بعد انتقال المؤلف من التحذير من المخاطر الكبيرة التي يواجهها البشر مع بروز ما يصفه بنهاية الغذاء، والذي يوازي ما سبق له أن دعاه بنهاية النفط، نراه ينتقل هنا إلى تقديم تحليل تاريخي مفصل، تبدو لنا في إطاره عملية اكتشاف الإنسان للزراعة باعتبارها أكبر ثورة في التاريخ الإنساني، ومن ثم نرصد تمكن الإنسان قبل نصف مليون سنة من إتقان صيد فصائل شتى من الحيوانات، الأمر الذي جعله يستمد 65% من مجموع السعرات الحرارية التي يحتاجها من اللحم.

مما زاده قوة، وأدى إلى اتساع قاعدة جمجمته، بكل ما ترتب على ذلك من نتائج حاسمة على المستوى التاريخي، ويشير المؤلف إلى أنه بحلول عام 3500 قبل الميلاد كان زارعو القمح من الفراعنة ينتجون بانتظام كميات من الحبوب تفوق ما يحتاجونه لطعامهم، وهذه الزيادة الملموسة هي نفسها التي تراكمت بفعلها ثرواتهم، وكفلت عنصر الأمن الغذائي لمجتمعاتهم، الأمر الذي فتح الباب أمام تطور هائل هو التجارة على نطاق كبير. في الفصل الأول من هذا الكتاب يتابع المؤلف مسيرة البشرية من أجل توفير «الطعام لكل فم».. وبديهي أن تبدأ هذه المتابعة من أولى مراحل تدبير الغذاء بجهود الإنسان الأول الذي ظهر على سطح كوكب الأرض منذ ملايين السنين. هذه المرحلة تحمل العنوان التالي: مرحلة الصيد وجمع الثمار.

بمعنى أن أسلافنا الأوائل من سكان الكهوف بدأوا حياتهم بجمع الثمار من أفنان الأشجار وبعدها اصطنعوا حرفة اصطياد حيوان الغابة والأدغال، لا سيما بعد أن حققوا أكبر اكتشاف ـ ثوري كما قد نسميه ـ في حياة هؤلاء الأسلاف الأولين وهو النار. وبعدها.. أمكن إخضاع حيوان الصيد إلى لهيب هذه النيران ليتحول إلى غنيمة سائغة ومغذية.. ولذيذة أيضا في مجتمعات البشر الغابرة.

يقول المؤلف في هذا السياق: قبل 500 ألف سنة أو نحوها، بدأ الإنسان الأول يستخدم أسلحته البدائية، لكي يصطاد شتى فصائل الحيوان ما بين القوارض إلى الزواحف بل استطاع اقتناص صغار الوعول والغزلان، ومن ثم أتاح له هذا التطور في تدبير طعامه أن يتحول عن مرحلته السابقة التي كان يلتمس فيها ثمار الفاكهة البرية والجذريات الدرنية التي كان يعثر عليها نامية فوق سطح الأرض.. إلى جانب بيض الطيور في أعشاش الغابة.. دون أن يستثني من ذلك بعض أنواع الهوام التي لم يكن يتردد هذا الإنسان القديم في استخدامها لسد الرمق.

ويواصل مؤلف الكتاب حديثه قائلا: ولكن بعد هذا التاريخ بدأ الإنسان الأول يتحول إلى غنيمته من الحيوانات التي استطاع أن يصطادها.. وبمعنى أن كان التحول إلى أكل اللحم بكل ما انطوى عليه هذا الإجراء الخطير من تناول صنف من الغذاء يزوده بنسيج للعضلات وشحوم للطاقة وكان هذا في مجمله يعني أيضا تزويد الإنسان بنسبة تبلغ 65 في المئة من مجموع السُعرات الحرارية التي يحتاجها الجسم البشري..

على أن المسألة لم تقتصر فقط على حجم السعرات، ولكن تعدت أيضا إلى نوعية هذه السعرات ومقادير التغذية المستجدة في حياة البشر، ذلك لأن اللحم يحتوي على نحو 16 من الأحماض الأمينية اللازمة للصحة والنمو (البروتينات النباتية ـ كما يوضح المؤلف لا تحتوي إلا على 8 من تلك الأحماض) أن هذا هو السبب في أن رياضيي كمال الأجسام يتناولون مقادير كثيرة من اللحوم كما أنه يفسر لنا تاريخيا السبب في أن أسلافنا القدماء كانوا يتناولون مقادير أكبر من اللحم حتى أن أجسامهم أصبحت أعرض وأقوى وأكثر طولا.

ولم يكن في الأمر مجرد رغبة في كمال الأجسام: لقد بلغ الكائن البشري وقتها 6 أقدام من حيث الطول، وزادت متانة عضلاته فأصبح ـ بفضل خالقه عز وجل ـ أكثر قدرة على تجنب هجمات الوحوش فضلا عن قدرته التي زادت على إجادة حرفة صيد الحيوان.

وربما كان الأهم هو اتساع جمجمة هذا الكائن البشري عن الأجيال التي تقدمت عليه في أزمنة سحيقة سبقت من عمر البشر، من ثم فقد أمكن للمخ البشري أن يكبر ويتطور خاصة وقد استطاع هذا المخ أن يتزود بالمزيد من المواد الحيوية المستمرة من الأحماض الدهنية وخاصة من الفصيلة المعروفة طبيا باسم «الأوميجا».

مرة أخرى يقول المؤلف: هذه الأحماض الدهنية كانت مجرد البداية، فلم يكن نضوج المخ البشري بحاجة فقط إلى تلك المواد الحيوية بل كان بحاجة أيضا إلى المزيد من السعرات الحرارية اللازمة لكي ينشئ المخ الإنساني كل الناقلات العصبية التي يتوقف عليها النشاط العقلي للبشر، وكلما زاد الحجم يزيد الاحتياج إلى سعرات أكثر.

المهم أن ظل التطور مستمرا في تلك الأزمان البعيدة وعندما حل العصر الجليدي منذ نحو 180 ألف سنة كانت الأطعمة المستمدة من الحيوان هي الغذاء السائد والمفضل لدى سكان الأرض. وكانت المشكلة هو الوقت الطويل الذي كان يستغرقه الفرد في تلك المجتمعات ساكنة الكهوف كي يحصل على ما يقيم أوده من لحوم الحيوان أو من كميات العسل البري أو من الثمار التي كان يحاول أن يتخطفها من بين الأغصان. أو يحفر بأظافره في باطن الأرض للحصول على بعض منها.

ولأن للتطور سننا مستمدة من قوانين الحياة في هذا الكون المعجز.. فقد شاءت هذه السنن أن يتحول الإنسان من جامع للغذاء إلى منتج للغذاء. هذا التحول جاء بدوره ليشكل ثورة بكل معنى الثورة في حياة الناس. وحملت اسمها المعروف في تاريخ التطور البشري: وما كان لهذا الاكتشاف، العبقري بكل معنى ـ أن يتم إلا بعد أن كان أسلافنا الأوائل قد جمعوا حصائل واسعة وعميقة أيضا من المعارف الخاصة بأنواع النبات والبذور والتربة والمواسم وأحوال الطقس وتقلبات الطبيعة..

وليس لأحد أن يستهين بكل هذه المعلومات، ولا بالتغيير الجذري الخطير الذي أحدثته في تطور الحياة فوق كوكبنا.. بغيرها ما كان للإنسان البدائي أن يعرف مثلا كيف أن هناك حبوبا صالحة للأكل مثل القمح أو الذرة أو الشعير وأن هناك سيقانا أو نواة وما في حكمها يمكن أن تترك في أرض رطبة فإذا بها تزهر ومن ثم تثمر بعد حين موقوت.

في كل حال تحول الأسلاف الأوائل من مجرد جامعي ثمار أو صائدي حيوان ليصبحوا بكل فخر مزارعين. أو منتجين للطعام.. وبقدر ما أن هذا التحول في أسلوب التماس الغذاء.. كان له بالطبع أبعاده الاقتصادية فقد كان له جوانبه السلوكية، والاجتماعية على السواء. كانت الزراعة تعني التحّول من سلوك الإنسان الفرد الذي يطارد الحيوان في دهاليز الغابة.. إلى سلوك الجماعة التي كان ضروريا أن تتشكل وتتبلور من أجل ممارسة هذا الإنتاج الزراعي المستجد في حياة الناس. ترى أين بدأت بوادر هذه الثروة الزراعية الأولى؟

المؤلف يجيب على السؤال موضحا أنها بدأت في أماكن شتى من خارطة العالم: في وسط آسيا وأميركا الوسطى وجنوب شرقي آسيا ـ في تلك الأصقاع توافرت ظروف كانت متماثلة إلى حد كبير. كيف؟ إنسان تلك الأصقاع صادف يوما مساحات من الأرض وقد نمت فيها سيقان صفراء من قمح أو شعير.. أو ظهر من شقوقها جذر مائل إلى السمرة.. من البطاطا السائغة الطعم.. ثم لاحظ الإنسان ـ والملاحظة والرصد فيصل الفرق بين ذكاء الإنسان وأخيه الحيوان.

لاحظ الإنسان أن هذه النباتات لا تلبث أن تعاود الظهور والنمو والنضوج في مواعيد موقوتة.. وهو ما جعل الجماعات البشرية تختار الإقامة بالقرب منها وما أن جاءت الحقبة الزمنية ـ الحديثة نسبيا ـ بين عامي 10 آلاف سنة و6 آلاف سنة قبل الميلاد حتى شهد عالم ذلك الزمان جماعات بشرية صغيرة تزرع القمح في مناطق من آسيا والشرق الأوسط وتزرع الذرة في مناطق أميركا الوسطى أو مناطق ما بين الأميركتين ـ ميز وأميركا كما يسميها المؤلف على وزن «ميزوبوتاميا» أو ما بين النهرين ـ الرافدين دجلة والفرات.

ومرة أخرى لم يكن اكتشاف الزراعة سوى مجرد بداية ـ خطوة أولى على طريق ما أصبح يوصف تاريخيا بأنه أقدم الأنساق الحضارية التي عرفها الإنسان.. من أجلها كان على الإنسان القديم أن يتعلم فنّ الحصاد والطحن والغربلة ومن ثم استخدام النار لتحويل الطحين إلى خبز مأكول وإلى أصناف من الفريك الخفيف الذي كان يتخذونه طعاما للأطفال حين يحضونهم على الفطام.

كل هذا التطوير في اكتشاف الغذاء وفي إنتاجه وفي تجهيزه كان لا بد وأن يؤدي إلى زيادة في حجم الجماعات البشرية التي مارست كل هذه العمليات في الزمان القديم.. وهنا يحيل كتابنا إلى تاريخ الديمغرفيا الذي يقدر علماؤه حجم سكان الكرة الأرضية بأسرها قبل الميلاد بعشرة آلاف سنة بما يبلغ نحو 5 ملايين نسمة فقط لا غير فإذا بسكان المعمورة يزيد حجمهم كي يبلغوا نحو 20 مليون نسمة بالتمام والكمال سنة 5000 قبل الميلاد.

ويصف المؤلف هذه الظاهرة في عبارة تقول: تلك كانت الطفرة الأولى في حجم السكان بالمعايير الحديثة. وقد جاءت لتشكل بدورها أعباء متزايدة على كاهل قدرة الكرة الأرضية من حيث تلبية احتياجات هؤلاء السكان من الغذاء.

هكذا بدأ أسلافنا في تلك الفترة يعانون نسبيا من قلة المقادير التي كانوا يتناولونها من اللحوم. ونقول نسبيا بالمقارنة مع ما كان قبل اكتشاف الزراعة حيث كان صيد الحيوانات والتغذي على لحومها وألبانها وشحومها هو المعيار السائد في تناول الطعام. يشهد بهذه الظاهرة المستجدة الفحص العلمي للهياكل العظمية المتبقية من تلك الفترات السحيقة وقد أثبت أن إنسان ما بعد الزراعة جاء أضعف في البنية والتكوين من سابقه إنسان زمن الاصطياد.

مع هذا كله فقد كان للتطور أن يواصل مسيرته الحتمية.. وكان من أبرز إيجابيات الزراعة أن وفرت للإنسان مزيداً من الوقت الذي يستثمره في أنشطة مفيدة أخرى منها مثلا الأنشطة الحرفية اليدوية التي كانت بمثابة الإرهاصات الأولى لبداية الحضارات الإنسانية وخاصة في وديان الأنهار الكبرى.. بل كان للزراعة أيضا أبعادها من حيث التطور السياسي والاستقرار الاجتماعي.

ومرة أخرى يقول مؤلف الكتاب:

كانت الزراعة أيضا مصدرا للقوة والنفوذ. وبحلول عام 3500 قبل الميلاد كانت زراع القمح المصريون ينتجون بانتظام كميات من الحبوب تزيد عما يحتاجونه لطعامهم.. وهذه الفوائض من الغلات كانت الأساس الذي نمت عليه ثرواتهم المتراكمة بقدر ما أن هذه الفوائض كفلت لتلك المجتمعات عنصر الأمن الغذائي (بمصطلحات عصرنا) وهو عنصر لم تكن تعرفه أصلا، لا مجتمعات الصيد ولا طبعا مجتمعات جمع الثمار.. هنالك أصبح أمام الناس كميات يستخدمونها لممارسة حرفة مستجدة حملت اسم «التجارة».

الفوائض نفسها كان معناها أن الموارد تتحمل تلبية احتياجات المزيد من البشر ومن ثم زاد عدد أفراد المجتمع من الجماعة إلى القبيلة ومن المحلة والنجع إلى القرية ومنها إلى المدينة.. وفي ظل الحواضر نبتت فكرة أن نعفي جماعات (موهوبة) من الأفراد من نشاط الزراعة كي ينشغلوا بأنشطة أخرى تصب لصالح الجماعة في نهاية المطاف.

وهكذا استجدت ثم انتشرت وازدهرت أنشطة وحرف ومهن لنوعيات من قبيل: الخبازين ثم الفواخرية، والحدادين والتجاريين وصولا إلى الرسامين والمزخرفين ومن بعدهم محترفي التسلية والفن والكتابة.. وفي إطار هذا التنظيم الاجتماعي كان لا بد وأن تنمو احتياجات أساسية أخرى، ما بين الاحتياجات الروحية ـ النفسية ـ طبقة العرافين والكهنة ثم احتياجات التنظيم والضبط والفصل بين الناس فكانت طبقات الجنود والملوك الحاكمين.

الصفحات: 390 صفحات (متوسط)

الكتاب: نهاية الغذاء

تأليف: بول روبرتس

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: هوتون مفلن كومباني، نيويورك 2008