رغم ما قد يثيره تناول الكتاب من اختلاف بشأن بعض الرؤى التي يقدمها المؤلفان، إلا أن الميزة الأساسية التي تسم هذا العمل اعتماده بشكل أساسي على نتائج الاستطلاعات وتحليلها وهو ما قد يضفي عليه قدرا من التجرد والمصداقية. وعلى هذا الأساس يواصل المؤلفان مناقشة القضايا التي تركزت عليها استطلاعات معهد جالوب وتمثل قضايا جدالية على صعيد علاقات العالم الإسلامي مع الغرب، وهى بشكل أساسي قضايا الديمقراطية والإرهاب ووضع المرأة وصدام الحضارات.
ونستكمل هنا تقديم رؤى المؤلفين الخاصة بالتطرف حيث يتناولان البعد الخاص بما إذا كان التعاطف مع التطرف حكرا على المسلمين متسائلين عما إذا كان تعاطف المسلمين معه لا يحفزه التعصب الديني فلماذا يوجد التعاطف معه ظاهريا في أوساط المسلمين أكثر من غيرهم؟ وهل أن الأمر كذلك ؟ ويوضح المؤلفان أن الإجابة على هذا السؤال هي لا، فليس لدى المسلمين احتكار للآراء المتطرفة بل إنهم واقعيا وفي المتوسط ينزعون أكثر من الجمهور الأميركي لإدانة الهجمات على المدنيين بأسلوب لا لبس فيه. يشير المؤلفان إلى أنه أوضحت دراسة أجريت مؤخرا أن 46% فقط من الأميركيين يعتقدون أن القصف المتعمد والهجمات الأخرى التي تستهدف المدنيين لا يمكن تبريرها أبدا فيما يعتقد 24% منهم أن هذه الهجمات مبررة دائما أو أحيانا. وعلى المنوال ذاته وفي إطار مفهوم المقارنة يشير المؤلفان إلى أنه بالمثل تعتقد نسبة 6% من الجمهور الأميركي أن الهجمات التي تستهدف المدنيين مبررة فيما تبلغ هذه النسبة في لبنان وإيران 2% وفي السعودية 4% بينما لا يميل المسلمون في باريس ولندن بأكثر من نظرائهم من الجمهور العام للاعتقاد بأن الهجمات على المدنيين مبررة وينزعون أكثر إلى رفض العنف حتى في سبيل القضايا النبيلة.
وينتهي المؤلفان في هذا الصدد إلى الإشارة إلى أن تشخيص الإرهاب بصفته أحد الأعراض لدى المسلمين والى الإسلام بصفته المشكلة، إنما يعد تشخيصا معيبا، رغم انتشاره في الكثير من الأوساط الغربية، وأنه توصيف يحمل مخاطر كبيرة لها تبعات بالغة التأثير، فهو يثبت الرؤى والمخاوف الكبيرة القائمة من المسلمين، ويتسبب في اغتراب الغالبية المسلمة المعتدلة، ويدعم الاعتقاد بأن الحرب على الإرهاب العالمي هي في الواقع حرب ضد الإسلام. وعلى ذلك يؤكد المؤلفان أنه إذا كان هناك 3,1 مليار مسلم في أنحاء العالم اليوم وإذا كانت هناك نسبة 7% منهم بما يوازي 91 مليونا من المتشددين سياسيا يؤيدون الهجمات على الولايات المتحدة وينظرون إليها نظرة سلبية وهم ليسوا بأكثر تدينا من السكان بعامة فإن ذلك يشير إلى حجم المبالغة غير المقبولة والمنطقية القائمة على التخويف من العالم الإسلامي والترويج لمشاعر كراهية مزعومة تنتاب سكانه تجاه كل ما هو غربي.
نتابع في فصل جديد ضمن الكتاب بعد ذلك قضية المرأة وهى القضية التي لا يتردد غربي إلا ويشير إليها باعتبارها أحد القضايا التقليدية التي تمثل نيلا من الإسلام، وهنا يحاول أسبوزيتو ومجاهد تقديم رؤية متكاملة بشأن وضعها في العالم الإسلامي وتجاوز الصور الضيقة التي تتناولها في إطار سلبي، وفي ذلك يشيران إلى انتشار القصص الإخبارية المختلفة عن قمع النساء الأمر الذي استخدم حسبهما، لتبرير غزو العراق وأفغانستان. ويستندان في ذلك إلى ما ذهبت إليه لورا بوش، سيدة أميركا الأولى، في حديث إذاعي في نوفمبر 2001 من أن: «الحرب ضد الإرهاب هي أيضا حرب من أجل حقوق النساء وكرامتهن».
حقوق ومساواة
ويعرض الكتاب نماذج مختلفة للصور المشوهة التي يقدمها الإعلام عن وضع المرأة المسلمة، ومن ذلك مثلا تصوير المسلمات على أنهن خاضعات مبعدات،وأن مهمتهن تقتصر في أغلب الأحوال على أعمال المنزل فقط، فيما أن الرجال يحتكرون الأدوار الحيوية في أنشطة المجتمع.
وهنا فإن من الملحوظات الأساسية لهما على هذا التناول هو أن ما لا يكاد يجد طريقه إلى هذا الخطاب هو أصوات النساء المسلمات أنفسهن. وعلى هذا يطرحان السؤال التالي وهو: ما فهم غالبية النساء في العالم الإسلامي للإسلام ولمكانتهن في المجتمع المسلم؟
ومن خلال استطلاع أجراه معهد غالوب عن النساء في بلدان ذات غالبية مسلمة أو بلدان يسكنها عدد كبير من المسلمين يشير الكتاب إلى أن غالبية النساء ترى في كل الدول التي تم فيها الاستطلاع تقريبا أنهن يستحقن نفس حقوق الرجال القانونية، وأن يدلين بأصواتهن دونما أي تأثير من أفراد الأسرة، وأن يعملن في أية وظيفة هن مؤهلات لها، وأن يحتللن أعلى المناصب الحكومية.
ويشير الكتاب إلى تباين الأوضاع في البلدان الإسلامية، وأنه لا يمكن القول بوجود نمط واحد، حيث أنه فيما لا يسمح للنساء بالتصويت أو بقيادة السيارات في بعض البلدان، وسط مطالبات من غالبية السيدات بضرورة منحهن هذا الحق، وأن يكون لهن الحق في التصويت من دون تأثير من قبل أي جهة، فإنه في مصر تتطرق المصريات اللاتي يواجهن قيودا أقل كثيرا من نظيراتهن في دول أخرى لهذه القضية على نحو يؤيد بقوة حقوق النساء وتقول 88% منهن أنه يجب أن تعمل النساء بأية وظيفة هن مؤهلات لها.
وفي مصر كما في أجزاء أخرى من العالم الإسلامي فإن هذا الموقف ليس أمرا نظريا، حيث أن ثلث المهنيين والعاملين الفنيين في مصر من النساء، وهى النسبة نفسها في تركيا وكوريا الجنوبية.
ويقدم الكتاب أمثلة على نساء ذوات أدوار فاعلة في العالم الإسلامي، منهن مثلا الدكتورة سعاد صالح، التي يصفها الكتاب بأنها امرأة حازمة تجهر بآرائها والمتخصصة في الفقه الإسلامي وهى تعمل فقيهة إسلامية وأستاذ بجامعة الأزهر وكانت أول امرأة تشغل منصب عميد لإحدى كليات الأزهر وهى كاتبة غزيرة عن قضايا تشمل قوانين الأسرة وحقوق المرأة ولها سبع مؤلفات عن الإسلام وما لا يقل عن أربعة أعمال بحثية عميقة وتظهر بانتظام على الشاشات التليفزيونية وتجهر بالدعوة إلى الإسلام ورسالتها،حسبما يصف الكتاب، واضحة وتتمثل في أن الإسلام بسيط تحتل فيه النساء منزلة رفيعة.
ومن الأمثلة الأخرى التي يقدمها الكتاب المصرية سلوى رفعت،وهى في أواخر الخمسينات من العمر حاصلة على بكالوريوس في هندسة الطيران من جامعة القاهرة وعلى الدكتوراه في الهندسة المدنية، وفي الوقت ذاته تمكنت من الحفاظ على التوازن بين تربية أولادها والوفاء بمتطلبات عملها وهى الآن أستاذة تعلم الشباب والفتيات معا.
نساء طالبان
ويؤكد المؤلفان أن تلك الحالات تكاد لا تكون استثنائية حيث توضح البيانات على المستوى القومي في البلدان المختلفة عن النساء أن نسب من تلقين تعليما بعد المرحلة الثانوية هي كالتالي: 52% في إيران، 34 في مصر، 32 في السعودية، 37 في لبنان وفي دولة الإمارات وإيران تشكل الفتيات غالبية طلاب الجامعات.
لكن المسح الذي أجراه غالوب في بلدان إسلامية وبلدان غير إسلامية يجد مدى واسعا من تعليم النساء تنخفض فيه نسب من يواصلن التعليم بعد المرحلة الثانوية إلى 8% في المغرب و13% في باكستان وتناظر هذه النسبة في البرازيل 4% و11% في جمهورية التشيك.
ومن هذه الأرقام التي تشير إلى وضع متميز للنساء، أو على الأقل لا يتوافق مع الصورة المظلمة التي يجري رسمها في الغرب، ينقلنا المؤلفان إلى الحديث عن مدى الرغبة من قبل المرأة المسلمة في أن يحررها الغرب، فيشيران إلى أن صعود طالبان في تسعينات القرن الماضي زاد من اهتمام العالم بمحنة نساء أفغانستان البلد الفقير الذي مزقته الحرب.
فقد أصبح محظورا على النساء تلقي التعليم أو العمل. وعرضت صور لنساء صامتات مدثرات بأردية زرقاء فاتحة ومعها فيديو كليب لرجال شرطة طالبان الدينية وهم يضربون امرأة في الشارع بسبب عدم احتشامها.
وهنا يشير الكتاب إلى أنه يجري استخدام وضع النساء في العالم الإسلامي كمبرر للتدخل الغربي الثقافي والسياسي أحيانا. وأما على صعيد رؤية المرأة المسلمة تجاه الغرب فيشير الكتاب من واقع استطلاعات جالوب إلى أنها على قدر من التعقيد ففيما تبدي المسلمات الإعجاب بكثير مما في الغرب، لا تتوق الغالبية لأن يصبحن مثل نظيراتهن الغربيات وفيما يؤيدن المساواة بين النوعين فإنهن يملن إلى أن يتحقق ذلك من منطلقاتهن وداخل سياقهن الثقافي الخاص.
ومن النتائج التي تشير إليها الاستطلاعات يشير الكتاب إلى أن نسبة كبيرة من الرجال والنساء تربط مقولة تمتع كلا النوعين بحقوق قانونية متساوية بالأمم الغربية.
كما يشير الرجال والنساء إلى الحرية السياسية، حرية التعبير، والمساواة بين النوعين باعتبارهما سمات حضارية غربية تلقى أكبر قدر من إعجابهم. ويشير المؤلفان إلى أنه رغم تعبير النساء المسلمات عن مدرك إيجابي لمكانة النساء القانونية في الغرب وجزمهن أن هذا هو المفروض أن تكون عليه الأمور فإن القلة القليلة ممن استطلع رأيهن يربطن بين تبني القيم الغربية ومدى مساعدة ذلك على التقدم في البلاد المسلمة.
وقد تسببت هذه النتيجة في حيرة كبيرة خلال عملية تحليل النتائج وأثارت التساؤل حول سبب عدم حماس عدد كبير من المسلمات لعملية «التغريب».
عودة الحجاب
حسب الكتاب فقد جاءت إشارات على حل هذا اللغز من امرأة ريفية مغربية في الثانية والعشرين من العمر أنهت تعليمها الثانوي، بعد أن سألها غالوب عن أكثر ما ينال إعجابها في الغرب، حيث كان السؤال عن أكبر قدر يثير استيائها فكانت إجابتها عدم احترام الرجال للنساء.
وفي ذلك يشير الكتاب إلى أن الرجال ونسبة أكبر من النساء يقولون إنهم يستاءون من الانحلال الجنسي في الغرب، والعري والملابس الخليعة، وهى مدركات يمكن تقصى أثارها في صور هوليوود التي تصدر يوميا إلى العالم الإسلامي.
ويشير الكتاب إلى أن ما يجعل هذه النتائج لافتة بدرجة أكبر هي أن المسلمين كانوا يعتقدون في الماضي أن «التغريب» هو السبيل إلى المساواة بين النوعين، وفي ذلك بدأت الحملة لـ «تغريب» النساء المسلمات وبدا أنها حققت نجاحا في البداية حيث أنه بحلول الستينات من القرن الماضي كاد الحجاب أن يختفي واقتصر على النساء الريفيات الفلاحات أو نساء الطبقات الدنيا بالمدن.
وعلى ذلك وفي سعيها للتقدم لم يتحجب قطاع كبير من المرأة الحديثة وجرى النظر بنوع من عدم التقدير إلى المحجبات بصفتهن موضة قديمة أو حتى متخلفات وفي ظل هذه الخلفية التاريخية يشير الكتاب إلى أنه مما قد يصيب الكثيرون بالصدمة القصص عن تزايد أعداد نجمات السينما اللاتي طالما نظر إليهن على أنهن الراعيات الثقافيات لأسلوب الحياة الغربي وتحولهن إلى ارتداء الحجاب.
وقد لوحظ هذا التوجه ذاته بين نساء الطبقات العليا الحضريات المتعلمات في البلدان ذات الغالبية المسلمة وفي الغرب أيضا. وهنا يشير المؤلفان إلى أن أهمية بحثهما تعود إلى أنه يمثل تعديلا للرؤية التي أطلقها قاسم أمين ونظراؤه، ففيما لا يزال الغربيون يرون الحجاب رمزا لمكانة المرأة المتدينة في العالم الإسلامي يرى المسلمون والمسلمات أن عدم احتشام النساء الغربيات دلالة على منزلتهن الثقافية المنحطة في الغرب.
المؤلفان في سطور
ــ جون أسبوزيتو مفكر وباحث أميركي متخصص في دراسة تاريخ الإسلام والمسلمين، وهو من أصحاب الخبرة العميقة بحركات الإسلام السياسي المعاصرة في العالم وأسس في هذا الخصوص مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون. يعد من أصحاب الرؤى المعتدلة لماهية العلاقة بين الإسلام والغرب ، ولعل هذا هو سبب تسميته «حامل راية الإسلام».
أصدر من قبل أكثر من عشرة كتب في مجال تخصصه منها «التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة» وكتاب «الحرب غير المقدسة الإرهاب باسم الإسلام».
ــ أما داليا مجاهد المؤلفة المشاركة فهي باحثة أميركية عربية الأصل، وتدير مركز غالوب للدراسات الإسلامية وتعيش في واشنطن.
الصفحات: 204 صفحات (متوسط)
الكتاب: من يتحدث باسم الإسلام؟
الناشر: جالوب برس، نيويورك 2008
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق



