كم يفترض بالصومال وشعبه التلظي بنار الاقتتال والتمزق ليدرك المجتمع الدولي أن الخطر قد تجاوز في مداه جغرافية ممزقة بين عروبة منسية وإفريقية متناحرة ليتحول برميل بارود يشتعل فتيله منذ نحو عقدين من الزمان. 17 عاما قد تزيد قليلا، حينما أقلعت طائرة هيلكوبتر أميركية من مبنى سفارة الولايات المتحدة في مقديشو على متنها كل من السفير الأميركي ونظيره السوفييتي فرارا من جحيم الحرب الأهلية التي استعرت نيرانها في أعقاب سقوط نظام سياد بري.
حدث يومها سقوط مدو لنظام حكم البلاد لنحو ثلاثة عقود بالحديد والنار ولعب على جميع المتناقضات القبلية والتوازنات الدولية شرقا وغربا، ليتمكن من تغذية نيران فتن قل أن تجمعت عناصرها لشعب واحد من دين واحد ومذهب واحد ولغة ايضا هي واحدة.
بدأ الجرح الصومالي نازفا منذ الشرارة الأولى ومع ذلك قابله المجتمع الدولي بالوصفات الجاهزة التي استخدمها في أماكن أخرى فشلت الأمم المتحدة وقواتها الدولية فيما عرف بإعادة الأمل الذي ينتظره الصوماليون منذ التسعينات وانسحبت.
وفشلت القوات الأميركية وخرجت ومعها جثث جنود سحلوا في شوارع مقديشو وفي جعبة منتجي هوليود عشرات الأفلام السينمائية التي تروي مشاهد من الحالة الصومالية، عقد المؤتمر تلو المؤتمر حتى سجل الصومال رقما قياسيا في عدد مؤتمرات المصالحة التي لم تتم، ودفعت المجموعة الدولية عشرات الملايين من الدولارات.
تكاليف إقامة لمئات بل للآلاف من ممثلي الشعب الصومالي وقادة حربه ممن جابو العواصم المجاورة وأقاموا فيها الشهور الطويلة، أقسموا مرارا وتكرارا انتخبوا برلمانات تنافس في عددها اعرق الديمقراطيات انتخبوا الرئيس تلو الرئيس وتشكلت الحكومة تلو الحكومة، ليعود كل شيء إلى المربع الأول.
مقديشو هي أصل الحكاية وهي منطلقها وهي هدف سيطرة الجميع من مليشيات وبارونات سلاح ولوردات حرب وعصابات ومهربين.. وقراصنة، وأيضا القوات الأثيوبية، ففي كل مرة يسود الاعتقاد أن فريقا ما دانت له العاصمة تدور الدوائر عليه لينشق أو يفر أو ينقلب على عقبيه.
هكذا كانت مقديشو لمحمد فرح عيديد، ولعثمان علي عاتو ولعلي مهدي محمد ولنجل عيديد حسين فارح عيديد، ثم لحكومة برئاسة عبدي قاسم صلاد خرجت من الغنيمة بالإياب ثم للمحاكم الإسلامية التي ظهرت في النسخة الإفريقية لطالبان الأفغانية وإثرها للقوات الأثيوبية التي دخلت تحت وقع ضرباتها حكومة عبدالله يوسف التي اكتشفها العالم بعد عمليات القرصنة المروعة التي نصبت شراكها لصيد السفن والناقلات ما كبر منها وما صغر.
واليوم تعود مقديشو إلى صدارة الأحداث وكما لو أن الذين يبحثون عن حل أزمتها لا يقرأون التاريخ جيدا، ربما لانشغالهم الدائم بالراهن الآني طمعا في تجاوز معضلة القرصنة فيما الحل بيد فريق من الصوماليين الذين يدركون أن استقرار بداية مسلسل الاستقرار لن تكون من منطلق الصراع بل تكمن بعيدا في مدينة صومالية أخرى يختارها الصوماليون ولو مؤقتاً.
محمد الهادي الحناشي