تفصل الناس عن الانتخابات الإسرائيلية الآن فترة لا تقل عن شهرين. ورغم أنه سبق للانتخابات أن تغيرت وجهتها خلال فترة أقل من ذلك لأحداث فجائية جرت هنا وهناك إلا أن الجميع يتعامل هذه المرة على أن نتائجها محسومة.

ورغم أن استطلاعات الرأي الأشد تعاطفا مع «ليكود »تمنحه ما يزيد قليلا عن الثلاثين مقعدا وأن ذلك يشكل ربع مقاعد الكنيست فإن الصورة تبدو وكأن الانتخابات هي فقط «ليكود». وبديهي أن بين أسباب ذلك الفوز المتوقع لمعسكر اليمين عموما الذي يشكل«ليكود» رأس حربته وقوته الضاربة.

غير أن السبب الأهم للاهتمام ب«ليكود» يعود حقيقة إلى نجاحه ليس في استعادة ثقة الجمهور الإسرائيلي به وإنما مضاعفة هذه الثقة مرة ومرتين.

ولا يستطيع الكثير من الخبراء العثور على أسباب موضوعية للعودة الجماعية ل«ليكود »سوى إخفاق حزب «كاديما»الذي كان نوعا من وسط يمين، أكثر مما هو حقا حزب وسط. فالجمهور الإسرائيلي يبتعد تدريجيا ويشكل دؤوب عن اليسار وأحزابه ومنذ زمن طويل.

ويبدو أن فشل« كاديما »شكل نوعا من الخيبة من أحزاب الوسط حتى لو كانت وسط اليمين. وهذا يعني أن الجمهور الإسرائيلي عاقب في الانتخابات السابقة «ليكود» لأنه لم يلتف تماما حول أرييل شارون وليس لأن «كاديما »كان جذابا.

ويشدد كثيرون على أن التطورات الجارية في الحلبة الإسرائيلية سواء الانتخابات التمهيدية في حزب العمل أو الانتخابات التمهيدية في كاديما لا تثير اهتمام الشارع والإعلام قدر الاهتمام بانتخابات«ليكود» التمهيدية اليوم.

فانتخابات «ليكود»بهذا المعنى هي الانتخابات الحقيقية التي ستجسد صورة الحكومة المقبلة في إسرائيل أو على الأقل صورة عمودها الفقري. وكل من سيفوزون ضمن العشرية الأولى في هذه الانتخابات يمتلكون تذكرة شبه مضمونة لدخول الحكومة المقبلة بل أن الصراع داخل «ليكود» سواء بين نتنياهو ومعسكر اليمين المتشدد والأهوج بقيادة موشيه فايغلين، أو بين نتنياهو ومعسكر الشرقيين بزعامة سيلفان شالوم، هو في الواقع صراع على من يتحكم بمقود إدارة الدولة اليهودية.

ويرى كثيرون أن هذا الصراع ليس عمليا سوى استعادة لمعارك الأوحال التي كانت في «ليكود» طوال عقود والتي جعلت صورته بالغة السوء في نظر الجمهور لجهة المعايير الأخلاقية. ومع ذلك فإن الجمهور في إسرائيل لا يرى صورة «ليكود شوهاء»، بل يراها أشد نقاء من صورة كل من «كاديما» والعمل وأحزاب أخرى.

وفيما يفهم كثيرون أن مساعي نتنياهو ضد فايغلين هي نوع من الرغبة في إظهار وجه معتدل بسبب الإدراك المسبق بأن قائمة«ليكود» للكنيست ستكون أصلا أشد يمينية من أي وقت مضى فإنهم لا يفهمون سبب عدم إبرامه تسوية مع شالوم.

فإذا كان يريد أن يبدو معتدلا فإن شخصا مثل شالوم، الذي كان وزيرا للمالية والخارجية ونائبا لرئيس الحكومة، يمكن أن يوفر له الصورة أكثر من بني بيغن ومن موشيه يعلون. فلماذا يصر على مجابهته وقص جناحيه لمنعه من التحليق في «ليكود»: هل بسبب نزاعات سابقة كثير من حلفاء نتنياهو اليوم كانوا على نزاع شديد معه في الماضي.

المهم أن شيئا ما غير مفهوم في الصراعات الدائرة في الليكود سوى صراعات قوى يشعر فيها نتنياهو اليوم أنه فقط صانع النصر ومانح الضوء ل«النجوم» الوافدين وبالتالي قد لا يكون راغبا في تنمية مصالح من نافسوه ويمكن أن ينافسوه على زعامة الحركة. وبمعنى من المعاني فإن نتنياهو يرتب من الآن مواقع وزرائه بشكل يمنح فيه الأفضلية لمن يقرون بفضله في منحهم هذه المناصب.

والواقع أن محاربة نتنياهو على جبهتين داخل «ليكود» قد تسمح لخصومه بإبرام تحالفات تسمح بإضعافه. غير أن إضعاف نتنياهو في الحالة القائمة يعني منح اليمين الأشد تطرفا في إسرائيل فرصة أكبر للسيطرة على الحزب الأقوى الآن.

وهذا هو سبب انضمام الكثير من المستوطنين لعضوية «ليكود» على أمل أن يقود ذلك للسيطرة على هذا الحزب تمهيدا للسيطرة على الدولة اليهودية.

وفي هذا السياق تقع محاولة عضو الكنيست اليميني المتشدد آفي إيتام لدخول «ليكود» والتنافس على موقع فيه للكنيست.

وقد أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن الكثير من رؤساء المستوطنات والتيارات اليمينية سوف ينتشرون اليوم في مراكز اقتراع «ليكود» من أجل تشجيع انتخاب مؤيدي «أرض إسرائيل الكاملة».

وسبق لمؤسسات المستوطنين أن أظهرت قدرات تنظيمية رفيعة في الحشد والتشجيع. وربما لهذا السبب يتوقع البعض أن تكون قائمة «ليكود» أكثر يمينية من أي وقت مضى ومما يظن الناس.

والواقع أن النزوع اليميني ليس سمة خاصة بـ «ليكود». يمكن فقط سماع زعيمة «كاديما» تسيبي ليفني في جلسة الحكومة وهي تهاجم وزير الدفاع، زعيم حزب العمل، إيهود باراك بسبب التهدئة في قطاع غزة. يبدو أن ليفني بحاجة إلى دماء كي تلون راياتها الانتخابية وتلوح بها للجمهور الإسرائيلي. وأمام هذا الواقع ليس عجيبا أن يعود بنيامين بن أليعزر إلى الماضي نادما ويعلن أنه كان من الخطأ على حزب العمل إجبار رئيس الحكومة المنصرف، إيهود أولمرت، على الاستقالة. في إسرائيل ذاكرة انتخابية قصيرة وإحساس أقصر بالندم.

باختصار «ليكود» طراز 2009 سيكون أشد يمينية مما كان أبدا، وهو يرفض أية مفاوضات مع الفلسطينيين ومع السوريين، ويفضل جمودا سياسيا على السلام الذي سيكلف، لا قدر الله، تسوية وتبادل أراض.

رجل «عنكبوتي» أقوى من نتنياهو

إن أهم رجل في «ليكود» ليس بنيامين نتنياهو، ولا حتى بنيامين بيغن. إنه يسمى أريك زيف وهو محرر موقع«الليكودي»على الانترنت. وهذا هو الموقع الرئيس لليكوديين وليس لليكود. وهو موقع شبه سري، شبه تمثيلي. ويشكل عنوانا لكل 168 المتنافسين في«ليكود» الذين يسوقون فيه أنفسهم بأموالهم.

وهو يشبه «صوت الشعب» وذو نزعة يمينية واضحة. وكل ليكودي يحترم نفسه، أعضاء كنيست، نشطاء، رؤساء فروع، ناطقون، مساعدون برلمانيون، يبحرون في هذا الموقع عدة مرات في كل يوم، يدرسون خريطة المعركة، ويطلعون على كل ما هو جديد من الإشاعات، ويكتشفون الأصدقاء والخصوم.

و«ليكود» هو شغل زيف. فهو يحضر كل الاجتماعات، يتحدث إلى كل المرشحين. يعرف جميع رؤساء الجماعات. وفي الأسابيع الأخيرة انهار موقعه على الانترنت تحت ضغط الإعلانات. ويقول زيف أنه في انتخابات 2006 فر نصف زبائنه المحتملين في اللحظة الأخيرة إلى كاديما. أما الآن فإن الهجوم عليه جماعي.

وهو رجل يميني واضح. وعندما ضم نتنياهو إليه، أساف حيفتس، من مباي، كان العنوان عند زيف لامعا: «نتنياهو أساف حيفتس لا حاجة له» (بالعبرية «أساف» تعني «جمع، أو لمّ» و«حيفتس» تعني «غرض أو حاجة»). وهو يروي:«بعد عدة أيام رأيت أساف. والحق أنه استقبل الأمر بشجاعة». وقال أنه جلس إلى دان ميريدور واعتبره «رجلا بالغ الجدية، يتطلع إلى وزارة الدفاع».

فمن هم، في رأيه، الخمسة الأوائل في قائمة «ليكود» التي ستنتخب في الأسبوع المقبل؟ زيف على قناعة أن بيغن ويعلون سيكونان على رأس القائمة. وحسب تقدير زيف فإن «الجميع سيصوتون لهما.

وبعدهما سيأتي سيلفان شالوم، روبي ريفلين، جدعون ساعر وجلعاد أردان». ويضيف لأن ريفلين محبوب بشكل غير اعتيادي. كما أن الليكوديين يحفظون لشاعر إدارته الناجحة لكتلة«ليكود» في المعارضة. وسيلفان شالوم سياسي ممتاز، فيما أن أردان مشرع نشط.

وفي يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي اجتمع مركز«ليكود» للمرة الأخيرة قبل الانتخابات اتمهيدية (التي ستجري اليوم الاثنين ).

وهذه هي الانتخابات التمهيدية الأشد إثارة للاهتمام: بسبب الشخصيات، بسبب الموسيقى التي تبشر بعودة «ليكود» إلى الحكم. لأنه حسب استطلاعات الرأي الأخيرة التي تتوقع «ليكود» حوالي 32 مقعدا، فإن ما بين 12 من أعضاء الليكود سيغدون وزراء في حكومة نتنياهو، بافتراض أنه سيفوز وسيشكل الحكومة. وينبغي التذكير بأن الأمور مفتوحة حتى الآن.

لقطات

ــ قائمة نتنياهو شبه جاهزة. 19 مقعدا حتى نهاية القائمة القطرية، بعد ذلك مندوبو الأقاليم والقطاعات المختلفة: المهاجرون، النساء وما شابه. وبافتراض أن كل أعضاء الكنيست العاملين حاليا تقريبا سوف يفوزون ثانية، ولنقل أنهم عشرة من بين أحد عشر، تبقى تسعة مقاعد فارغة حتى نهاية القائمة القطرية.

ــ السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو هل أن أعضاء «ليكود» سيذهبون حيث تهوى قلوبهم، أي يمينا، ويعيدون المتمردين إلى الواجهة، أم سيفعلون ما تطلبه منهم رسل نتنياهو، بإدخال «اليساريين»، من أجل إضفاء وجه أكثر اعتدالا على «ليكود».

وإذا تحققت الإمكانية الأولى، فسوف نشهد مساء اليوم الاثنين ولادة من جديد لكتلة المتمردين المعروفة، التي سوف تتعزز بالفائزين الجدد من الأقاليم والقطاعات المختلفة.

ــ يقول نتنياهو عند سؤاله عن العودة المحتملة لمتمردي «ليكود» أنا لست قلقا. لقد تعلموا الدرس. وقد طاروا من القائمة السابقة، والآن هم أكثر حذرا. وقال له أحدهم: «لقد كنت أيضا متمردا في الماضي. تركت الحكومة قبل تنفيذ خطة الفصل». يرد نتنياهو: وأنا كنت حذرا. لقد استقلت من منصبي في النهاية، لكني كنت حذرا.

تقديم وترجمة - حلمي موسى:

ينشر بترتيب مع «السفير» اللبنانية