من حقي كمواطن عربي، بمعزل عن الصفة التي أعرف بها نفسي، وأعرف بها موقعي الفكري، أن أتساءل، استناداً إلى شعار المؤتمر، واستناداً إلى هويات ومواقع المشاركين فيه، أتساءل عما إذا كان أصحاب الجلالة والفخامة والسمو يملكون مقومات حقيقية للحديث باسم الأديان التي ينتمون إليها. هل يحملون من مرجعياتهم الدينية تفويضات بالنطق باسم دياناتهم؟
هل يملكون سلطة القرار في شأن الديانات التي ينتمون إليها، لكي يكون بمقدور القرارات التي يساهمون في صياغتها في مؤتمرهم هذا، وفيما يليه من مؤتمرات مشابهة، أن تأخذ طريقها إلى التطبيق في بلدانهم وفي مجتمعاتها، من دون عوائق؟ وأتساءل، في السياق ذاته، هل حقاً تملك المرجعيات الدينية الرسمية ذاتها القدرة على اتخاذ القرارات والمواقف الخاصة بأديانها من دون أن تأخذ في الاعتبار التعدد والتنوع في المؤسسات الدينية الأخرى، القائمة خارج سلطاتها؟
لتساؤلاتي هذه أساسها الموضوعي، ليس في بلداننا وحسب، بل في كل بلدان العالم، سواء تلك التي كان لها ممثلوها في المؤتمر، أم تلك التي غاب قادتها عنه. ولا أستثني بيريز، المعادي لبلداننا بصفتيه، صفة رئيس دولة إسرائيل، وصفة زعيم من زعماء الحركة الصهيونية العالمية، التي تغتصب أرضاً عربية عزيزة وتحرم شعبها من حقه المشروع في إقامة دولته على أرض آبائه وأجداده..
ذلك أن الأديان جميعها، من دون استثناء، منقسمة فيما بينها إلى مذاهب وفرق ومجموعات مختلفة ومتناقضة ومتصارعة حول فهمها لـ «الأصول» في الدين، ومختلفة ومتناقضة ومتصارعة حول تفسير النصوص وحول تاريخ هذه النصوص، وحول طرائق وضعها موضع التطبيق في الممارسة الدينية والسياسية.
وجميع هذه المذاهب والفرق والمجموعات، كما تشير إلى ذلك الوقائع في العالم، وفي بلداننا، على وجه الخصوص، وإن بنسب متفاوتة من الحدة والتسامح، تتميز في اختلافها وتناقضها بعضها مع بعض بطابع التكفير للآخر المختلف، وبملاحقة من يجري تكفيره ومعاقبته، وصولاً إلى إقصائه، بالنفي، أو بالقتل، عندما تتوفر شروط ذلك أو ضرورته، بالنسبة إلى هذا النوع من التكفيريين.
وبالطبع فلست أريد أن أعمم وأن أطلق. لكنني أحب أن أشير إلى خطورة الظاهرة التكفيرية، التي تفاقمت في البلدان العربية وفي البلدان التي تسمي نفسها إسلامية. هل باستطاعة قادة الدول الإسلامية، خصوصاً، أن يفرضوا على المنتسبين إلى «القاعدة»، مثلاً، تطبيق مبدأ الاعتراف بالمسلم الآخر، وتطبيق مبدأ الحوار معه؟..
هل يستطيعون أن يفرضوا على هؤلاء وعلى أمثالهم من التكفيريين إلغاء تهمة التكفير لخصومهم، والتخلي عن ادعاء احتكار النطق باسم الدين، وفق أهوائهم، ووفق المشاريع التي تعبر عن مصالحهم، وذلك خلافاً صريحاً وواضحاً لما تبشر به وتدعو إليه قيم التسامح في الدين الإسلامي؟ هل باستطاعة القادة، مسلمين ومسيحيين، عرباً وأجانب، شرقيين وغربيين، أن يتعهدوا أمام العالم بوضع قراراتهم موضع التطبيق في بلدانهم؟
هنا، بالذات، تبدو لي ضرورة التحفظ حول ما يمكن أن يقود إليه هذا المؤتمر من نتائج، برغم أهمية الفكرة في عقده، وأهمية الشعار الذي حمله وعقد باسمه، وفي اتجاه تحقيقه وتعميمه كمبدأ للعلاقات بين المختلفين من بني البشر، في الدين، وفي الفكر، وفي سواهما من أمور وقضايا تتصل بحياة الشعوب وبثقافاتها وبعلاقاتها بعضها ببعضِ. ويشير البيان الصادر عن المؤتمر إلى النوايا الطيبة لدى قادة الدول الذين شاركوا في المؤتمر، وتبنوا شعاره: «حوار الأديان».
وتذكيراً للقارئ بما جاء في البيان أستشهد هنا بالفقرات الأساسية فيه، مثل: «... أكد الاجتماع على الأهداف والمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتعهد جميع الدول بموجب الميثاق تشجيع حقوق الإنسان والحريات الأساسية للجميع، بما في ذلك حريات الاعتقاد والتعبير، دون التمييز على أساس العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين.
وعبرت الدول المشاركة عن قلقها من تنامي حالات عدم التسامح، والتمييز، وبث الكراهية، واضطهاد مجتمعات الأقليات الدينية لأي دين. وشددت على أهمية تشجيع الحوار والتفاهم والتسامح بين الناس واحترام أديانهم وثقافاتهم ومعتقداتهم المنوعة..». لكن قراءة هذا النص إنما تطرح سؤالاً حقيقياً يتصل بنوع الأنظمة السائدة في عدد من البلدان التي يشارك قادتها في المؤتمر، وبعلاقة سلطات تلك الأنظمة بشعوبها.
رد على هنتنغتون
قد يبدو في أساس الدعوة إلى طرح شعار «حوار الأديان» ما يشبه الرد على المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون، صاحب مقولة «صدام الحضارات»، التي أطلقها في مطالع تسعينات القرن الماضي، في أعقاب انهيار الإتحاد السوفييتي، وزوال «خطر الشيوعية» على النظام الرأسمالي، وبروز «خطر الأصولية الإسلامية».
ورغم أنه حاول تفسير وتبرير مقولته في الوقائع التي قدمها، وهي وقائع مذهلة، إلا أن اللحظة التاريخية التي كتب فيها مقاله الشهير كانت تشير، بوضوح، إلى الهدف الفكري والسياسي المبتغى منه. فهو استنتج في شكل متعسف من الوقائع التي قدمها مقولته حول «صدام الحضارات»، معتبراً أن هذا الصدام هو واقع ثابت في العلاقة الصراعية بين الحضارات، واستطراداً بين الأديان.
وأخطر ما أدت إليه تلك المقولة والوقائع والشروح التي قدمها صاحبها في تبريرها، أنها قدمت للحركات الأصولية الإسلامية الرجعية، الإرهابية الطابع، العناصر التي كانت تحتاج إليها لتوسيع قاعدتها في أوساط الناس المقهورين، المظلومين من قبل الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، ومن قبل أنظمة الاستبداد في بلدانهم التي تستقوي بالخارج لتأمين استمرار سلطاتها.
استخلص هنتنغتون من الوقائع التي كانت قائمة، وكان بارعاً في توصيفها، عكس ما هو مطلوب من مفكر، استخلص نظريته المعروفة «صدام الحضارات». وهو استخلاص خطير بالنسبة إلى مفكر. فبدلا من التفكير ومن الدعوة إلى تغيير الواقع القائم في الاتجاه الأفضل والأرقى الذي يحقق المساواة والإخاء بين الشعوب، نظّر إلى تأبيد هذا الواقع، مكملاً بذلك مقولة المفكر الياباني الأميركي فوكوياما «نهاية التاريخ».
وهي المقولة التي تدعو الذين كانوا يحلمون، استناداً إلى مشروع ماركس، بتغيير مسار حركة التاريخ، تحقيقاً للحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية، مجتمعين متحدين، تدعو هؤلاء إلى التخلي عن حلمهم وإلى التكيف مع النظام الرأسمالي ومع معاناتهم التاريخية فيه.
أسس للتحفظ
أستند في تحفظي على شعار «حوار الأديان» إلى نقطتين أراهما أساسيتين في قراءتي لهذه الحقبة من تاريخنا ومن تاريخ العالم، التي تختلف اختلافاً كاملاً عن الحقبة التي سبقتها، وعن الحقب القديمة الأخرى:
- النقطة الأولى، تتمحور حول موقع الأديان في حياة العالم، منذ عصر النهضة، وعصر الأنوار، وما تلاهما في العصر الحديث من تحولات كبرى تمثلت بالثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، ثم بالثورة الاشتراكية، التي بدأت ملامحها في منتصف القرن التاسع عشر، واستكملت عناصرها في الربع الأول من القرن العشرين.
والجديد الذي بشر به عصر النهضة هو فصل الدين عن الدولة، على قاعدة ما لقيصر لقيصر وما لله لله. ولم يكن يرمي ذلك الفصل بين الدين والدولة قطعاً للإساءة للدين، بل كان يرمي أساساً إلى تحرير الدين، كقيم روحية، مما لحق به في الممارسة من إساءات على يد مؤسساته، التي تحولت إلى دولة، وإلى شرائع، وإلى مصالح لا صلة لها مطلقاً بما تدعو له وتبشر به قيم الدين، المسيحي والإسلامي، سواء بسواء.
وإذ انتصرت فكرة الفصل هذه بين الدين والدولة في أوروبا، في الوقت الذي كانت تتشكل فيه الدول القومية الحديثة فيها، فإنها، أي هذه الفكرة، قد تأخرت، وما تزال تتأخر، في الدول العربية وفي الدول التي تحمل اسم الدول الإسلامية، استناداً إلى غلبة سكانها من أصول دينية إسلامية.
وبرز، بفعل هذا التمايز والاختلاف بين العالمين الغربي والإسلامي، تباين واضح في مستوى التقدم الاقتصادي والاجتماعي، وتباين خطير في العلاقة بين العالمين، وصل إلى حدود الاختلاف والصراع، بفعل التدخل الخارجي بأشكاله وصيغه واستهدافاته المختلفة، وبهذا المعنى، وبهذا السلوك، وفي ظل هذه الوقائع، صار لمقولة هنتنغتون حول صراع الحضارات، التي أعطى للدين فيها الحصة الأساسية، ما يبررها.
أما النقطة الثانية، التي أستند إليها في تحفظي حول شعار «حوار الأديان»، فتتمحور حول المفهوم المتداول للحضارة، الذي يجعل الدين، المسيحي والمسلم، المكون الأساسي لها، وهو أمر مغاير للحقيقة التاريخية. ذلك أن للحضارات القديمة، ومنها الحضارة الإسلامية تحديداً، مكونات متعددة، كان الدين واحداً منها، واحداً أساسياً بالتأكيد، وليس المكون الوحيد، أو المكون الطاغي.
وإذ أشير إلى الحضارة التي أعطيت صفة الحضارة العربية الإسلامية، في معرض التحفظ على طابعها الديني الإسلامي البحت، فلأنني أستند إلى الوقائع التاريخية. وهي تؤكد أنه، في ظل تلك الحضارة، التي انتشرت في الشرق وفي الغرب، تعددت الثقافات، وتنوعت، وتباينت مرتكزاتها ورموزها، وصولاً ببعضها إلى حدود تجاوز الأساس الديني ذاته.
تشجيع القوى المستنيرة
ثم انني أستند في تحفظي على الشعار الآنف الذكر، إلى أن العالم المعاصر، الذي هو امتداد لعصور سابقة تمتد إلى أكثر من قرنين، هو عالم الثقافات المتعددة، التي تتكامل وتتفاعل فيما بينها، آخذة من الماضي بعضاً من مميزاته، ومتجاوزة له ولمفاهيمه.
ويشكل هذا التفاعل بين الثقافات مصدراً أساسياً لولادة حضارة عالمية جديدة، يعبر عنها بوضوح اتجاه العالم نحو وحدته، في ظل الإنجازات الكبرى التي تتحقق فيه. وأهم هذه الإنجازات أوتوسترادات المعرفة وأوتوسترادات الاتصالات التي تعمم هذه المعارف من دون عوائق، أو حواجز، من أي نوع.
هاتان النقطتان اللتان أستند إليهما في تحفظي على شعار «حوار الأديان» و«حوار الحضارات»، لا تقللان من تقديري لما اتفق عليه المؤتمرون تحت علم الأمم المتحدة، باسم حوار الأديان، ولا تقللان من أهمية العمل المتواصل تحت شعار «حوار الحضارات». لكن ما أردت أن أنبه إليه في هذا التحفظ هو عدم الانزلاق فيما يراد لنا أن ننزلق إليه.
أعني مخاطر البقاء في أسر هوياتنا القديمة ذاتها. كما أعني بذلك أيضاً الإشارة إلى مخاطر السكوت على ما تجرنا إليه الحركات الرجعية المتغطية بالدين ضد قيمه، ومخاطر التباطؤ في العمل لتحرير مجتمعاتنا ودولنا من أشكال الاستبداد، بما في ذلك باسم الدين وشرائعه، في الكثير من الأحيان، وفي الكثير من الحالات.
وفي يقيني فإن ما نحن بأمس الحاجة إليه في الحقبة التي نحن فيها هو تشجيع القوى المستنيرة في الدين الإسلامي، وهي كثيرة في التاريخ القديم والحديث والمعاصر، تشجيعها على تحرير الدين الإسلامي ممن تمادوا وما زالوا يتمادون في إبعاده عن قيمه، وفي جعل الخرافات والبدع المناقضة لقيمه هي السائدة في الممارسة، وفي استلاب وعي المؤمنين وفي تحويلهم إلى كتل عمياء تنقاد وراء مشاريع مناقضة لمصالحها، في حياتها الدنيا، على وجه التحديد.
إننا بحاجة إلى استعادة الحركة التي قادها الشيخان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، التي حملت معها دعوة إلى إعطاء الدين، باسم قيمه، موقع الداعم لتقدم بلداننا ولتحررها. وطبيعي أن مثل هذه الحركة ستحتاج إلى قوى تدعمها في مجتمعاتنا. وهذه القوى موجودة وذات وزن كبير.
