ينتقل بنا المؤلفان إلى مناقشة قضية بالغة الأهمية تتعلق بطبيعة العلاقة التي ستربط مستقبلا بين العالم الإسلامي والغرب، في ظل مجموعة القضايا التي مثلت مجالا للاحتكاك بينهما على مدى العقود الماضية وما إذا كانت ستتمحور حول التصادم أم التعايش. في هذا الإطار يستعرض المؤلفان تطور علاقات الجانبين بعد أحداث 11 سبتمبر، الأمر الذي جعل الكثير من المسلمين يجدون أنفسهم موضعا للشك والمضايقات والانتهاكات والتمييز والتعصب جراء نظر الكثير من الناس إلى الإسلام كوحدة صماء بصفته نقيضا معارضا للغرب جوهريا ما يعكس هوة من الجهل.

وقد فاقمت أحداث سبتمبر والهجمات الإرهابية التي استمرت في البلدان الإسلامية وفي مدريد ولندن من تنامي «الإسلاموفوبيا» بدرجة كبيرة وأصبح الإسلام والمسلمون مدانين حتى تثبت براءتهم جراء اعتبار الدين الإسلامي سبب التشدد والتطرف. وهنا يقرر الكتاب أن لوم الإسلام يعتبر جوابا بسيطا وأقل خلافية من إعادة النظر في القضايا السياسية والمظالم الجوهرية التي تتردد أصداؤها في معظم العالم الإسلامي والمتمثل في فشل كثير من الحكومات والمجتمعات الإسلامية، وبعض أوجه السياسة الخارجية الأميركية التي تعكس التدخل والهيمنة.

بشيسي... من بين المظالم التي يفصل المؤلفان في الحديث عنها باعتبار أنها أثارت قدرا كبيرا من النقمة والغضب في العالم الإسلامي تلك المتعلقة بدعم الغرب لعدد من الأنظمة التي لا تحظى بالرضا التام من قبل شعوبها، وكذلك الغزو الأميركي للعراق واحتلاله، الأمر الذي كانت له دلالة مفصلية في علاقات الطرفين حيث تم في نظر المسلمين في إطار مشروع استعماري استهدف الاستيلاء على ثروتهم النفطية، هذا فضلا عن تزايد مساحة المواقف الأميركية التقليدية القائمة على دعم إسرائيل وهو ما بدا بشكل واضح في دعم عملياتها العسكرية ضد حماس في غزة وحزب الله في لبنان.

وهنا يذكر الكتاب أن قادة اليمين المسيحي سارعوا إلى تصوير الإسلام على أنه السبب الرئيسي في كل المشاكل، مشيرا إلى أن مشاعر معاداة المسلمين لا تقتصر على بعض المسيحيين البارزين فهي شائعة بدرجة كبيرة بين المعلقين السياسيين وفي ذلك زعم دانييل بايبس أحد هؤلاء المعلقين في إشارة منه إلى إلقاء القبض على قناص في منطقة واشنطن :» لم أعجب حينما علمت أن المتهم الرئيسي في قضية قناص واشنطن هو جون إلن محمد الأفريقي الأميركي الذي اعتنق الإسلام منذ 17 عاما أو حينما علمت أنه قد وفر الأمن منذ سبع سنوات لمسيرة المليون» مضيفا:» كل هذا كان شبه متنبأ به لأنه يتسق تماما مع التقاليد الراسخة للسود الأميركيين الذين يعتنقون الإسلام وينقلبون ضد مصالح بلدهم بالطبع».

من هذا الجانب ينقلنا المؤلف إلى جانب آخر من ظاهرة «الإسلاموفوبيا» والممثلة في تصاعد المخاوف من تحولها إلى «أورابيا» والدعوى بأن أوروبا في طريقها إلى الأسلمة وان تصبح معقلا إسلاميا جديدا وهو خوف مؤسس على افتراض مسبق بأن الإسلام عدائي تجاه القيم الغربية ويفترض مسبقا بأن تنامي أعداد المسلمين في أوروبا سينتج عنه في النهاية غالبية ديمغرافية مسلمة ستهدد طبيعة المجتمع الأوروبي المسيحي تقليديا والذي أصبح الآن علمانيا بدرجة كبيرة.

يرنارد لويس يحذر

ويذكر الكتاب انه مما يدعم هذا الخوف المؤرخ برنارد لويس الذي راح يحذر في مقال له من أن أوروبا ستصبح إسلامية في نهاية القرن على أكثر تقدير، وكذا تحذير الهولندي فريتس بولكستاين المفوض الحالي بالاتحاد الأوروبي من أن الهجرة المسلمة في سبيلها إلى تحويل الإتحاد الأوروبي إلى إمبراطورية نمساوية مجرية على نطاق واسع.

وأشار إلى مدن كبيرة ستتحول سريعا إلى أن تكون ذات أقلية أوروبية منها أمستردام وروتردام، محذرا من أن الإضافة المرتقبة لـ 83 مليون تركي ستعمل على زيادة أسلمه أوروبا، مضيفا أنه لا يعرف ما إذا كانت الأمور ستصبح.

كما تنبأ برنارد لويس أم لا، وأنه إذا كان هذا الأخير على صواب، فإن تحرير فيينا من الجيوش التركية عام 1683 لم يكن ذا جدوى. وفي تفنيد لهذه المخاوف يقول المؤلفان ان الواقع يكذب مرة أخرى النزوع إلى رؤية المسلمين كتلة واحدة صماء ومعها الأساطير الأخرى.

ويتعلق جوهر الأسطورة والخوف من أسلمة أوروبا من الزيادة الديمغرافية في أعداد المسلمين، وفعالية الإسلام في أوروبا وهجمات متطرفين جرى نسبتهم إلى الإسلام على لندن ومدريد ومدن أوروبية أخرى.

وفي معرض الكشف عن المبالغة في المخاوف القائمة على التحذير من أسلمة أوروبا يشير الكتاب إلى أن الواقع يكشف أن نحو 4% من سكان الاتحاد الأوروبي مسلمون ـ نحو 20 مليون نسمة، وأنه حتى إذا سمح لتركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا أمر غير محتمل في المستقبل القريب ـ يذهب البعض إلى أنه لن يكون محتملا أبدا ـ فإن هذا التطور سيرفع نسبة المسلمين إلى 17%.

ومما يعزز الرؤية التي يقدمها الكتاب، إشارة المؤلفين إلى أن الأكثر أهمية من كل هذا أن مسلمي أوروبا مثل المجموعات الدينية والإثنية الأخرى ليسوا متجانسين، فهم يمثلون مجموعات أثنية متنوعة وليس بينهم مشتركات أخرى ..

فهناك جنوب آسيويين في بريطانيا وشمال أفريقيين في فرنسا وأتراك في ألمانيا. علاوة على أن الكثير منهم غير ملتزمين دينيا. وفي أفضل الأحوال فهم مسلمون ثقافيا موضحين أن غالبية من قاموا بأعمال الشغب والحرائق في الضواحي الفرنسية عام 2005 لم يكونوا يرتادون المساجد.

الاستعمار والهيمنة

ومن الأسلمة إلى الكراهية يشير الكتاب إلى المقولة التي تحكم علاقات الغرب مع العالم الإسلامي والتي تحاول رموز غربية الترويج لها بدعوى: «إنهم يكرهوننا بسبب ديمقراطيتنا حرياتنا وثقافتنا وقيمنا ونجاحنا وتقدمنا». يشير المؤلفان إلى أنه كما ذكرا من قبل فإن العكس تماما هو الصحيح مقدمين نماذج وعينات تؤيد ما يذهبان إليه.

ويقرر الكتاب أنه ربما يكون مصدر الاعتقاد الشائع بأن المسلمين غير منفتحين على أفكار الآخرين هي الفكرة واسعة الانتشار والقائلة بأن معاداة أميركا تساوي كراهية القيم والثقافة الغربية بيد أن إجابات المسلمين على العديد من الأسئلة خلال الاستطلاعات التي تم إجراؤها تؤدي بالمؤلفين إلى اتجاه آخر ففي مقابل 32% من الأميركيين يقولون انهم لا يرون ما يعجبون به في المسلمين، فإن نسبة المسلمين الذين يقولون انهم لا يرون ما يعجبون به في الغرب أقل بكثير (3 .6 في الأردن، 10 في السعودية 1% في مصر).

ويضيف المؤلفان إن الاستياء من الغرب ينتج عما يدركه المسلمون من اعتقاد الغرب أن المسلمين أدنى مستوى ومن خوفهم من التدخل الغربي وهيمنته عليهم أو استعماره لهم. وفي وجود سطوة الغرب والعولمة التي يهيمن عليها الغرب يخشى الكثيرون من أن تسحقهم الثقافة الغربية وأن يفقدوا هويتهم المسلمة واستقلالهم وقيمهم.

ويشير الكتاب إلى أن استياء المسلمين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل خاص، قد يعزى إلى حقيقة أنهم وفيما يعجبون بالتقدم العلمي والتكنولوجي الغربي وأيضا بديمقراطيته، فإن القليلين منهم فقط يرون أن الغرب على استعداد لمنحهم هذه الميزات، فيما يذهب الكثيرون إلى موقف آخر يتمثل في حرص الغرب على حرمانهم من هذه المميزات.

ثم يناقش الكتاب مقولة صدام الحضارات من وحي الأزمة التي خلفها نشر الرسوم المسيئة للرسول حيث كان للزوبعة توابعها الاقتصادية الأمر الذي انعكس في تراجع الصادرات الدنماركية والتي كان متوسطها يبلغ 6 .2 مليار دولار سنويا، فيما قاطع المستهلكون المنتجات الدنماركية على سبيل الاحتجاج. وقد دفع الجدل حول هذا الموضوع إلى التساؤل مرة أخرى هل يتوافق الإسلام مع القيم الغربية وهل نشهد صدام حضارات من نوع جديد؟

وهنا يميل المؤلفان إلى التأكيد على ما يذهب إليه البعض لجهة أن القضية لا علاقة لها بالدفاع عن القيم الديمقراطية الغربية وأن المسألة كلها تنحصر في الإعلام الغربي الذي يعكس بتزايد مجتمعا تسيطر عليه كراهية الأجانب و«الإسلاموفوبيا» ويشجعها.

ويقول آخرون ان إعادة طبع الرسوم كانت بدافع الربح لا السخرية من الرسول. ويؤكد المؤلفان أن قضية الرسوم صيغت كصراع بين الحق المطلق في حرية التعبير في الغرب الليبرالي والتعصب العنيف للعالم الإسلامي وأن هذه الصياغة أتاحت لمجموعات غير تمثيلية من الطرفين احتكار الجدل وعملت على اغتراب المعتدلين من الجانبين الذين يدعون إلى علاقات أكثر حميمية ومزيد من الفهم بين المجموعات المسلمة والغربية.

وفي النهاية فإنه وبدون قصد خدمت القضية أهداف المتشددين في بعض الدول المسلمة الذين يزعمون أن الديمقراطية الغربية معادية للدين ولا تتوافق مع الإسلام وفي الوقت ذاته منحت خبراء كراهية الأجانب و«الإسلاموفوبيا» في الغرب والداعين لها مزيدا من الوقود ليروجوا لنفس المزاعم.

ثم يتطرق الكتاب في السياق ذاته إلى أزمة البابا بنديكتوس السادس عشر ومحاضرته في إحدى الجامعات الألمانية التي اعتبر البعض ما ورد فيها هجوما على الإسلام وكشفت عما يتجاوز الحساسية الثقافية.

هنا يقول المؤلفان انه علينا أن نفهم رد فعل المسلمين داخل سياق عالم يشعر فيه كثير من المسلمين أنهم محاصرون. ويضيفا: إن فهم الرأي العام المسلم يمكن أن يكون مفتاحا لاستباق الصراع في العالم اليوم او منعه.

ويجعل بذلك استباق الصراعات غير الضرورية أكثر يسرا ومن ثم تلافيها إذا وضعنا حديث بنديكتوس والرسوم الدنماركية كذلك في سياق ردود فعل المسلمين في بيانات استطلاع جالوب العالمي يصبح من السهل التنبؤ بردود أفعال المسلمين ومن ثم تلافي الصراعات.

ويخلص الكتاب إلى التأكيد على أنه على عكس ما ينصح به البعض في الغرب من أن الإسلام هو المشكلة، وأنه يجب على الغرب محاربته أو خلق إسلام معتدل، من أجل هزيمة معاداة أميركا، فإن المشكلة ليست الإسلام مثلما أن المسيحية أو اليهودية ليستا هما السبب في متطرفيهما وإرهابييهما، وأن إضفاء طابع التشدد السياسي على الأديان أمر يوجد ما يصفه الكتاب بـ «كهنوت قتالي» وأنه باستطاعة الإسلام أن يكون سلاحا ماضيا في إلحاق الخزي بالإرهابيين والحد من تنامي الإرهاب.

ويستعين المؤلفان بنموذج اندونيسيا للدلالة على ما يذهبان إليه، حيث يدعم من يقولون ان 11 سبتمبر غير مبررة إجاباتهم بالاستشهادات الدينية فيما يستشهد من يقولون انها مبررة بالمظالم السياسية لدعم إجاباتهم لا بالتبريرات الدينية. ومن هذه النتيجة يؤكد الكتاب أن الصراع القائم بين الغرب والعالم الإسلامي ليس حتميا وأنه صراع يقوم في الأساس على السياسة وليس صدام مبادئ.

إضاءة

من الأسلمة إلى الكراهية يشير الكتاب إلى المقولة التي تحكم علاقات الغرب مع العالم الإسلامي والتي تحاول رموز غربية الترويج لها بدعوى: «إنهم يكرهوننا بسبب ديمقراطيتنا حرياتنا وثقافتنا وقيمنا ونجاحنا وتقدمنا». يشير المؤلفان إلى أنه كما ذكرا من قبل فإن العكس تماما هو الصحيح مقدمين نماذج وعينات تؤيد ما يذهبان إليه.

ويقرر الكتاب أنه ربما يكون مصدر الاعتقاد الشائع بأن المسلمين غير منفتحين على أفكار الآخرين هي الفكرة واسعة الانتشار والقائلة بأن معاداة أميركا تساوي كراهية القيم والثقافة الغربية بيد أن إجابات المسلمين على العديد من الأسئلة خلال الاستطلاعات التي تم إجراؤها تؤدي بالمؤلفين إلى اتجاه آخر ففي مقابل 32% من الأميركيين يقولون انهم لا يرون ما يعجبون به في المسلمين، فإن نسبة المسلمين الذين يقولون انهم لا يرون ما يعجبون به في الغرب أقل بكثير (3 .6 في الأردن، 10 في السعودية 1% في مصر).

الصفحات: 204 صفحات (متوسط)

الكتاب: من يتحدث باسم الإسلام؟

الناشر: جالوب برس، نيويورك 2008

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق