أصبح واضحا الآن أن المصالحة الوطنية ستكون مرة أخرى ضمن عناوين حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة في الجزائر، وبهذا سيخوض بوتفليقة الانتخابات باسم المصالحة الوطنية للمرة الثالثة، رغم أن الموضوع يبدو وكأنه طوي منذ فترة غير قصيرة.

ففي أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد تعديل الدستور أصدر الرئيس بوتفليقة أمره للحكومة بضرورة التحرك من أجل إزاحة العقبات البيروقراطية التي تعترض تطبيق الإجراءات المنصوص عليها في ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، وهذه إشارة فريدة من نوعها وتحمل أكثر من رسالة.

فعندما ترأس بوتفليقة أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد تعديل الدستور صدر بيان جاء فيه أن الرئيس أمر الوزير الأول أحمد أويحي والحكومة بالإسراع في تطبيق الإجراءات التي ينص عليها ميثاق السلم والمصالحة، ولم يكن هذا التأكيد إلا عنوانا للحملة الانتخابية، وهو عنوان قديم خاض به بوتفليقة حملتين سابقتين، وهناك من استنتج أن التمهيد لاتخاذ قرار العفو الشامل قد بدأ فعلا.

وحتى قضية العفو الشامل هذه أصبحت الآن من الماضي بعد استنفاد كل طرق إقناع المسلحين بترك السلاح والعودة إلى الحياة الطبيعية، وليس هذا فحسب، فالمجتمع لم يعد يرى في مسألة المصالحة الوطنية أولوية الآن بعد أن تم اعتماد ميثاق السلم والمصالحة وترك أمر تطبيقه للجهات المختصة.

لكن بعض المحللين ذهبوا عكس ذلك بالتأكيد على ان إخراج ورقة المصالحة مجددا يأتي كمحاولة لجعل الحملة الانتخابية لبوتفليقة تقوم على المقارنة بين عهده وما سبقه من مراحل، وعلى المقارنة بين الاستقرار القائم الآن مع حالة الانهيار الشاملة التي كانت سائدة في العقد الأخير من تسعينات القرن الماضي فسياسة المصالحة الوطنية وان لم تحقق بعد الهدف المرجو في تحقيق الامن والاستقرار كليا، إلا أنه بالمقابل ساهم في توبة العديد من المسلحين وعودة الأمن تدريجيا للجزائر.

التزام بالحل

ويؤكد بوتفليقة في سعيه إلى فرض حالة من الاطمئنان لدى الرأى العام أنه سيمضى فى حل الأزمة الأمنية. فهو كان على علم انه سيرث وضعا فى غاية التعقيد ينتظر تحريكه نحو الانفراج وربما يستدعي ذلك خطوات دراماتيكية تتجاوز ما لم يستطع مند توليه الحكم في العام 1999 التنازل عنه للإسلاميين المتشددين بقبول بعض مطالبهم.

وقام بانجاز كبير واستراتيجي في المصالحة الوطنية من خلال سعيه فك بؤر التوتر المستقبلية لدى اعترافه بعائلات وأبناء الإرهابيين كضحايا للمأساة الوطنية فعلا، هذه العائلات الفقير في غالبها هي أيضا تُعد ضحية والدولة مطالبة بالتكفل بها وتسهيل الانخراط في العملية السياسية السلمية لتجاوز آلامها وأحيانا الأحقاد الكأمنة، وذلك على قدم المساواة مع عائلات ضحايا الإرهاب لتجنب التفرقة والفتنة مجددا.

وفي هذا الشق، تشير آخر الأرقام التي قدمها وزير التضامن الوطني جمال ولد عباس إلى أنه تم قبول أكثر من 13 ألف ملف من أصل 23 ألف طلب تعويض لضحايا المأساة الوطنية منذ صدور تدابير الميثاق، مع العلم أن الفئات المعنية بذلك هي عائلات ضحايا الإرهاب وأسر الإرهابيين المتوفين، والأشخاص الذين تعرضوا للفصل من وظائفهم بسبب نشاطهم السياسي، وعائلات الأشخاص المفقودين ألاوأعضاء جماعات مسلحة تخلوا عن الإرهاب سابقا وكذا المعتقلون بشبهة الإرهاب دون محاكمة خلال سنوات الأزمة الأمنية.

كما تم بناء على بنود الميثاق الإفراج عن معتقلين من أفراد الجماعات المسلحة ممن لم يتورطوا في المجازر وتفجير الأماكن العمومية، الوقت الذي ظهرت احتجاجات من عدة فئات تعتبر نفسها مقصية من إجراءات المصالحة على غرار من يسمون بمعتقلي الصحراء وضحايا الاغتصاب على يد الجماعات الإرهابية فضلا عن المفصولين من وظائفهم و الذين رفضت طلبات إعادة إدماجهم مجدداً.

كما خلف مشروع المصالحة، الذي يعد ملفا محوريا في برنامج الرئيس بوتفليقة في عهدته الثانية، خلف ردود فعل معارضة في الداخل والخارج والتي وصفته بأنه تكريس للاعقاب لفائدة أفراد الجماعات المسلحة، فضلا عن أن البعض يرى انه مشروع فشل في استئصال الإرهاب في الجزائر رغم بقاء يد الدولة ممدودة للمسلحين في الجبال.

إغلاق نهائي

ويؤشر قرار الرئيس بإعادة هذا ألاالملف إلى قائمة أولويات حكومته بسبب توقيته الذي جاء مباشرة بعد تعديل الدستور الذي يسمح له بالترشح لعهدة أخرى، يؤشر على أن الرئيس بوتفليقة يريد طي هذا الملف نهائيا قبل نهاية عهدته الحالية رغم أن الميثاق يرخص له اتخاذ إجراءات أخرى يراها مناسبة لتفعيل المصالحة.

ويرى الكثير من الساسة الجزائريين أن المصالحة الوطنية كانت من أولويات الرئيس منذ توليه السلطة، إذ كانت أولويات برنامجه السياسي إطفاء نار الفتنة عبر المصالحة الوطنية دون أن يوضح أسلوبها وأداتها، لكن الخلافات في هرم السلطة حول المصالحة حال دون تطبيقها في ولايته الرئاسية الأولى، التي اقتصرت على قانون الوئام المدني بعد استفتاء شعبي في سبتمبر 1999 والذي يقضي بعفو كلي أو جزئي عن المتورطين في أزمة العنف.

انتقادات وطموحات

الذين انتقدوا المشروع ووجدوه دون طموحهم يواصلون المطالبة بمزيد من الإجراءات رغم أن الإحباط سيطر عليهم، وتجربة السنوات الماضية لم تترك أي هامش للتكهن بماهية هذه الإجراءات التي قد يقدم عليها الرئيس، فالاعتقاد السائد اليوم هو أن المصالحة وصلت إلى نهايتها وقضي الأمر.

والمشكلة الأساسية، هي أن الناس سمعوا كلاما من هذا القبيل في الانتخابات السابقة قد يدفعهم التكرار إلى عدم الاكتراث خاصة وأن الأفعال التي تأتي فيما بعد قد لا تكون مطابقة للأقوال.

أما التحدي الآخر الذي سيواجهه بوتفليقة في الانتخابات المقبلة هو المشاركة في التصويت، فأثبتت آخر انتخابات جرت في الجزائر بأن العملية الانتخابية أصبحت فاقدة للمصداقية، وبحسب وزير الداخلية الجزائري نورالدين يزيد زرهوني فإن سبب ضعف المشاركة، التي كانت في أدنى المستويات.

يعود إلى عدم قدرة الأحزاب على تجنيد المواطنين وإقناعهم، وهذا التفسير غير متماسك لأن نسبة الاهتمام بالانتخابات تراجعت وقد تبين ذلك أولا في الاستفتاء حول ميثاق السلم والمصالحة، ويبدو أن حماس الناخبين بدأ يفتر مع مرور الوقت ومع ظهور الفوارق بين الوعود والنتائج المحققة على الأرض.

ويرى البعض أن المعالجة التي أدت إلى دحر العنف في المرحلة الماضية، ألالم تكن معالجة ذات نفس طويل،ألابل كانت معالجة قصيرة النفس، ألاتعمد إلى التعامل مع أعراض المشكلة لا مع أسبابها العميقة. ونجحت تلك المعالجة في إسكات صوت العنف لمرحلة محددة، ألالكنها لم تستأصل أسبابه من جذورها.

فقانون الوئام المدني، وهو في أصله ترجمة قانونية لاتفاق الهدنة بين الجيش الجزائري والجيش الإسلامي للإنقاذ،ألاوضعته المؤسسة العسكرية قبل مجيء بوتفليقة إلى الحكم بنحو عامين كاملين، ما يعني أن التعاطي مع المشكلة الجزائرية تعاطياً أمنياً يترجم بوضوح عقلية واضعيه، رغم أن المشكلة التي وضع لمعالجتها مشكلة سياسية بالدرجة الأولى.

أما حاضراً، فكل المؤشرات السياسية المطروحة أصبحت تؤكد أن الرئيس بوتفليقة في حاجة ماسة لعهدة ثالثة من أجل استكمال برنامجه الشامل، خاصة أن أمامه ملفات مستعصية تنتظر الاستكمال أو «المعالجة»، لعل أبرزها قوانين المصالحة الوطنية ومشروع الإنعاش الاقتصادي.

وكذا ورشات الإصلاح التي باشرها طيلة عشر سنوات من اعتلائه هرم السلطة التنفيذية في الجزائر، رغم إعلانه في مناسبات مختلفة فشل العديد من السياسات المنتهجة خلال السنوات الماضية، خاصة ما تعلق منها بقطاعات الخوصصة والاستثمارات الأجنبية.

ويدرك الرئيس بوتفليقة جيدا أن هذه الورقة مرهونة إلى حد كبير بإنهاء ملف المصالحة الذي منحه أكثر من 86 في المئة من أصوات الشعب الجزائري في أعلى نسبة يحصل عليها رئيس جزائري.

ومع أن سياسة المصالحة الوطنية قد أثبتت فعاليتها في إعادة نوع من السلم المدني للمجتمع الذي عانى طيلة العشرية السوداء من فظاعات الإرهاب، إلا أن المسعى بدا ناقصاً خاصة بعد عودة العمليات الإرهابية إلى الظهور من جديد، وهو الأمر الذي أكسب الجزائريين قناعات راسخة بأن إعادة استتباب الأمن والاستقرار وترتيب البيت السياسي أصبح من الأوليات التي تفوق مجرد إجراءات عفو أو تعويضات مالية.

وفي حال نجاح مشروع المصالحة الشاملة في الجزائر سيكون ذلك إيذانا بميلاد جزائر جديدة تسع كل الجزائريين بمختلف مشاربهم الفكرية والآيديولوجية والنظرية.