه متقدم بها على عصره. الأمر الأول يتمثل في أن ابن خلدون اعتبر أن لحركة التاريخ قوانين موضوعية تحكمها، وأنه من دون الاستناد إلى هذه القوانين تستحيل معرفة أسباب وقوع الأحداث في تسلسلها حدثاً إثر حدث. إلا أنه يسهم في إنتاج علم جديد هو علم التاريخ الذي يطلق عليه في المقدمة اسم «فن التاريخ».الأمر الثاني يتمثل في أن ابن خلدون قد فصل، في منهجه هذا، بذكاء خارق وبشجاعة نادرة، بين الدين الإسلامي، الذي كان يؤمن به ويلتزم أركانه، وبين القوانين الموضوعية التي تحكم حركة التاريخ.
إذ اعتبر أن ما هو موضوعي، في القوانين وفي سواها، لا ينبغي أن يخضع للأيديولوجيا، ولا ينبغي أن يربط الإقرار به بالماورائيات، بما في ذلك ما يتصل بالدين ذاته. الأمر الثالث يتمثل في أن ابن خلدون اعتبر أن الفكر عموماً والفكر المرتبط بعلم التاريخ (فن التاريخ) وبعلم الاجتماع (علم العمران) هو فكر تاريخي، بمعنى أن الفكر هو معطى غير ثابت. إذ هو يغتني على الدوام بالجديد الآتي مع تطور حركة التاريخ، ويتخذ في كل زمن أشكالاً وصيغاً ومفاهيم جديدة تتلاءم وتتطابق مع هذا الزمن الجديد ومع شروطه.
ولا شك في أن امتلاك ابن خلدون لهذه الميزات في فكره هو الذي أعطاه حجمه ووزنه ودوره في تراث الفكر الإنساني، وجعل فكره موضوعاً دائماً لدراسات الباحثين في مشارق الأرض ومغاربها.إلا أن الخطأ الذي يقع فيه بعض الباحثين من العرب خصوصاً، الذين أتيح لي الإطلاع على أبحاثهم، إنما يتمثل في أنهم يتعاملون مع فكره باعتباره فكراً راهناً، فيقيمونه تقييماً إيجابياً على هذا الأساس، من دون الأخذ بعين الاعتبار أنه فكر ينتمي إلى تاريخ سابق، ويتعامل معه بعض آخر من هؤلاء الباحثين بنوع من النقد له كما لو أن ابن خلدون مفكر معاصر، فيقعون في الخطأ ذاته الذي وقع فيه الفريق الأول، وكلا الفريقين يتعارضان في موقفيهما مع فكر ابن خلدون ذاته الذي أشرت إليه.
وانتقل إلى الحديث عن فكر ابن خلدون فيما يعتبر صلة بين منهج ماركس ومنهج ابن خلدون، ليس للمقارنة بين هذين المفكرين الكبيرين في تاريخ الفكر الإنساني. فالمقارنة بينهما غير جائزة بالنظر للمسافة الزمنية الكبيرة التي تفصل بينهما، ولاختلاف الشروط التاريخية بين هذين الزمنين المتباعدين جداً، وبمعزل عن هذه المقارنة غير الجائزة، فإن من المهم أن نؤكد بأن ابن خلدون كان متقدماً بفكره على عصره، وأن ماركس أيضاً كان متقدماً بفكره وبمشروعه لتغيير العالم على عصره. فإذا كان ابن خلدون قد أحدث في مقدمته ثورة في الفكر العلمي المتصل بقراءة التاريخ، وبتحديد قوانينه الموضوعية، فإن ماركس قد أحدث ثورة كبيرة في عصره في علم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة، في آن معاً.
وبالرغم مما اقترن بمنهج ماركس المادي الجدلي ومما عبرت عنه ماديته التاريخية من إنهاء للتاريخ من خلال تقريره بالتعاقب في التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية الذي ينتهي بالنظام الشيوعي، فإنه كان قاطعاً في تأكيده على أن حركة التاريخ التي تقوم على قوانين موضوعية (وهنا يلتقي ماركس مع ابن خلدون) إنما تنتج في سيرورتها وصيرورتها المفاهيم والأفكار التي تتطابق مع كل مرحلة من المراحل التاريخية المتعاقبة.
وفي ذلك إقرار من قبل ماركس (كما عند ابن خلدون) بتاريخية الفكر، أي بنسبيته، وبهذا المعنى فإن الحديث عن فكر ماركس اليوم كما لو أنه فكر راهن، وأن المفاهيم التي أنتجها هي مفاهيم معاصرة، هو حديث لا صلة له لا بالواقع، ولا بفكر ماركس ذاته. أليس هو القائل بصورة قاطعة أن الأفكار التي قدمها ليست عقيدة جامدة، وأن الأساس في فكره هو منهجه المادي الجدلي، وأن الفكر من دون الممارسة (البراكسيس) هو فكر مجرد، يفقد صلته بالحياة الواقعية.
ومن الطبيعي أن ماركس، الأقرب إلى عصرنا من ابن خلدون، يحتاج منا، أكثر من ابن خلدون، إلى أن نقرأه قراءة نقدية معاصرة بالنظر لأن المشروع الحضاري الذي ولد من رحم أفكاره، ما يزال ماثلاً أمام أعيننا، رغم انهياره. فماذا يمكن استنتاجه اليوم من إعادة قراءة أفكار ماركس، وماذا يمكن استنتاجه من واقع أن التجربة التي حملت اسم المشروع الاشتراكي، الذي أسسه ماركس، انهارت بعد ثلاثة أرباع القرن من قيامها، بسبب الخلل البنيوي الذي رافق وجودها، وبسبب الأزمات التي ظلت تتفاعل في داخلها حتى قضت عليها
إن إعادة قراءة ماركس تبدو اليوم ذات أهمية كبيرة، ليس لتمجيد هذه الأفكار، ولا للأخذ بها كنصوص، بل للإفادة من الجدلية التي مارسها ماركس بقدرة فائقة في تحليله لحركة التاريخ، من جهة، وفي تحليله، من جهة أخرى،لسيرورة هذه الحركة ولصيرورتها في المستقبل.
وفي اعتقادي فإن المنهج المادي الجدلي هو الأبقى في فكر ماركس. في حين أن كتاباته وتحليلاته والمفاهيم التي وضعها على قاعدة هذه التحليلات تشكل مدرسة قائمة بذاتها للذين يضعون أمامهم مهمة النضال لتغيير العالم باسم الاشتراكية. وهو المشروع الذي اعتبر ماركس أن القوى الأساسية الموكل إليها تحقيق هذا المشروع هي الطبقة العاملة. لكن التطورات التي شهدها التاريخ ابتداءً من زمن ماركس، بدأت تحدث تغييراً جوهرياً في طبيعة هذه الطبقة وفي الدور التاريخي الذي حدده لها ماركس.
لكن كل بحث راهن في أفكار ماركس، لا بد أن يترافق بطرح السؤال المشروع الآتي: هل لا يزال للاشتراكية مستقبل بالفهم الذي ساد خلال القرن الماضي، بل حتى بالاستناد إلى مفاهيم ماركس ذاتها وبالطبع فلن يكون الجواب عن السؤال في المتناول السهل عند أي من الذين يستمرون في حمل اسم الاشتراكية والشيوعية، وحمل راية ماركس والماركسية، حتى ولو حاول هؤلاء الإدعاء بأنهم يملكون هذا الجواب. لكن الجواب عن هذا السؤال حين ستتوفر شروطه، سيظل يحمل، في جوهره، جوانب أساسية من فكر ماركس، بتاريخيته، بل حتى جوانب من فكر ابن خلدون، البعيد في عصره عن عصرنا ما يزيد عن ستة قرون.
وغنيّ عن التأكيد، هنا، بأن على الباحثين عن تأمين شروط الجواب عن هذا السؤال أن يأخذوا في الاعتبار الوقائع الجديدة التي تميز عالم اليوم عن عالم الأمس. فالعالم اليوم هو مختلف اختلافاً جذرياً عن العصر الذي أنتج فيه ماركس أفكاره ووضع فيه مشروعه الاشتراكي. ولا بد من ابتداع مفاهيم جديدة، استناداً إلى منهج ماركس. وهذا يعني، بالضرورة، أن يبدأ اشتراكيو الغد ابتداع الصيغ الملائمة لبلدانهم لتحقيق هذه الاشتراكية في ذات عصر وذات زمن في المستقبل.
إلا أن الأهم، في نظري، بالنسبة إلى اشتراكيي اليوم وإلى اشتراكيي الغد القادم، هو معرفة أوضاع بلدانهم، بالارتباط مع ما يجري في العالم من تحولات كبرى، وتحديد المهمات المباشرة، والمهمات للمراحل اللاحقة. وهي مهمات، في شقيها القريب والبعيد، لن تحمل بالضرورة طابعاً اشتراكيا بالمعنى القديم للمفهوم. لكنها ستهيئ الشروط لابتداع مشروع جديد معاصر، يحمل همّ تغيير العالم، مستوحى من مشروع ماركس، ومكملاً له في الشروط التاريخية الجديدة.
وبالنسبة إلى بلداننا فإن أهم ما نحن بحاجة للنضال من أجل تحقيقه هو إزالة أنظمة الاستبداد، وإنشاء الدولة الحديثة الديمقراطية، دولة الحق والقانون والمؤسسات، دولة المواطنة والمواطن، الدولة التي تعيد إلى المجتمع وحدته وحريته ودوره المكمل لدور الدولة، وتوقف عملية تفككه.
على أن أهم ما أريد استخلاصه من هذه العجالة، وأنا أستحضر اسم ابن خلدون وتراثه الفكري، واستحضر معه ماركس وفكره ومشروعه الاشتراكي لتغيير العالم، إنما يتصل بمسألة كبيرة تؤرقني منذ فترة طويلة، بدءاً من الزمن الذي كنت فيه في موقع القيادة في الحزب الشيوعي اللبناني، وحتى هذه اللحظة التي أتابع فيها، بصفتي الشخصية، التفكير بمستقبل بلداننا.
تتمحور هذه المسألة حول الأسئلة الآتية: ما هي العلاقة التي تربط الفكر والثقافة والعلم والمعرفة وإنجازاتها جميعاً بطموح البشرية العريق من أجل تحسين شروط حياتها على سطح كوكبنا الأرضي أليس من غاية لكل هذه الجهود التي يبذلها عباقرة التاريخ في هذه الميادين المشار إليها؟ أم أن التقدم هو حركة آلية منفصلة عن أية غاية إنسانية تتصل بها؟
وأعترف بأنني في أسئلتي هذه إنما أمارس نقداً ونقداً ذاتياً في آن، يتناولان، بوجه خاص، الحركة التي انتميت إليها، ويطاولان كل الحركات التي وضعت أمامها مهمة التغيير في بلداننا، من دون استثناء، وانتهت جميعها إلى الفشل. لكنني، بالمقابل، أجدني في موقع الدفاع عن ماركس، ليس عن أفكاره ومفاهيمه كما هي، بل عن استشرافه للمستقبل، حتى وهو يقدم لهذا المستقبل صورة لم تعد مطابقة لما حصل، خلال القرن ونصف القرن بعد وفاته، من متغيرات عميقة وجذرية شملت كل جوانب الحياة.
وهي متغيرات جعلت الكثير من مفاهيم ماركس غير ذات صلة بالعصر. إلا أن عبقرية ماركس تكمن في أنه اعتبر، بصورة مباشرة أحياناً، وبصورة غير واضحة أحياناً أخرى، أن فكره مثل كل فكر إنساني هو تاريخي ونسبي. كما اعتبر أن الشرط الأساسي للتأكد من مدى صحة فكر ما هو اقترانه بالممارسة (البراكسيس ؟ ِْفٍّيَّ)، أي بالسياسة.
وفي ظني فإن تحويل أفكار ماركس، خلال حياته، إلى سياسة، أي إلى برامج سياسية، في صيغة أحزاب اشتراكية في أوروبا، في إطار الأمميتين الأولى والثانية، كان قد بدأ يشير إلى الصعوبة القصوى في الانتقال من المجرد إلى الملموس. وقد مارس ماركس نقداً عميقاً للكثير من البرامج التي وضعتها تلك الأحزاب. وعرض للكثير من ملاحظاته بهذا الصدد في مراسلاته مع رفيق عمره ودربه أنجلز، ومع العديد من أصدقائه.
إلا أن للأسئلة التي طرحتها قبل قليل علاقة بما حصل للتجربة الاشتراكية الأولى في التاريخ التي تمثلت بثورة أكتوبر، وبوليدها الإتحاد السوفيتي. فقد كان لانهيار تلك التجربة بعد ثلاثة أرباع القرن، بسبب الخلل البنيوي الفادح فيها، أثر بالغ السلبية على العالم، وعلى شعوبه وأممه، وعلى الملايين من الناس الذين كانوا يحلمون بمستقبل لهم مختلف عن كل التاريخ السابق، مستقبل يتحررون فيه من كل المظالم المرتبطة بالنظام الرأسمالي، وبالأنظمة التي سبقته.
ولم تخرج البشرية حتى الآن من تلك الصدمة الكبرى التي كانت بمستوى الزلزال، الصدمة التي تمثلت بانهيار التجربة الاشتراكية من أساسها. لكن المؤكد هو أنه سيكون على الأجيال الجديدة، أجيالنا العربية، أية كانت الأفكار التي سيحملونها، مهمة اكتشاف الطريق إلى مستقبل بلدانها، في عصر التحولات الكبرى الحافلة بكل التناقضات.وسيكون عليهم أن يستحضروا في صياغة أفكارهم الأسماء الكبيرة في تراثنا الفكري العظيم، التراث الذي يشكل ابن خلدون أحد رموزه الأساسية، وأن يستحضروا، في الوقت عينه، التراث الإنساني العظيم، الذي يشكل ماركس الرمز الأكبر فيه.

