تبدو إسلام آباد المدينة التي بنيت في العام 1958 لتكون العاصمة الباكستانية الجديدة على يد المشير محمد أيوب خان أول حاكم عسكري للبلاد، مدينة مغايرة لمدن «الأرض الطاهرة» الأخرى، فالأشجار الوارفة تظلل الشوارع المنظمة والمثقلة بالحواجز العسكرية، المنتشرة كالفطر كل بضعة مئات من الأمتار، بعضها رملي ثابت.

كذاك الذي خبره العرب في «حواري» بيروت أيام الحرب الأهلية، وأخرى من الحديد الصلب عبر طبقات تترك كل منها منفذا واحداً للمرور، لتجبر السيارات على التلوي كالأفعى بهدف المرور، وفيما لا يزال العمل جارياً على قدم وساق لإنهاء أعمال الترميم في فندق «ماريوت» الذي استُهدف بعمل إرهابي أسفر عن مقتل أكثر من خمسين شخصاً قبل شهرين، تعيش المدينة وكأن شيئاً لم يكن.

تفصل الجبال الرائعة الخضرة إسلام آباد عن منطقة القبائل على الحدود الأفغانية التي تشهد حرباً ضروساً بين القوات الحكومية والمقاتلين من حركة «طالبان» بنسختيها الباكستانية والأفغانية، بالإضافة لآخرين متعددي الجنسيات من تنظيم «القاعدة» الذين أرسوا لأنفسهم قواعد آمنة في المنطقة التي ظلت مستعصية على الجيش الباكستاني طيلة العقود الستة الماضية.

إنصاف الجنرال

كانت طائرة الرئيس الباكستاني المستقيل برويز مشرف تحط في عاصمة الضباب في أول رحلة خارجية له بعد تنحيه عن السلطة في 18 أغسطس 2008، وذلك بالتزامن مع وصول الوفد الإعلامي من دولة الإمارات إلى ثالث محطاته، إسلام آباد، في إطار الدعوة التي نظمها مركز الدراسات الإستراتيجية في باكستان.

بدا الرجل عبر شاشات التلفزة في أحسن أحواله والابتسامة تملأ وجهه وهو يصل مطار هيثرو، مخلفاً وراءه بلداً يتخبط في بحر من الأزمات والمشاكل، واتهامات تحمله مسؤولية تردي أوضاع البلاد على كافة الصعد: الأمنية والسياسية والاقتصادية.

لكن المقاربة المنطقية لبعض المحسوبين على النظام السابق تكشف الكثير من الحقائق المغايرة لذلك، فالرجل وإن أخطأ في العديد من المواقف، وخصوصاً منها إقالة القضاة الذين عارضوا إعادة انتخابه عام 2007، وفي مقدمتهم رئيس المحكمة العليا أفتخار تشودري، إلا أنه استطاع النجاة ببلاده في فترة من أصعب الفترات التي شهدتها باكستان منذ تأسيسها عام 1947.

والمقصود بالطبع الفترة التي شهدت انطلاقة الحرب الأميركية على الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، إذ استطاع مشرف تجنيب بلاده مغبة أي تدخل عسكري أميركي عبر الانحناء أمام العاصفة الهوجاء التي تلت تلك الأحداث، بالاصطفاف إلى جانب المارد الأميركي في مواجهة أصدقاء الأمس (نظام طالبان الأفغاني)، كما حصد نتائج هذا الموقف بشكل مجزٍ اقتصادياً، عبر مساعدات كبيرة تلقتها بلاده من الولايات المتحدة التي وصفت باكستان بالصديق الأهم ل«ناتو» من خارج دول الحلف.

تستذكر فريحة رازق هارون، مديرة شبكة «جيو تي في» الفضائية التي تضم بين مؤسساتها القناة الإخبارية الأولى في باكستان، أيام مشرف بشيء من الأسى، وتقول إنه «عندما جاء تحسنت الكثير من الأمور، وأعطى دفعاً قويا للحياة السياسية.

إلا أنه كان من المفترض أن يترك البلاد تختار رئيساً بطريقة ديمقراطية من بعده لا أن يعيد ترشيح نفسه من جديد» هارون التي كانت تربطها برئيسة الوزراء الباكستانية الراحلة بنظير بوتو علاقة صداقة قوية، تبدو اليوم متشائمة إزاء مستقبل الحكومة الحالية، لجهة نكثها بوعدها إعادة القضاة الستين الذين أقالهم مشرف إلى مناصبهم.

وتؤكد الإعلامية التي تتمتع بمكانة كبيرة في الأوساط الباكستانية أن الجنرال مشرف «منح الإعلام حرية كافية في بداية عهده، إلا أنه في الفترة الأخيرة من حكمه بدأت الضغوط تتزايد، وتحديداً مع بدء أزمة القضاة التي كانت مسألة في غاية الحساسية بالنسبة للشارع الباكستاني».

واصفة ذلك بالأمر الطبيعي، وتوضح أن الوضع مع الحكومة الحالية أفضل، لكنها تصمت قليلاً قبل أن تستدرك أنه لا توجد حكومة تحب الانتقادات، مشيرة بإصبع الاتهام إلى جهات مسؤولة تقف وراء تعطيل بث إحدى قنواتها قبل أيام، دون أن تؤكد ذلك لعدم امتلاكها الدليل الدامغ.

تتساءل عن الفارق بين الوضع الحالي وأيام الجنرال الذي أغلق كافة فروع مؤسستها لثلاثة أشهر العام الماضي، تتعثر قليلاً في الإجابة قبل أن تطلب من الوفد إيقاف التسجيل لتسهب في الحديث على راحتها..

ولكن..

في المقابل يرى كثير من صناع القرار الجدد والباحثين المختصين أن مضار عهد مشرف كانت أكبر من فوائده بكثير، إذ أنه أدى ضمن ما أدى إليه، إلى خلق حالة من التمرد في منطقة القبائل لم تكن موجودة من قبل، وعلى الأخص في منطقة وزيرستان الجنوبية ووداي سوات وباجور، أسفرت عن مقتل الآلاف من الجنود الباكستانيين واضعافهم من القبائل، كما أدت لتهجير مئات الآلاف، وساهمت في توسيع العمليات الإرهابية لتشمل المدن الرئيسية: كراتشي ولاهور وإسلام آباد.

وبالعودة إلى الواقع الراهن، يتساءل الشارع الباكستاني ما الذي تستطيع الحكومة الحالية فعله إزاء هذا التدهور الكبير الحاصل على الصعيد الأمني، والذي يتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة تعصف بالبلاد، وتوج قبل أيام بتصعيد خطير مع الهند على خلفية أحداث مومباي؟!

استبق الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، أرمل الراحلة بنظير بوتو، أحداث مومباي الأخيرة بمد يد الصلح لعدو باكستان اللدود الهند، مؤكداً للمرة الأولى أن بلاده لن تكون السباقة في استخدام السلاح النووي في أي مواجهة معها.

كما دعاها لمفاوضات إزاء الملفات العالقة بين البلدين بما فيها ملف كشمير، إلا أن نيودلهي تجاهلت الرد على الدعوة، لتفاجأ بعد يومين فقط بمجموعة إرهابية تضرب عاصمتها التجارية مومباي، ليعود التوتر سيد الموقف من جديد بين الجارين، ما استدعى تدخلاً أميركياً عاجلاً لدرء احتمال أي تصعيد عسكري يخطف الأنظار عن الحرب الأميركية على الإرهاب، ويصرف أنظار باكستان عن حماية ظهر قوات التحالف الغارقة في المستنقع الأفغاني.

المسؤول الاستخباراتي الباكستاني الذي كان يتحدث ل«البيان» صبيحة اليوم الذي شهد أحداث مومباي، أوضح أن الهند «ستكون مخطئة إذا ظنت أن الوضع في أفغانستان لن يؤثر عليها خلال الخمسة أعوام المقبلة»، وشدد على «ضرورة الجلوس معاً للتباحث بشأن المستقبل».

في الواقع لم يحتج الأمر لخمسة أعوام، فبعد ما يقارب خمس ساعات كانت مومباي أسيرة عمل إرهابي شهده العالم بأسره على الهواء مباشرة، الأمر الذي أعطى دفعاً قوياً للإدارة الأميركية لإعادة حشد الدعم الدولي الذي بدأ يتململ لحربها على الإرهاب.

صحوات طالبانية

إلا أن ثمة مفارقة تستحق التوقف بقوة في خضم التطورات الدراماتيكية التي رافقت أحداث مومباي، قد تكشف بعداً هاماً في الموقف الباكستاني إزاء الحرب على الإرهاب، إذ كان لافتاً إعلان حركة «طالبان» الباكستانية استعدادها لدعم جيش بلادها في حال قيام الهند بأي عمل عسكري ضد باكستان.

ويوضح هذا البيان الذي صدر عن حركة يفترض أنها تخوض حرباً مع القوات العسكرية الحكومية، أن ثمة تمايزاً كبيراً بين موقف هذه الحركة وموقف تنظيم «القاعدة» أو حتى حركة «طالبان» الأفغانية.

وهو أمر يستدعي البناء عليه، خصوصاً وأن العديد من المسؤولين الباكستانيين أكدوا على ضرورة التفرقة بين «طالبان» الباكستانية، التي وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن شعبها في منطقة القبائل في مواجهة العمليات العسكرية التي توقع الكثير من القتلى في أوساط المدنيين، وبين الحركات المتطرفة الأخرى التي لا تمت لباكستان بصلة.

وتؤيد وزيرة الإعلام في إقليم السند شازيا ماري ضرورة العمل على الحوار مع هذه الحركة بالتأكيد على أن ذلك كان موقف الراحلة بنظير بوتو، وأن هذا ما يسعى الرئيس زرداري لتحقيقه، موضحة أن معالجة هذا الأمر هو من مسؤولية الحكومة الباكستانية وحدها وليس من مسؤولية أي أحد آخر.

وأنه لا يندرج ضمن الحرب العالمية على الإرهاب، وأن أي إجراء سيتخذ سيتم تحت سقف البرلمان، وانه للمرة الأولى في تاريخ باكستان سيقدم تقريرا ملخصا عن السياسية الدفاعية لباكستان بما فيها محاربة الإرهاب إلى البرلمان. إذا هي محاولة أخرى لتكرار السيناريو العراقي، ولكن ب«صحوات» باكستانية، يأمل الجميع أن تؤدي إلى رفع غطاء القبائل عن تنظيم «القاعدة» ليتسنى إعادة ضربه من جديد.

سيناريو يعتمد على ما يبدو حتى الآن، على إعادة النظر في وضع منطقة القبائل، لجهة ضرورة العمل من اجل إصلاح سياسي وتنمية اجتماعية واقتصادية في هذه المنطقة التي تم تجاهلها لعقود، علماً أن ثمانين بالمئة من سكانها البالغ تعدادهم خمسة ملايين وثلاثمئة ألف نسمة يعيشون تخت خط الفقر، و10 بالمئة فقط يعرفون القراءة والكتابة.

ولكن يعود التساؤل من جديد: هل يستطيع الرئيس زرداري القيام بهذه المهمة دون أن يصطدم بالموقف الأميركي الذي لا يبدو متحمساً لتكرار تجربة الصحوات، لإدراكه أن التركيبة الطائفية في العراق هي التي أسهمت في نجاح تجربة «الصحوات»، وهو الأمر غير المتوفر في باكستان.

من المؤكد على جميع الأحوال أن خيار الحرب قد جرب بما فيه الكفاية، وأن منطقة القبائل لم تعد بحاجة لمزيد من القنابل، ليس على الجبهة الباكستانية فحسب، وإنما على الجبهة الأفغانية أيضاً، وما ينقص المنطقة حالياً هو المزيد من الخدمات على غرار الشوراع والعيادات والمؤن الغذائية التي يفترض أن تقدمها الحكومة المركزية إلى الحكام المحليين الذين يثق بهم الشعب ويحترمهم.

ويرى محلل غربي خبير بشؤون المنطقة أن هذا لن يكون كافياً ما لم يسبق بوقف لإطلاق النار على كلا جانبي الحدود، ودعوة «طالبان» بشقيها الباكستاني والأفغاني للمشاركة في الحكومة، مميزاً بين حركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة» بالقول إن «الأولى تدافع عن أرضها وعائلتها وعادات قبيلتها ضد المحتلين الأجانب، فيما الثاني يشن جهاداً عاماً ضد الولايات المتحدة وحلفائها»، و«بغية عزل تنظيم «القاعدة» وهزمه يجب إبرام صفقة مع حركة «طالبان»».

ويؤكد المسؤول الاستخباراتي الباكستاني أن «هذه الحرب تكلف الأموال، وهناك أشخاص يمولونها في باكستان وأفغانستان، ولكننا لا نتلقى أجوبة عن هذه التساؤلات، وبدون محاربة مصدر الأموال سيظل القتال مستمراً» موضحاً أن باكستان «مهتمة جداً بإنهاء تنظيم القاعدة وبالعثور على أسامة بن لادن الذي يتهمنا البعض بإيوائه، وهو الأمر الذي يؤلمنا جداً».

ولكن يبقى الموقف الأميركي هو العامل الحاسم في هذا كله، فهل باتت واشنطن على استعداد لتقبل هكذا حل بعد فشل إستراتيجيتها العسكرية في كسب الحرب على الإرهاب؟ وهو الأمر الذي ينصحها به المسؤولون العسكريون البريطانيون ذوو الخبرة الكبيرة في شؤون المنطقة منذ قرون.

يبدو أن القرار رهن بساكن البيت الأبيض الجديد الرئيس المنتخب باراك أوباما، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه لم يصدر عنه أي تلميح حتى اليوم يوحي بإمكانية قبوله ذلك، بل على العكس فإنه يستعد لإرسال المزيد من القوات إلى هناك، وسيزداد الاعتماد على هذا الخيار في الأيام القادمة مع تزايد الضربات التي توجهها حركة طالبان الباكستانية إلى مقرات إمداد قوات التحالف الدولي في مدينة بيشاور والممرات التي تحمل الإمدادات إلى أفغانستان.

في انتظار ذلك، تأمل الحكومة الباكستانية، على حد تعبير وزيرة إعلام إقليم السند شازيا ماري أن «يخفف أوباما من اعتماده على العمليات والحلول العسكرية.. وان يدعم خيار الشعب الديمقراطي في باكستان، والذي يرى مصلحة البلاد في تجنب إراقة المزيد من الدماء بين أبنائه». وعلى حد تعبير المسؤول الاستخباراتي الأميركي: «لن يكون بإمكان باكستان أن تكمل حياتها مع هذا الوضع من الاستثنائي من الإجراءات الأمنية».

موقف وضرورات : باكستان تجدد عزمها مكافحة الإرهاب ورفض التسليم

ذكر الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري في مقالٍ نشر أمس على موقع صحيفة «نيويورك تايمز» أن الاعتقالات الأخيرة للمشتبه بهم في تنفيذ هجمات مدينة مومباي الهندية «أثبتت رغبة باكستان بالتحرك ضد عناصر لا علاقة لها بالدولة داخل أراضينا ومعاملتهم كمجرمين».

من جهته، كرر وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي في خطابٍ ألقاه أمس في مدينة مولتان وسط البلاد تأكيداته أن إسلام أباد «لن تسلم» الأشخاص الذين أوقفتهم مؤخراً في إطار التحقيقات حول الهجمات إلى نيودلهي.

وذكر قريشي في كلمته أن السلطات الباكستانية «ستحاكم الموقوفين بموجب القوانين الباكستانية إذا ثبت ضلوعهم في الهجمات»، مشيراً إلى أن الاعتقالات الأخيرة «تتم في إطار التحقيق الخاص بنا. وحتى لو ثبتت التهم في حقهم فلن نسلمهم إلى الهند».

وفي باكستان أيضاً، هاجم انتحاري تجمعاً احتفالياً بمناسبة العيد في منطقة بونر في وادي سوات على الحدود الأفغانية ما أسفر عن مصرعه وإصابة ثلاثة أطفال بجروح. إلى ذلك، شب حريق أمس في فندق «تاج محل» الذي كان أحد أهداف الهجمات الأخيرة تمكنت قوات الإطفاء فيما بعد من السيطرة عليه من دون وقوع خسائر.

وأفاد ناطق باسم الفندق أن الحريق اندلع في الطابق ال20 بسبب ماسٍ كهربائي واكتشفه موظفو الصيانة الذين سارعوا إلى إبلاغ رجال الإطفاء.

إسلام آباد ـ فراس كيلاني