ينتقل بنا المؤلف، عند هذا المنعطف من كتابه، إلى استعراض الملامح الرئيسية في تجربة الصين في تحديث الإنتاج الزراعي بعامة والغذائي بصفة خاصة والانتقال به من المستوى المتردي، الذي وصلت إليه في وقت من الأوقات، إلى المستوى الذي تقدم فيه الصين للعالم منطقة شاندونغ باعتبارها نموذجا متقدما للنجاح في القفز عاليا بمستويات الإنتاج الزراعي، وخاصة المواد الغذائية.
حيث بلغت الذروة في نجاح إنتاج الخضر والفاكهة عبر نظام الصوبات أو البيوت الزجاجية، وإن كانت هذه المنطقة لم تخل تجربتها من سلبيات عدة، حيث جاء النجاح فيها على حساب الحبوب التي يحتاجها البشر والحيوانات على حد سواء، بل إن النموذج الصيني في التنمية نفسه يعكس احتياجا شبه دائم إلى الحبوب المستوردة من الخارج، وهو مالا يمكن وصفه بأنه تجسيد لتحقيق الأمن الغذائي. الصين هي الساحة المكانية التي يختارها مؤلف الكتاب لكي يفتح على مهادها سطور الفصل الخامس يحكي المؤلف بالتحديد عن منطقة شاندونغ الساحلية من أقاليم الصين.
وقد ذاعت شهرتها في بلادها وفي العالم بوصفها أكبر مركز لإنتاج المنتجات الزراعية من حيث الحجم والشكل والتنوع.. تلقى مؤلف الكتاب دعوة من حكومة بيجين كي يحضر بوصفه كاتبا صحفيا معنيا بقضايا أمن الموارد اللازمة لحياة البشر والمناسبة تحمل العنوان التالي: السوق الدولية لعلوم وتكنولوجيا الخضروات.
ويصف مؤلفنا هذه السوق قائلا: إنها حدث راق يضم آلافا من البائعين ويدر على خزانة الصين المليارات من عائدات المبيعات ويحيطه الشعب بمشاعر وطنية فوارة الحماس. في قلب هذا الحدث نصبوا معرضا حافلا بعجائب المنتجات من أصناف الخضر التي عرفها الإنسان وبفضل استخدام أحدث ما توصلت إليه بحوث العلم وتطبيقات التكنولوجيا هنالك ظل الحضور والضيوف الأجانب يطالعون ـ وقد تملكتهم الدهشة إلى درجة الروع أحيانا ـ تماثيل متكاملة وأشكالا عجيبة من الفاكهة والخضر.. وهي تحمل الشعار التالي: مسيرة نحو آفاق التطور العالي بفضل العلم والتكنولوجيا لتحقيق الزراعة الجديدة.
ويمضي المؤلف في وصف ما شاهده في مهرجان الزراعة الحديثة في الإقليم الصيني الذي استضافه.. يحكي للقارئ عن تطورات تكنولوجيا زراعة كل ما يحتاجه الاستهلاك البشري من صنوف الخضر والفاكهة في ظل نظام الدفيئة (الصوبات أو البيوت الزجاجية).. وإلى هذا النمط السوبر ـ حديث من الزراعة تحول ملايين من فلاحي الصين وخاصة من الشباب المتعلم وفي إطار مشاريع رأسمالية صغيرة أو متوسطة الحجم بعيدا عن أساليب الاستزراع والاستنبات العتيقة التي عرفها سكان وادي الأنهار في الأصقاع الصينية منذ آلاف السنين.
وقد انتشرت هذه الصوبات الزراعية في أرياف الصين بل وفي حواضرها.. ويكفي مثلا أن تضم مدينة شوغانغ في إقليم شاندونغ نحو نصف مليون من هذه الصوبات، يقول المؤلف: وبينما كنا نغادر الساحة.. كان مضيفونا يرددون باعتزاز ملحوظ أسماء البلدان التي جاء مندوبوها ومبعوثوها التجاريون ليعاينوا بأنفسهم ناتج «الزراعة الرفيعة والجديدة».. ومن هذه البلدان كان يذكرون أسماء هولندا.. المكسيك.. والفلبين ثم أمريكا التي لا أشك في أن مبعوثيها القادمين من واشنطن كانوا على قدر لا يخفى من الإعجاب العميق.
في نفس اللحظة، وبرغم وهج المناسبة، لا يفوت مؤلف الكتاب أن يسجل ملاحظة لها دلالتها البالغة يقول إن المبعوثين الأميركان كانوا معجبين بل متأثرين بما شاهدوه في شاندونغ.. هذا أمر لا شك فيه. لكن ربما كان لديهم أسباب لهذا التأثر مخالفة لأسباب أصحاب البيت.. الصيني.. ذلك لأن المزيد من هذه البيوت الزجاجية (القائمة على نظرية الاحتباس الحراري ـ التساخن) كان معناها أولا مزيد من الخضر ومزيد من الفواكه.. وهذا أمر طيب بحد ذاته.. ولكن معناها ثانيا ـ ومن الجانب المقابل للمعادلة كميات أقل من سنابل القمح ومقادير أقل من حبوب الذرة.
بعدها يعمم الكتاب النظرة إلى إطار أشمل فيقول: منذ عام 1995 هبط الإنتاج المحلي في تلك المنطقة الزراعية الغنية بالصين بنسبة 20 في المئة.. والمشكلة أن نفس الفترة ما برحت تشهد ارتفاعا متزايدا في الطلب على الحبوب سواء لتلبية احتياجات الإنسان أو لتلبية احتياجات الحيوانات والدواجن من الأعلاف وهي احتياجات ليست فردية ولا عائلية.. بل تتعلق بمتطلبات صناعات شاملة توظف استثمارات بالملايين.
من هنا يصل الكتاب إلى نتيجة يستخدم فيها منطقة شاندونغ الصينية كمثال.. هل تقول عبرة لا بد للعالم الخارجي أن يتدبر دروسها.. يوضح أن تلك المنطقة كانت ثاني أكبر مناطق الصين إنتاجا للذرة فأصبحت الآن مضطرة إلى شراء احتياجاتها من الذرة من جيرانها في سائر المقاطعات.. صحيح أن التكنولوجيا الحديثة طورت لهم إنتاج الخضر والفاكهة، ولكن الصحيح أيضا أن استشراء هذه الظاهرة ـ مع ما تدّره من أرباح على المزارعين ـ أصبح يهدد الصين بشكل عام..
وقد كانت بلدا يعد من كبار مصدّري الذرة.. وهي الآن على وشك التحول إلى استيراد هذا المحصول الأساسي. وتلك في حد ذاتها نبوءة يقول عنها المؤلف: أنها كفيلة بإسعاد مزارعي الذرة الأميركان ومن يتواصل معهم من الوسطاء التجاريين الذين ينظرون الآن إلى بلد مثل الصين بحجم سكانه البالغ حاليا 3. 1 مليار نسمة بوصفها السوق المثالية لاستيعاب فوائض الغلات الأميركية.
والشاهد أن أميركا ليست هي البلد الوحيد الذي يتلمظ شوقا إلى غنيمة السوق الصينية المرتقبة ـ يشاركه في مطارحات هذا الغزل أقطار أخرى مثل الأرجنتين.. الفلبين.. إندونيسيا ـ و.. روسيا (ضع خطا تحت روسيا في إطار ما استجد من تطورات تنذر بحرب باردة من نوع جديد). والشاهد أيضا أن تلك الأقطار ما برحت تتواصل مع الصين وتقدم لها صنوف الإغراءات التجارية عبر ما سلف من سنوات. مع هذا كله فالمسألة ليست مجرد لعبة اقتصادية بمعنى طرف يقوم بالتصدير وطرف آخر يستقبل الواردات. المسألة لها بداهة أبعادها السياسية ـ بل الدولية أيضا.
مرة أخرى يورد المؤلف التعليق التالي: في سوق الغذاء العالمية.. نجد أن الفرصة المتاحة لبلد هي في الوقت نفسه.. مصدر قلق وانشغال لبلد آخر.. وإذا كان استيراد الصين كميات الذرة من الولايات المتحدة أمرا يبهج الزراعيين الأمريكان فهو كفيل في الوقت ذاته بأن يبعث في أوصال حكومة بيجين الصينية مشاعر القلق والتخوّف العميق.. تلك حكومة عودتها الأيام والأحداث ألا تثق يوما في أحوال السوق الدولية بكل ما يشوبها من تقلبات وبكل ما تخضع فيه من مخاطر وربما نزوات سياسية.
وكم أثبتت الأحداث على مدار عقود أن الصين تحملت ويلات المجاعة على نطاق واسع للغاية.. فيما ظل زعماؤها متمسكين بسياسة الاعتماد على الذات في الغذاء رافضين حكاية الاستيراد وما زال بين صفوفهم (في الحزب والحكومة) من يتمسك بهذا الموقف حتى اليوم.. وفي هذا ينقل المؤلف عن شانغ هو أجيان وهو من كبار مسئولي قطاع الزراعة قوله: عندما يتعين على 3. 1 مليار إنسان أن يعتمدوا على الحبوب المستوردة من خارج بلادهم.. فليس هذا هو الأمن الغذائي بحال من الأحوال.
عند هذا المنعطف من عرض القضية.. يتحرك بنا كتابنا من النموذج الصيني في أقصى الشرق.. إلى حيث يناقش النموذج النظري الأشمل في مجال تاريخ وتطور علاقات الأمن الغذائي على مستوى العالم. ويهمنا ملاحظة أن المناقشة تتم من منظور مستقبل اقتصاديات الغذاء في عالمنا.
في هذا المضمار يوضح المؤلف، مع سطور هذا الفصل الخامس، كيف أن العالم درج عبر عقود خلت من الزمن على اتباع نصائح دعاة التجارة الحرة. كانوا يقولون دائما أن مفتاح التقدم في اقتصاد الأغذية ـ كما في دنيا الاقتصاد بشكل عام.. هو أن تطلب دوما الحصول على السلعة الأقل كلفة والأكبر حجما. وفي مجال الغذاء تطبق هذه القاعدة عندما يحثونك على أن تستورد ما يحتاجه الاقتصاد من ذرة أو فاكهة أو دواجن من منتجين في أقطار أخرى يكون بمقدورهم أن ينتجوا هذه الأصناف بسعر رخيص:
في هذه الحالة.. فلا لوم عليك ولا تثريب.لماذا؟ لأنك بذلك عملت على خفض أسعار المواد الغذائية لصالح بني قومك من المستهلكين، وأتحت الفرصة لمواطنيك من المزارعين الفلاحين لكي يستخدموا أراضيهم في أغراض أخرى حسب ما يريدون وما يحقق لهم مصالحهم.
هذا هو الأساس الفكري الذي قامت عليه نظرية الاقتصاد الانجليزي ديفيد ريكاردو (1772-1823) وتعرف في تاريخ علم الاقتصاد بأنها نظرية «الميزة النسبية» ومؤداها كما يبدو من اسمها وكما شرحها ريكاردو في كتابه عن «مبادئ الاقتصاد السياسي» أن الأمم ـ الدول تنعم باليسر الاقتصادي عندما تتخصص في عدد بعينه من المنتجات التي تجيد صنعها على أفضل وجه ثم تتاجر فيها بحرية مع غيرها من الدول على أساس مبادلتها بكل ما تحتاجه الدولة أو الأمة.
اللهم لا اعتراض في رأي مؤلف الكتاب على نظرية «الميزة النسبية» ولو كان قد مضى على طرحها أكثر من قرن ونصف قرن. لكن المشكلة فيما جاءت به ظروف عالمنا الراهن من مستجدات وتطورات.. أن إنتاج الغذاء لم يعد مجرد بذور أو شتلات تطرح في الأرض وتترك إلى أن تعطي الغلة أو الثمرات.. لقد ازدادت المسألة تعقيدا في عصرنا..
ودخلت إلى مسرح الإنتاج مشاكل من قبيل الكيماويات المستخدمة في الزراعة وأهمية التخلص من آثارها.. والمبيدات التي يكافح بها المزارع ما قد يصيب إنتاجه المرتقب من آفات وكلها مواد كيماوية ذات آثار ضارة.. وهناك أيضا عمليات الصرف الصحي للتخلص من نفايات الماشية والدواجن.. فما بالك بالإمعان في تعظيم الغلات وتكبير الأحجام وتوليد السلالات الغربية وكثير منها محاولات ضد فطرة الأشياء بل ومنها ما ثبت أنه ضار في التحليل الأخير بصحة المستهلك ـ الإنسان.
لقد كان الاقتصار على محصول أو اثنين ممكنا في زمن الاكتفاء الذاتي حيث كان كل بلد ينتج ما يكفيه أو ما يكاد يكفيه ـ وحيث كان ثمة صنف يحمل اسم المحصول الأساسي أو الطبق الشائع أو صنف الطعام التقليدي مثلا: خبز الشعير في أفريقيا.. صحن الأرز في آسيا.. طبق الإسباجيتي في إيطاليا.. حساء الكرنب في روسيا.. حبات البطاطس في غرب أوروبا.. رغيف القمح في العالم العربي.. إلى آخره.. في تلك الفترات التي امتدت حتى القرن التاسع عشر لم يكد العالم يعرف «تدويل» الغذاء..
لكن النظام العالمي للأغذية ظهر مع حلول القرن العشرين وخاصة مع تطور المنظومات الإعلامية التي نقلت إلى أهل الشرق أساليب الحياة في الغرب والعكس بالعكس. هنالك انفتحت شهية أعداد غفيرة ومتزايدة من البشر تنتمي إلى مختلف الثقافات والمناطق والعقائد والقوميات.. وسادت بين معظم هؤلاء الناس عادات كانت محدودة في بعض أقطارهم.. ولكنها تأثرت بالذات بأسلوب الحياة الأمريكي مجسدا في تفضيل تناول الطعام في المكان العام.. المطعم.. المقهى.. النادي.. محل الوجبات السريعة (فاست فوود) بدل تناوله في حجرات المائدة التقليدية في داخل البيوت.
ولو كان الأمر قد اقتصر على قطر صغير هنا أو بلد متوسطة الحجم والسكان هناك.. لهان الأمر لكن المشكلة هي أنه دخلت الصين حلبة الاستهلاك زيادة في الكم وتنويعها في الأصناف.. فما بالك وقد أصبح سوقها الاستهلاكي يحمل في تصنيف الخبراء الاسم التالي: أم الأسواق.
الصفحات: 390 صفحة (متوسط)
الكتاب: نهاية الغذاء
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: هوتون مفلن كومباني، نيويورك، 2008

