بعد يومين فقط على الانفجار المحدود الذي استهدف أحد مباني «مجمع الحمرا» الثقافي في مدينة لاهور عاصمة إقليم البنجاب، كان مسرح المجمع يعج بالحضور الذي أتى من كل أنحاء المدينة لمشاهدة العرض الكوميدي المفضل لديه منذ سنوات، وفي البناء الملاصق كان ثمة شاعر شاب يلقي قصائده على جمهور من النخبة بدا مستغرقاً للغاية في القصائد التي تنهمر عليه كحبات المطر.
فيما كانت صالة العرض تشدو بلوحات من «القرآن الكريم» رسمت بالخط العربي. وفي الخارج، أمام بهو المجمع، بدا المشهد غريباً بعض الشيء على زائر باكستان المحمل بصور التفجيرات والقتل والدماء المستباحة.. مجموعة من الشبان والشابات بلباس غربي، يفترشون الأدراج منهمكين في حوار ثقافي لم يكن ليتوقعه الزائر في أبعد شطحات خياله. باختصار، بدا المشهد وكأن التفجير حدث على كوكب آخر، لا يمت إلى هذا المكان بصلة..
إنها المتاهة الباكستانية التي لا بد لفهما من إدراك مسألة تستحق التوقف مطولاً، وهي التباين الكبير الذي سيشعر به زائر باكستان بين مستويين من الرؤية والتقييم للوضع الأمني في البلاد، إذ فيما يبدو الوضع للمراقب من الخارج شديد التوتر وقابل للانفجار في أي لحظة في اتجاه أعمال عنف قد لا تبقي ولا تذر، فإن الأمر مختلف تماماً بالنسبة للشارع الباكستاني الذي يعتبر التفجيرات والعمليات العسكرية التي تجري هنا وهناك مسائل لا ينبغي التوقف عندها، إذ أن غالبية مناطق البلاد تعيش في أمان وتكمل حياتها بشكل أقل من عادي.
تاريخ مخضب بالدم
ويمكن إعادة السبب في ذلك إلى طبيعة التحديات التي واجهتها دولة باكستان الفتية منذ إعلان قيامها عام 1947، بدءاً بثلاثة حروب طاحنة مع الهند، مروراً بالانقلابات العسكرية التي صبغت تاريخ البلاد بالدماء، ووصولاً إلى الحرب على الإرهاب الذي يبدو أن باكستان تدفع اليوم ثمنها غالياً بالانتقام من الجيش والمدنيين على حد سواء. يقول مدير المركز الثقافي أصغر حسين جيلاني: «إن إغلاق المركز ولو ليوم واحد سيعني نجاح من قام بالتفجيرات في تحقيق هدفه، وهو تخويف الناس ودفعها لهجر هذه المنارة الثقافية».
يتحدث بأسى واضح مستهجناً «كيفية إقدام أحد ما على ضرب مركز ثقافي، حتى ولو كان من قام بهذا العمل من الحركات الأصولية المتطرفة». ويبدو أن سكان لاهور الذين خبروا العنف طيلة العقود الماضية باتوا يدركون ذلك جيداً، وهو الأمر الذي دفعهم لمتابعة حياتهم والمجيء للمجمع كما لو أن شيئاً لم يكن.
يصف ابن لاهور الصحافي أشفق أحمد الوضع بأنه طبيعي جداً، وان المدينة تشهد حراكاً سياسياً وثقافياً ومدنياً رائعاً، مستخفاً بالانفجار الذي ضرب المجمع، علماً انه كان عبارة عن ثلاث قنابل ألقيت بتوقيت واحد. وفي محاولة منه لإقناع الوفد الإعلامي بذلك، ينظم زيارة مسائية لنادي الصحافيين في لاهور، حيث المكان يضج بالحيوية والنشاط، الذي تزامن مع إضاءة شمعة تضامناً مع حقوق المرأة الباكستانية.
يتجاهل أشفق الحديث عن مدرسة «موريدك» القرآنية وسط لاهور، والتي تتمتع بشهرة كبيرة، نتجية إقامة الانتحاريين الثلاثة الذين هاجموا قطار الأنفاق في لندن مطلع عام 2005 فيها لبعض الوقت. إنها المدرسة التي يقول مديرها رشيد منهاف أنه بحاجة دائمة لمحاربين لاستهداف الأميركيين في العراق وأفغانستان، وللقتال في فلسطين وكشمير، موضحاً أن ذلك ليس بالإرهاب.
يدرك كافة المسؤولين في المؤسستين العسكرية والمدنية حجم التحدي الكبير الذي يفرضه عليهم تزايد العمليات الإرهابية داخل البلاد، إذ أنهم تلقوا في الآونة الأخيرة مجموعة كبيرة من الرسائل التي تفيد بقدرة الحركات المتطرفة، وفي مقدمتها «القاعدة» وحركة «طالبان» الباكستانية، على تنفيذ التفجير الذي تريد، في الوقت الذي تريد، وليس انفجار فندق «ماريوت» في 22 أكتوبر 2008 في العاصمة إسلام آباد والذي تبنته منظمة مقربة من «القاعدة»، سوى مثال ناصع على قدرتها على اختراق حتى أكثر الأماكن مناعة لجهة الترتيبات الأمنية المحيطة به، ولوقوعه بالقرب من مبنى البرلمان.
وغني عن القول هنا إن المدن الباكستانية تعيش حالة استنفار أمني دائم عند مداخل المدن والبوابات المؤدية إلى كافة المؤسسات التي يمكن أن تشكل هدفاً لأي هجوم إرهابي، كالمؤسسات الإعلامية والفنادق وغيرها الكثير.. وغني عن القول أيضاً إن الصحافي البريطاني مارك تاونسند أصر على تواجد حماية أمنية للفريق الإعلامي الزائر، لكن الغريب هنا أنه بينما كانت دورية الشرطة الباكستانية تسير خلف السيارة التي تقلنا في كراتشي، فإنها في لاهور كانت تتقدمنا تماماً، دون أي تفسير؟!
في أسباب الأزمة
لا يستخف المسؤول الاستخباراتي الباكستاني الكبير في حديثه ل«البيان» بقدرة الحركات المتطرفة والإرهابيين على تهديد استقرار البلاد، لكنه بدا متعقلاً جداً لجهة ضرورة فهم هذه الحركات والعمل على محاربتها بالطرق اللازمة، والتي قد تكون العمليات العسكرية جزءاً منها، لكنها لا تشكل الجزء الأكبر أو الوحيد.
يتحدث بثقة عالية عن أن الأمل بتحقيق النصر على المتطرفين ما زال قائماَ، رافضاً وجهة النظر القائلة بأن حركة «طالبان» تنتصر على قوات التحالف في أفغانستان.
«إن البلدين يواجهان إرهاباً واحداً، لذا فإن الشيء الضروري هو التنسيق بين البلدين في مواجهة هذا الإرهاب» يؤكد المسؤول الباكستاني، مضيفاً أن «التنسيق قائم، لأن الأمن الباكستاني والأفغاني مرتبط ارتباطاً وثيقاً، وأن الأمن الباكستاني سيكون في وضع جيد إذا استقرت أفغانستان وعاشت بسلام في ظل حكومة قوية».
ويدرك المسؤول الاستخباراتي أن الإرهاب الذي يضرب البلدين مصدره التطرف الأصولي الذي يجد ما يغذيه في المدارس القرآنية المنتشرة بكثرة في المدن الباكستانية، والتي يقدر عددها بما يقارب 13000 مدرسة رسمية، ومثلها غير رسمية، خرجت آلاف المقاتلين في كافة أصقاع الأرض.
كما يدرك أن الجيش والاستخبارات الباكستانية متهمة بالعلاقة مع حركة «طالبان»، لكنه لا يجد حرجاً في الرد على التساؤل بهذا الشأن بالتأكيد على أن «طالبان» كانت تقاتل السوفييت أثناء احتلالهم أفغانستان، و«العديد من دول العالم دعمت طالبان من خلال باكستان خلال قتالهم الاحتلال السوفييتي»، موضحاً «أنك لا تستطيع أن تأتي فجأة لطالبان وتقول لهم لا نريد التعاون معكم، فكرة عدم التعاطي مع طالبان غير واقعية، ومطالبة باكستان بذلك خطأ»، أما بالنسبة لمساندة «طالبان» حالياً فيتساءل المسؤول الباكستاني لماذا ستفعل بلاده ذلك؟! واصفاً الأمر بالخطأ الكبير الذي سيؤثر على استقرار باكستان.
علاقات حرجة
وفيما يتعلق بالعلاقات مع أميركا يوضح المسؤول الباكستاني أن «ما فعلته باكستان في ملف الحرب على الإرهاب لم تفعله أي دولة أخرى، وأن العالم كله يتفهم ذلك بما فيه الولايات المتحدة»، لكنه شدد على أن «استخدام القوة من قبل واشنطن يجب أن يكون حذراً جداً، موضحاً انه «ربما نقتل إرهابياً واحداً لكننا نؤدي إلى إنتاج عشرة غيره».
حديث المسؤول الاستخباراتي الرفيع جاء بعد أربعة أيام على مقتل البريطاني من أصول باكستانية رؤوف رشيد بصاروخ أطلق من طائرة أميركية من دون طيار داخل الأراضي الباكستانية، ورشيد، المطلوب الأول في بريطانيا، متهم بمحاولة تفجير طائرة مدنية فوق الأطلسي.
لكن، وعلى العكس من حكاية المسؤول الباكستاني، تبدو الصورة في الشارع مختلفة قليلاً، إذ ثمة اعتقاد كبير في الأوساط الباكستانية على اختلاف مشاربها، بأن ثمة اتفاق سري بين واشنطن وإسلام آباد على قيام الأولى بضربات في منطقة القبائل، لاستهداف مقاتلين من تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» الأفغانية، تتجنب قدر الإمكان سقوط ضحايا من المدنيين.. اعتقاد عززته الصحافة الغربية التي أكدت نقلاً عن مصادر غربية عديدة وجود هذا الاتفاق، الذي يسمح بين ثناياه باستنكار الحكومة الباكستانية لهذه الضربات.
وهذا الأمر إذا ما صح، فإنه يكشف العجز الباكستاني عن مكافحة الإرهابيين الذين يستغلون منطقة القبائل للتخطيط والتدريب لضرب أهدافهم في كلا الاتجاهين من الحدود.
ويرد المسؤول الباكستاني على ذلك بالقول إن الضربات العسكرية الأميركية أحدثت مشاكل جمة للحكومة الباكستانية، ويأسف لاستمرارها مشدداً على ضرورة التوصل لحل بين الجانبين لهذه المسألة، مطالباً بتفهم أكثر للوضع من قبل الجانب الأميركي.
ويوضح المسؤول الباكستاني أن نجاح الحرب على الإرهاب يتوقف على فهم من نحارب، مشيراً إلى أنهم «جيل تتراوح أعماره بين 25 و30 عاماً نشأ في بلد مدمر (أفغانستان) بلا بنية تحتية، جيل فقد كثير منه أحد أقربائه، وأبلغ بأن القوات الأجنبية هي من دمرت البلاد وقامت بارتكاب المجازر، وبالتالي فهذا الجيل نشأ على كيفية حمل السلاح العيش على الخبز والشاي معتقداً أن هذه هي الحياة».
تشخيصٌ لا يخلو من صحة بشأن أفغانستان، ولكن ماذا عن منطقة القبائل على الحدود بين البلدين، والتي لا يزال سكانها يرفضون الاعتراف بخط «دوران» على الحدود مع أفغانستان الذي رسمته بريطانيا في العام 1947 على امتداد 2640 كيلومترا، كونه يقسم شعب الباشتون بين البلدين؟!
لوم الجنرال
يرجع مسؤولو حكومة «حزب الشعب» الحالية مسؤولية تردي الأوضاع في منطقة القبائل وتحولها إلى خزان كبير للمقاتلين، إلى السنوات التسع الماضية التي حكم فيها الجنرال برويز مشرف، والتي تجاهل خلالها الحاجات التنموية لتلك المنطقة التي تعتبر الأكثر فقراً في البلاد، ما جعلها مستباحة من قبل الحركات المتطرفة التي تقدم المال في سبيل تجنيد المقاتلين الجدد.
كما تؤكد مصادر الحكومة أن رفض مشرف للحوار مع الحركات التي توصف بالمتطرفة، والعمل على حظرها وإغلاق مدارسها ومقارها في إطار الحرب على الإرهاب، أدى ضمن ما أدى إليه، إلى تلاقي هذه الحركات مع تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» الأفغانية، في شن حرب على حكومة مشرف التي وصفت بـ «العميلة» للرئيس الأميركي جورج بوش، الأمر الذي نقل الحرب إلى شوارع المدن الباكستانية التي باتت تشهد انفجارات لم تكن في الحسبان.
وفي هذا السياق، كان رئيس حزب «الرابطة الإسلامية» نواز شريف، الذي نأى بنفسه عن التحالف الحكومي بزعامة «حزب الشعب»، طالب بأن «تتولى لجنة برلمانية مراجعة سياسة التعاون مع أميركا في الحرب على الإرهاب، على أن يقر البرلمان الباكستاني توصيات اللجنة وتكون ملزمة للحكومة وكل أجهزتها الأمنية»، وانتقد شريف سياسة مشرف في هذه الحرب بالقول: «ليس مطلوباً من باكستان أن تشعر العالم كله بالأمان، فيما تغرق مدنها بالدماء بسبب العمليات الانتحارية الناتجة من الحرب على الإرهاب».
لكن إطلاق التهم من موقع المعارضة شيء والحكم شيء آخر، وهو ما يجعل حكومة «حزب الشعب» تبدو مرتبكة اليوم وهي تنوء تحت حمل يبدو من الصعب أنها ستكون قادرة على النهوض به طويلاً، إذ رغم مطالبتها الإدارة الأميركية بضرورة معاودة النظر في الحرب على الإرهاب، تخوفاً من تفاقم العنف رداً على العمليات العسكرية في منطقة القبائل، تبدو الإدارة الأميركية في وادٍ آخر غير عابئة حتى الآن بالاعتبارات التي تسوقها الحكومة المدنية الباكستانية.
يؤكد المسؤول الاستخباراتي الباكستاني أن «الجميع مسؤول عن إيجاد هذا الوضع طيلة السنوات الخمس والعشرين أو الثلاثين الماضية»، وأن حله لا يمكن أن يتم خلال أعوام قليلة، مرجحاً أن «يحتاج لعقود، من 20 إلى 30 عاما»، مشترطاً توافر الدعم الشعبي لنجاحه.
ورغم تعويل المسؤولين في إسلام آباد على تغير ساكن البيت الأبيض مطلع العام القادم، إلا أن إبقاء وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في منصبه في الإدارة الجديدة، وهو الذي يعتبر منطقة القبائل «أكبر تهديد إرهابي للولايات المتحدة»، معطوفاً على تصريحات الرئيس الأميركي الديمقراطي المنتخب باراك أوباما خلال حملته الانتخابية بالتهديد «بنقل الحرب باتجاه المجموعات القبلية في باكستان سواء أعجب ذلك إسلام آباد أم لا»، لا يوحي بالكثير من الأمل بتغير كبير مقبل.
لاهور ـ فراس كيلاني


