شهدت الأزمة الصومالية خلال الأسبوع الماضي تطورات متسارعة لم يسبق أن شهدها الصومال منذ انهيار نظام سياد بري في بداية تسعينات القرن الماضي.. فعواصم القرار الدولية وعواصم الجوار الإقليمي شهدت تحركات واسعة تزامنت مع سلسلة من التطورات الميدانية التي عاشتها العاصمة الصومالية وكذلك المياه الإقليمية لهذا البلد الممزق.
ففي خطوة أثارت ردود فعل متباينة وباتت تنذر بتغير أوراق اللعبة السياسية والعسكرية ميدانيا عاد رئيس تحالف إعادة تحرير الصومال (جناح جيبوتي) الزعيم السابق في اتحاد المحاكم الإسلامية شيخ شريف شيخ أحمد إلى العاصمة الصومالية مقديشو للمرة الأولى منذ سقوط نظام المحاكم الشرعية في الصومال قبل عامين وفي برنامجه إجراء محادثات مع الحكومة الصومالية الانتقالية بقيادة عبدالله يوسف.
وهي الخطوة التي أنكرها جناح أسمرا المدعوم من قبل إريتريا الذي ينكر على هذا الجناح قبوله بالتعاون مع ما يسمونه بالمحتل وهو القوات الأثيوبية وهو ما يقطع أية إمكانية للمهادنة مع حركة الشبان المجاهدين التي تعهدت بعدم إلقاء السلاح ويعقد من مشهد الاقتتال الدائر بين فريقين كانا يشكلان معا تحالف المحاكم الإسلامية.
وأثبتت خبرة تسييرهم لمقديشو قدرة فائقة على التحكم بمفاصل العاصمة وشكلوا في وقت سابق بؤرة قلق للجوار الإقليمي وللولايات المتحدة الأميركية التي رأت فيهم النسخة الإفريقية المعدلة لطالبان الأفغانية.
هذا الوضع الداخلي المأزوم أصلا والذي تدهور مع اشتباكات مسلحة راح ضحيتها العشرات من المدنيين الصوماليين تزامن مع تقدم المسلحين الإسلاميين المتشددين ووقوفهم على مشارف العاصمة وأيضا مع ما يصفه البعض بتراجع أثيوبيا عن تعهدها بسحب قواتها من الصومال والبالغ تعدادها ثلاثة آلاف عسكري مع نهاية هذا الشهر، وهو ما ترجمته على الأرض بنشر قوات إضافية في مدينة حدودية مع الصومال وأعادت احتلال مواقع عسكرية قديمة في مقديشو.
يحدث هذا تحت أنظار قوات الاتحاد الإفريقي البالغ قوامها نحو 3200 جندي في مقديشو والتي لن تستطيع بإمكاناتها وسلطات تفويضها وقف زحف المسلحين الإسلاميين في صورة تقدمهم. هذه صورة مقديشو التي لم تختلف كثيرا عما كانت عليه في التسعينات من فوضى عارمة وانتشار للعصابات والمليشيات المسلحة التي تعتاش على السلب والنهب الوظائف الوحيدة المتوفرة في الصومال.
وفي الجارة الجنوبية كينيا المرهقة بنحو ثلاثة ملايين لاجئ صومالي وبعبء الأزمة منذ انطلاقتها انعقد في نيروبي مؤتمر دولي حول مكافحة القرصنة اقترحت فيه الأمم المتحدة تطبيق إطار قانوني يسهل اعتقال وملاحقة القراصنة في البلدان الساحلية المحاذية للصومال.
وصيغ هذا الاقتراح في وثيقة عمل لدائرة الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، وتأتي صياغة الوثيقة بهدف ضمان مثول القراصنة المفترضين أمام القضاء، والتشريع لقوانين تساعد دول المنطقة على اعتقال قراصنة البحر ونقل المشتبه بهم وإجراء تحقيقات والتحقيق في الجرائم من جانب أجهزة قضائية تتمتع بالقوانين والسبل العملانية للقيام بذلك.
ويشارك في مؤتمر نيروبي ممثلون لنحو 40 بلدا والأمم المتحدة والشركات البحرية، هذا على البر الإفريقي، وفي سواحله بدأ فيه الاتحاد الأوروبي أول عملية بحرية في تاريخه مهمتها شل حركة القراصنة الصوماليين الذين يكثفون هجماتهم على السفن ويوسعون هامش تحركهم في المحيط الهندي وهو الأمر الذي عززته الحكومة الألمانية بتخصيص فرقاطة وما يصل إلى 1400 جندي للمشاركة في العملية الأوروبية اتلانتا للتصدي للقراصنة.
القادم أعظم
بعيدا عن المؤتمرات وعن التحرك الأوروبي والدولي الذي يعالج واحدة من نتائج المشكلة ولا يعالج المشكلة أصلا والكامنة في البر الصومالي الذي لا تسيطر فيه الحكومة الانتقالية الضعيفة سوى على بضعة إحياء في مقديشو تبدو هذه البلاد مقبلة على واقع أشد مأسوية مما عاشته.
ففي صورة انسحاب القوات الأثيوبية التي ضاقت ذرعا بالتجاهل الدولي وغياب الدعم الأميركي حيث تتحمل أديس أبابا لوحدها تكلفة الحرب الباهظة فإن حكومة عبد الله يوسف والمعززة في نسختها الجديدة ببعض العناصر الإسلامية المعتدلة لن تصمد في مواجهة تنامي حركة المجاهدين الشبان الجناح العسكري للمحاكم الشرعية والذي أعلن الجهاد على الحكومة.
واستطاع كسب شرائح واسعة من الصوماليين إلى مشروعه، وفي هذه الحالة فإن القوات الإفريقية لن تستطيع لوحدها بعددها القليل وعتادها المحدود مواجهة هذا الزحف المدعوم بعصابات اللصوص وقطاع الطرق إلا أن ما يزيد المشهد تعقيدا هو الاقتتال الذي سينشب بين الأجنحة الإسلامية نفسها المعتدلة الموالية للحكومة والمتحالفة معها والمتشددة التي ترفع شعار قتالها وهو المعطى الجديد الذي سيدخل بالتيارات الإسلامية ولأول مرة في الصومال إلى الاقتتال وهو ما قد يحول الحرب من صبغتها الأهلية لتتخذ لبوسا دينيا.
فيما تستعد المنظمات الدولية الإنسانية للأسوأ فهي تحذر من خطر كارثة إنسانية حقيقية في الصومال هذا العام بعد أن كشفت تقارير حقوقية أن قتال العامين الماضيين أسفر عن مقتل نحو 10 آلاف مدني وتشريد أكثر من مليون، فضلاً عن قرابة ثلاثة ملايين من الجوعى.
وتؤكد مصادر الأمم المتحدة ومنظمة «إلن» الحقوقية الصومالية أنه خلال العام 2007 فقط كان هناك 14 ألف قتيل مدني و5,1 مليون مشرد، بالإضافة إلى اتهام منظمة «هيومان رايتس ووتش» للقوات الإثيوبية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الصومال بجانب تحذير 40 وكالة إغاثة محلية ودولية من حدوث كارثة إنسانية وشيكة في الصومال.
