يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع تحليل معمق لمجمل الأسباب التي قادت العالم من الثورة الخضراء بكل إنجازاتها في الستينيات على الوقوف وجها لوجه أمام المجاعة التي ضربت العديد من أرجاء العالم، وفرضت على الجميع السعي للوصول إلى حلول حاسمة لأزمة الغذاء الراهنة التي تعد الأكثر خطورة منذ عقود عدة.
ولا يتردد المؤلف في ضم صوته على العديد من الخبراء الدوليين الذين يشيرون إلى أن هذه المجاعة أكثر تعقيدا من أن يتم تفسيرها بمتغير واحد أو حتى بعدد محدود من المتغيرات. حقا أنه لا يمكن التقليل من أهمية تأثير التغير المناخي لكن هناك العديد من الأسباب الأخرى التي لابد من معالجتها وإلا تفاقمت الأزمة على نحو لا يسهل تداركه. ويحذر المؤلف أخيرا من أن اقتصاديات الغذاء تتسم بدرجة من الهشاشة تجعلها قابلة للتعرض لتأثير العديد من العناصر الثانوية. في سنة 2000 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة غايات كبرى في دورتها التي عقدتها في سبتمبر من العام المذكور احتفالا بحلول حقبة زمنية جديدة من عمر البشرية هي القرن الحادي والعشرون.
هذه الغايات الثماني مازالت تحمل اسمها الذي أصبح شهيرا في أدبيات العمل الدولي وهو: الأهداف الإنمائية للألفية جاء في مقدمة هذه الأهداف، ولعل أولاها بالاهتمام هدف العمل بكل وسيلة على تخفيض عدد فقراء في العالم إلى نسبة النصف بحلول عام 2015. يشكك كثير من مراقبي المشهد الدولي في إمكانية بلوغ هذه الغاية الطموحة والحيوية بالنسبة لمستقبل البشر على ظهر هذا الكوكب.. وإذا كان المحللون يسوقون أسبابا شتى.. وجيهة ومعقولة بحد ذاتها كمبرر لتعثر البشرية في مواجهة الفقر في العالم.. ومنهم من يذكر بحق وموضوعية اندلاع الحروب واستمرار الصراعات وشبح عودة الحرب الباردة. مع هذا كله فثمة سبب أخر محوري وحيوي أيضا وتلخصه كلمة واحدة هي: الجوع بمعنى أن تواجه قطاعات شتى من بني الإنسان شحة الأقوات وندرة الموارد الغذائية لدرجة تصيب بالاعتلال الصحي وتؤدي إلى زيادة معدل الوفيات.
يرتبط بآفة الجوع الذي يصيب الإنسان.. غائلة الجفاف التي تجتاح مناطق شتى من العالم ـ ولا سيما القارة الأفريقية. ومؤلف الكتاب يتعرض لقضية الجوع على صفحات الباب السادس.. ويسوق عدة أسماء لأقطار وشعوب يتردد ذكرها بتواتر محزن في ميديا الإعلام الدولي.. أسماء من قبيل: تشاد، النيجر، زمبابوي، جيبوتي، الصومال، تضاف إليها أسماء مستقاة من قائمة اعتمدتها منظمات التمويل والغوث والمعونة الدولية بوصفها أقل البلدان نموا..
وفي هذا الصدد يقول المؤلف: إن تردد هذه الأسماء مقرونا بجائحة الجوع يجعل من الصعب تصور المعاناة التي ينوء بها الناس في تلك المناطق من حيث والخسائر في الأرواح.. واستدامة الأزمات. ثم يفصل المؤلف الحديث قائلا (ص 146): كل 12 شهرا وعبر مناطق الصحراء الأفريقية يموت أكثر من 10 مليون إنسان.. فيما يظل مئات الملايين من أهل تلك الأصقاع يكابدون المعيشة في ظل نظام غذائي متدهور باستمرار وكأنهم يعيشون كوابيس تعود إلى زمن القرون الوسطى من حيث الكد والإجهاد والمرض.
بل أن أفريقيا، رغم كل ما تعانيه ليست هي المنطقة الوحيدة المنكوبة بنقص الأقوات وإصابات الجوع في عالمنا.. إليك الهند ـ يضيف المؤلف ـ التي كانت قد أنجزت ما كان يعرف باسم الثورة (الزراعية) الخضراء ومع ذلك فالهند تكافح اليوم لإطعام 200 مليون إنسان من مواطنيها يعانون شحة الغذاء وهم يضمون بين صفوفهم زمرا من أشد الأطفال معاناة لسوء ونقص التغذية في عالم اليوم.. وقبل أن يحتج الأفارقة أو الهنود ينقل مؤلفنا ظلال المأساة البشرية إلى أغنى بلاد الوفرة والترف في العالم ـ الولايات المتحدة: ويضيف قائلا:
- حتى في أميركا.. تفيد الإحصاءات بأنه من بين كل 6 أطفال هناك طفل واحد يعاني من قصور في تلبية احتياجاته من الغذاء بمعنى نقص التغذية. في كل حال.. تدل أبعاد صورة الجوع الشاملة عالميا على أن هناك نحو 900 مليون إنسان ـ بمعنى سُبع سكان المعمورة يعانون سوء التغذية (وهو مرض له عواقبه النفسية والبديّنة) + بليون إنسان آخر يعانون من نقص مزمن، وغالبا مدمر من حيث الحرمان من العناصر الغذائية السليمة واللازمة لسلامة الصحة بل لاستمرار الحياة.
ثم يعلق المؤلف في عبارات تقول بدورها: في ضوء هذه الإحصائيات.. بل في ضوء حقيقة لا ننكرها وتفيد بأن الطعام في هذه الحقبة ـ العصر الحديث أصبح أرخص سعرا وأيسر منالا من عصور سلفت في تاريخ البشرية.. هذه الحقيقة باتت رغم هذا كله تؤكد أن الاقتصاد الغذائي الذي يتبعه العالم حاليا أصبح عاجزا بصورة كارثية عن تلبية الحاجة القصوى رقم واحد وهي: الطعام لكل فم.
وحين يعرض المؤلف إلى هدف القضاء على الفقر ـ بالتحديد نصف الفقر بحلول العام 2015 يلاحظ أن المسألة لم تقتصر فقط على تعثر المسيرة نحو بلوغ هذه الغاية بل إن عددا كبيرا من الأطراف المعنية تتحرك عكس هذا الاتجاه: صحيح أن إنتاج الغذاء يتحسن، ولكن الأصح أن عدد السكان يزداد.. بوتيرة أسرع بكثير سنويا من معدل زيادة كميات الغذاء اللازمة لإطعام الأفواه.. ولدرجة أن عدد الذين لا يجدون ما يكفي لإقامة الأوّد زاد بمقدار 7 ملايين نسمة.
ومن عجب أن بعض الخبراء المعنيين يوجهون أصابع اللوم أحيانا إلى البلاد المنكوبة ذاتها على أساس أنها لم تعتمد السياسات الناجعة ولا اتخذت سبل الاستعداد السليمة لمواجهة حالات نقص الغذاء وجوع السكان. وإذا كان بعض هذا صحيحا إلى حد ما.. فإن ثمة عوامل يشير إليها المؤلف وتتجاوز بكثير إرادة وقدرة وإمكانات ورغبات الأقطار والشعوب التي تواجه غوائل الفقر والحرمان.
** خذ مثلا.. بل أمثلة عديدة: تغير المناخ له تأثيراته المدمرة على إنتاج الأغذية في أفريقيا وفي أغلب أقل البلدان نموا.. وهذه التقلبات في أنواء الطبيعة ـ الجفاف ـ الأعاصير ـ موجات التسونامي.. خلل مواسم الأمطار وشحة معدلات هطولها.. كل هذا قد يوصل أفريقيا إلى أن تفقد نصف.. نعم نصف غلات محاصيلها بحلول عام 2020. وهي نتيجة علمية ينبغي أن تؤخذ على أكبر محمل من الجد العميق لأنها صادرة عن هيئة دولية مسؤولة وبالغة الاحترام تحمل الاسم التالي الذي يعرفه كل مشتغل بقضايا البيئة والمناخ في العالم: الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ.
ومن المفارقات أن بداية هذه الأزمات في توافر المواد الغذائية كان مسرحها الزمني هو الربع الأخير من القرن العشرين.. ومنذ خمسينات إلى سبعينات ذلك القرن كانت أقطار شتى من العالم تشهد ما يمكن وصفه بأنه (الثورة الخضراء).. يومها دخل الساحة الدولية أقطار العالم الثالث التي حققت حلمها بالاستقلال الوطني وراودتها أحلام وطموحات في معيشة أفضل تعوض شعوبها عما سبق وعانته من ويلات الاستغلال والهيمنة الأجنبية خلال الحقب الكولونيالية التي كان بعضها يرجع إلى القرن 19.
في هذا السياق يوضح كتابنا أن الفترة بين عامي 1950 و 1965 شهدت في المكسيك مثلا زيادة محصول القمح ثلاثة أضعاف مما جعل ذلك البلد مكتفيا بذاته من ذلك المحصول بعد أن كان يستورد 60 في المائة من احتياجاته من القمح. في عام 1965 نجحت كل من باكستان وتركيا في تحقيق أرقام قياسية من غلة محاصيل القمح فيما نجحت الفلبين في تحقيق محصول وفير من الأرز وزاد محصول القمح في الهند لدرجة فاقت قدرة صوامع التخزين..
كل هذه النجاحات التي شهدها عقد الستينات بالذات دفعت ويليام جود رئيس وكالة التنمية الأميركية أن يعلن في خطاب شهير ألقاه في عام 1968 فيقول: لقد تحققت غلات قياسية وتم إنتاج محاصيل بأحجام غير مسبوقة في كل أنحاء العالم النامي ولا سيما في آسيا.. وبهذا أصبحنا على حافة ثورة زراعية.. وأنا أصفها بأنها الثورة الخضراء. فما الذي حدث إذن؟ ما الذي أدى إلى انقلاب الموازين؟
بين مالثوس وأمارتيا سن
يحاول المؤلف بحث الإجابة فيوجه اهتمام القارئ أولا إلى مشكلة تزايد السكان بمعدلات أعلى بكثير من زيادة الموارد.. تلك هي أسس النظرية الشهيرة التي سبق إلى إعلانها الاقتصادي البريطاني «روبرت مالثوس» في أطروحته المتشائمة التي نشرها في عام 1789 بعنوان «مقالة عن مبدأ السكان».
ورغم أن طروحات مالثوس وجدت باستمرار من يفندها على أساس أن العالم يتقدم وأن توصل الإنسان إلى الآلة ومعها طاقات التجار ثم الكهرباء ثم تفجير النواة (الذرية) وما إليها.. كفيل بأن يحقق التوازن المنشود بين الإنسان والموارد ـ رغم هذا كله، فقد جاء الربع الأخير من القرن الماضي ليعيد من جديد طرح المشكلة.. ويعبر عنها اقتصادي معاصر هو بول أرليتس في كتابه الذي نشره عام 1968 وبشر فيه ـ أو بالأدق أنذر بأفكار (نيومالثوسية) تحذر من مزيد تدهور الوضع الغذائي في العالم.. من حيث الإتاحة والكمية والأسعار وإمكانيات التنبؤ والتخطيط وذلك في حال استمرار التزايد المطرد في حجم السكان.. ولهذا جاء عنوان الكتاب كما يلي:
القنبلة السكانية
هذه الاتجاهات التشاؤمية وجدت من يتصدى لها.. يحيلنا الكتاب مثلا إلى المفكر الهندي «أمارتيا سن» أستاذ الاقتصاد والتنمية، الحاصل على جائزة نوبل. يقول البروفيسور «سن»: أن زيادة السكان قد لا تشكل بالضرورة العامل الأوحد الذي يسبب أزمة الغذاء في الحاضر أو المستقبل.. إن «أمارتيا سن» يعرض لعوامل أخرى منها انخفاض المستوى الاقتصادي.. يقول أن صنوف الأغذية قد تكون متوافرة في السوق..
ولكن قطاعات وشرائح عريضة من السكان (ربما بحجم الملايين) لا تستطيع شراءها لضآلة مواردها المالية وانخفاض ما تتقاضاه هذه القطاعات من أجور نظير ما تؤديه من عمل هناك أيضا تردي الهياكل والمرافق الأساسية في البلاد.. ومن ذلك مثلا أن سوء شبكات الطرق وتردي إمكانات النقل مما.. يحول دون وصول السلع الغذائية الأساسية من أماكن إنتاجها إلى أسواق تصريفها ومنافذ استهلاكها وحتى إذا بلغت هذه المنافذ والأسواق.. ترتفع أسعارها بارتفاع تكاليف النقل والتوصيل.
مؤلف كتابنا يركز كدأبه في هذا السياق بالذات على أن ليس هناك عامل واحد ولا عنصر بمفرده يمكن أن يعزى إليه ذلك الخطر الماثل حاليا والداهم مستقبلا مما يهدد تلبية الاحتياجات الغذائية لسكان عالمنا.المؤلف يطل على المشكلة ـ وهو ما نوافقه عليه ـ من المنظور الذي انطلقت به طروحات هذا الكتاب وهو: أن الغذاء لم يعد مجرد معادلة ذات طرفين محددين أولهما الإنتاج والثاني الاستهلاك بل أن المسألة أصبحت منظومة متكاملة تضم عناصر التخطيط والإنتاج والتجهيز والنقل ثم التعامل مع آليات السوق بكل ما أصبح يكتنفها من تعقيد.
في عبارة موجزة يقول مؤلف الكتاب (ص 173): إن اقتصاديات الغذاء تتسم بدرجة من الهشاشة تجعلها منكشفة ومستضعفة حتى أمام العقبات الثانوية: يكفي أن يقع جفاف أو فيضان أو صراع على الحدود، وبعدها يمكن أن تتعرض منظومة الغذاء بأكملها إلى الانهيار.
الصفحات: 390 صفحات (متوسط)
الكتاب: نهاية الغذاء
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: هوتون مفلن كومباني، نيويورك 2008

