«إن ما يجري داخل الغرف المغلقة يختلف تماماً عما يتم التحدث به عبر وسائل الإعلام، العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية في أحسن أحوالها.. ونحن نقدر المساعدة الكبيرة التي قدمتها أميركا لباكستان»، بهذه الكلمات شرح مسؤول كبير في الاستخبارات الباكستانية وضع علاقات بلاده بواشنطن، وذلك بعد يوم واحد على استدعاء الخارجية الباكستانية السفير الأميركي لتقديم احتجاج على الضربات الأميركية داخل الحدود الباكستانية في 25 نوفمبر 2008.
المسؤول الباكستاني الذي اشترط عدم ذكر اسمه خلال حديثه للبيان، أكد أن بلاده والولايات المتحدة «تحاربان نفس العدو من أجل الأمن الخاص لكل منهما»، ووصف العلاقات مع واشنطن ب«الممتازة»، كاشفاً عن وجود «عدة مستويات من التنسيق»، بـ «آلية جيدة جداً». ليس هذا سوى جزء ضئيل من تعقيدات المشهد الباكستاني الذي وصف مرة على لسان أحد الكتاب على أنه «المتاهة الباكستانية». إذ في ذات الوقت الذي كان يتحدث فيه المسؤول الاستخباراتي الباكستاني، كان زميله الأميركي، قائد وحدات المارينز الجنرال جيمس كونواي، ينتقد باكستان في حديث لصحيفة «وول ستريت جورنا». ويتهمها بأنها «تنشر أفضل وحداتها المقاتلة على الحدود مع الهند، وليس مع أفغانستان لمحاربة الإرهاب، الذي يشكل الخطر الأكبر على أفغانستان وباكستان، على حد سواء».
في هذه الأجواء حيث الضباب يلف كل شيء، يستعصي على الصحافي الزائر ل«الأرض الطاهرة» توخي الدقة والموضوعية، فالمشهد من الخارج يختلف تماماً عما هو عليه الحال في الداخل، يزيده تعقيداً الفلتان الإعلامي الهائل الذي تعيشه باكستان بعد استقالة الجنرال برويز مشرف بعد تسعة أعوام في الرئاسة، وتسلم «حزب الشعب» كافة مفاتيح السلطة في البلاد. في هذه الأجواء حاولنا تلمس طريقنا عبر «المتاهة» بدعوة من مركز أبحاث باكستاني مرموق هو «معهد الدراسات الاستراتيجية» المرتبط بالحكومة.
كان الصحافي البريطاني عن صحيفة «خليج تايمز» مارك تاونسند مرتبكاً عند بوابة الطائرة التي ستقلنا إلى كراتشي، فالعديد من أصدقائه نصحوه بإلغاء الرحلة نظراً لوضع البلاد التي لا يخلو فيه يوم من تفجيرات أو ضربات جوية أو اختطاف، لكنه كان يدرك أنه خط الرجعة بات صعباً، فيما كان الصحافي الباكستاني من صحيفة «غلف نيوز» أشفق أحمد يحاول تهدئته بالتأكيد له أن ما يثيره الإعلام لا يعكس الحقيقة، وأن البلاد تعيش في أحسن أحوالها.
النافذة المغلقة
من غير المعروف على وجه الدقة هل هي الصدفة وحدها أم أن الأمر مقصود أن يكون أول شيء تقع عليه أعين الزائر لكراتشي، التي تعتبر بوابة باكستان البحرية وعاصمتها التجارية، هو مطعم «ماكدونالدز» مقابل مطار محمد علي جناح، مؤسس الدولة ورئيسها الأول. يبرر مرافقنا الإعلامي فخر جيهان الأمر باعتباره فكرة تجارية بحتة تعتمد «الجوع الذي لا بد أن يعانيه كل آت إلى باكستان»
لكن رمز الأمركة ممثلاً ب«ماكدونالدز» الذي ستستقبلك به كراتشي، ربما هو الأول والأخير من نوعه الذي ستراه أعين الزائر، فما أن تلج شوارع المدينة رويداً رويداً، حتى تفاجأ بأن العاصمة التجارية للبلاد التي تضم 15 مليون نسمة، تفتقر للكثير من مقومات البنية التحتية التي تؤهلها لتكون كذلك، وخلافاً للمدن البحرية الأخرى التي تتميز بانفتاحها، تبدو كراتشي منغلقة على نفسها حتى إذا ما قورنت بباقي المدن الباكستانية.
كراتشي عاصمة إقليم السند، أحدى أربعة أقاليم تشكل باكستان بالإضافة لمنطقة القبائل والعاصمة الفيدرالية إسلام آباد، كانت استقبلت رئيسة الوزراء الراحلة بنازير بوتو لدى عودتها للبلاد بعد طول غياب عام 2007 بانفجارين أسفرا عن مقتل 134 شخصا، ترزح حالياً كما غيرها من المدن الباكستانية، تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، يمكن تلمس آثارها في كل شيء، لكنها لا تزال تحفظ باعتزاز ضريح مؤسسها الراحل الرئيس محمد علي جناح على تلة مرتفعة تكشف معالم المدينة. وبمبالغة لافتة يحرص مسؤولوها على ضرورة قيام الضيوف بزيارة هذا المعلم الهام، لاعتزازهم به ضمن رموز الدولة القليلة، التي لم يمض على نشوئها أكثر من ستة عقود.
من الطبيعي والأمر كذلك أن تكون الزيارة الأولى إلى هناك، حيث يجتاز الزائر سبع مجموعات من الأدراج في إشارة إلى السموات السبع قبل الوصول إلى الضريح، لتسمع من القائم على مقام «القائد الأعظم» أطهر مير، قصة الرجل الذي استطاع بناء دولة باكستان على أساس الإسلام في مقابل الهندوسية الهندية، دون أن يستطيع منع ابنته الوحيدة من الزواج بمسيحي والهجرة للولايات المتحدة الأميركية للعيش هناك..
التقطت كراتشي اليوم كما كل المدن الباكستانية أنفاسها بعد تسعة أعوام من الحكم العسكري ممثلاً في الجنرال برويز مشرف الذي أعلن استقالته في 18 أغسطس 2008، ويمكن ملاحظة آثار ذلك بكل وضوح لدى الشارع الباكستاني. إلا أن حاجزاً من التشكك وعدم الثقة بدأ يتسرب إلى المواطنين جراء عدم تلمسهم لأي تغيير منذ تسلم «حزب الشعب» مقاليد السلطة ممثلة بالبرلمان والرئاسة والحكومة.
وتؤكد وزيرة الإعلام في إقليم السند شازيا ماري أن الحكومة «تحتاج لوقت حتى تعالج مخلفات تسعة أعوام من الحكم الديكتاتوري»، وأن الرئيس زرداري يتميز باستعداده «الجلوس إلى ومحاورة كافة الأطراف الباكستانية بما فيها الأكثر تطرفاً في سبيل وحدة باكستان، وهو ما يميزه عن سلفه الذي رفض ذلك بشدة معلناً الحرب على المتشددين ما أدى إلى الحال الذي تعيشه البلاد من العنف».
تقدم ماري صورة عصرية للمرأة الباكستانية، إذ تستقبل ضيوفها دون حجاب، وبإنجليزية باكستانية مفهومة، تتحدث بقناعة تامة عن مشروع الحكومة الذي وصفته بالمتكامل، مؤكدة أنها لا تخشى على الديمقراطية الوليدة، دون أن تقدم أي أسباب مقنعة لعدم الخشية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه بلادها، وبنفس الطريقة تعترف بأن «الإرهاب بات مشكلة داخلية باكستانية، لكنه ليس خارجاً عن السيطرة».
تتحدث الوزيرة الشابة من المدينة ذاتها التي تحتضن مدرسة «بينوري تاون» لتعليم القرآن، والتي ارتادها من قبل كل من زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن وزعيم حركة «طالبان» الأفغانية الملا عمر. وتحتوي على مستشفى وعلى قاعات خاصة بالتدريب العسكري.
ساسة جدد عسكر قديم
يدرك الساسة الجدد في باكستان وعلى رأسهم الرئيس آصف علي زرداري، أرمل رئيسة الوزراء الراحلة بنازير بوتو، ثقل المهمة الملقاة على عاتقهم، خصوصاً لجهة الحرب على الإرهاب والعلاقات مع الهند والأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانيها البلاد، كما يدركون جيداً أن الجيش الذي يقف موقفاً محايداً اليوم، لن يظل على حاله إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فالتاريخ لا بد وأن يعيد تكرار السيناريو نفسه من جديد للمرة الرابعة، في حال فشل حكومة «حزب الشعب» في إنقاذ البلاد من الهاوية التي لا تزال تنحدر إليها.
واستباقاً لأي تطور من هذا النوع أقدمت الحكومة في خطوة نادرة من نوعها على حل الجناح السياسي لوكالة التجسس الرئيسة التابعة للجيش، والتي كانت توصف بأنها «دولة داخل الدولة»، و«تتمتع بنفوذ كبير في السياسات الخارجية والأمنية»، وبأنها لعبت دوراً كبيراً في «إسقاط حكومات وتوزيع الأسلحة والأموال، التي كانت تقدمها بعض الدول سراً للجماعات الإسلامية التي كانت تقاتل الاتحاد السوفييتي أثناء احتلاله أفغانستان».
ويؤكد المصدر الاستخباراتي الكبير للبيان رداً على سؤال متشكك في موقف المؤسسة العسكرية، أن الجيش اليوم «بعيد كل البعد عن السياسة، وأن ليس له أي علاقة مع السياسيين لا كأشخاص ولا كأحزاب، وأن «دور الجيش والاستخبارات يقتصر حالياً على تنفيذ ما تطلبه منهما الحكومة فقط، وأن أي تحرك يتم بناء على ما تطلبه هذه الحكومة».
ولكن -يعقب صديقنا الصحافي البريطاني بعد انتهاء الحوار- أن هذا ما كانت الحال عليه طيلة الفترات التي سبقت الانقلابات العسكرية التي ميزت تاريخ باكستان القصير، والذي لم يتعد الستة عقود، حكم الجيش أكثر من ثلثيها بقليل.
يلقي التساؤل نفسه بثقل كبير على الجميع: إلى متى سيبقى الجيش الذي يوصف بأنه «الحزب الأكبر في البلاد» في موقع المتفرج، خصوصاً في حال سارت التطورات على الصعيد الأمني والاقتصادي في اتجاه المزيد من السوء؟!
إشارات التضارب بين موقف المؤسستين المدنية والعسكرية بدأت بالظهور مبكراً على خلفية الضربات العسكرية الأميركية داخل الحدود الباكستانية في منطقة القبائل، والتي أعلن قائد الجيش أشفق كياني أنه سيتصدى لها بالقوة إذا لزم الأمر، فيما بدت الحكومة أقل تشدداً إزاءها.
تدرك المؤسسة العسكرية الباكستانية أن الحرب الأميركية على الإرهاب تؤدي إلى زعزعة الأساس الذي تقوم عليه الدولة وهو الإسلام، كما تؤدي الضربات الأميركية داخل الحدود في منطقة القبائل إلى زعزعة صورة الجيش الباكستاني الذي لطالما شكل الضمانة الأخيرة للبلاد، وهذان أمران لن تسمح المؤسسة العسكرية بالمساس بهما مهما ارتفع الثمن المدفوع مقابلهما.
إضاءة
أرمل بوتو أو الرئيس بالصدفة
انتخب آصف علي زرداري (54 عاماً)، رئيساً لـ « باكستان» جمهورية باكستان الإسلامية في 6 سبتمبر، إلا أنه يواجه مشاكل كبيرة في فرض سيطرته على البلاد نتيجة عدم وصوله للمنصب الذي يشغله لمميزاته الشخصية، بقدر ما أسهمت الظروف، وفي مقدمتها اغتيال زوجته بنازير بوتو، في وصوله لسدة الرئاسة.
قبل انتخابه رئيساً، كان زرداري رجل أعمال وزوج رئيسة «حزب الشعب الباكستاني» بنازير بوتو وأصبح رئيساً للحزب بعد اغتيال زوجته مناصفة مع ابنه بيلاوال زرداري عام 2007.
وكان زرداري تزوج من بنازير بوتو عام 1987 ولهم ثلاثة أبناء هم بيلاوال زرداري وبختيار وآصفة. وهو وزوجته ينتمون إلى عائلة مسلمة باكستانية شيعية من اقليم السند.
يلقب من قبل خصومه باسم السيد عشرة في المئة بسبب اتهامه باختلاس عشرة في المئة من صفقات الحكومة إبان رئاسة زوجته بنازير للحكومة الباكستانية، وتم سجنه بعد ذلك مدة أحد عشر عاما، بتهم فساد والتورط بمقتل شقيق زوجته.
وتم انتخابه في السادس من سبتمبر رئيسا لباكستان خلفاً للجنرال برويز مشرف، الذي استقال من منصبه في 18 أغسطس بسبب حملة كبيرة من الاعتراضات ضده. وأدى اليمين الدستورية رئيساً في سبتمبر ليصبح الرئيس الرابع عشر للبلاد.
محاولة لمقاربة المتاهة في باكستان
تجمع كل الآراء، الرسمية منها وغير الرسمية، المعنية بشؤون شبه القارة الهندية، أن ثمة خطرا كبيرا يحدق باستقرار باكستان، ويرجع هذا الخطر للعديد من الأسباب والاعتبارات، منها ما يعود إلى تاريخ تأسيس الدولة عام 1947 بالانفصال عن الهند على أسس دينية بعد الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، كمشكلة كشمير وخط الحدود مع أفغانستان عند منطقة القبائل ذات الغالبية البشتونية، والمتهمة بإيواء المتمردين من الحركات المتطرفة وفي مقدمتها «القاعدة» و«طالبان».
ومنها ما هو حديث العهد نسبياً متمثلاً في الإرهاب الذي استباح مدن باكستان نتيجة وقوف الرئيس السابق برويز مشرف إلى جانب الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، هذا الإرهاب الذي ازداد عقب تسلم حكومة «حزب الشعب» مقاليد الحكم في باكستان نتيجة عمليات الجيش الباكستاني والغارات الأميركية داخل منطقة القبائل التي تعد المعبر الرئيس لإمدادات قوات الناتو في أفغانستان.
وتتداخل الاعتبارات الخارجية بالداخلية، القديمة بالحديثة، لترسم صورة قاتمة لمستقبل باكستان أو «الأرض الطاهرة» كما يعني أسمها في اللغة الأردية، في ظل استحالة مقاربة أي حل لأي مشكلة دون التسبب في تأجيج أخرى، وهو الأمر الذي وضع البلاد تحت المجهر الدولي مؤخراً وسط تحذيرات من مغبة انفراط عقد الدولة الهش، لإدراك القوى الكبرى التي ترقب المشهد من أفغانستان، أن هذا الانفراط إذا ما حدث، فسيقود المنطقة والعالم إلى زلزال «جيوسياسي» يصعب تصور تبعاته.
وربما كان أبلغ تصوير لتعقيدات المشهد الباكستاني التصريحات التي تلت الأحداث الإرهابية التي ضربت مومباي مؤخراً، إذ فيما اتهمت الهند جارتها اللدود بالضلوع في الأحداث، نفت باكستان ذلك بشدة، وبينما كانت نيودلهي تلمح إلى أنها تستعد لعمل عسكري، ردت مصادر باكستانية أنها بصدد سحب قواتها من حدودها الغربية مع أفغانستان، لتحشدها على الجبهة الهندية في الشرق، ما استدعى تدخلاً أميركياً عاجلاً، تمثل في إيفاد وزيرة الخارجية كوندليزا رايس في جولة شملت البلدين، لسحب فتيل أي تصعيد عسكري بين الجارين النوويين، استبقها رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الأدميرال مايكل مالين بزيارة إسلام آباد للاطمئنان على وضع الجيش الباكستاني، لإدراك الولايات المتحدة أن أي انسحاب لهذا الجيش من الحدود مع أفغانستان سيفتح ثغرة كبيرة تتيح للمتمردين من حركة «طالبان» وتنظيم «القاعدة»، المتحصنين في جبال منطقة القبائل الوعرة، تكثيف ضرباتهم في اتجاه قوات التحالف الدولي المرهقة أصلاً، نتيجة ارتفاع حجم خسائرها في العامين الماضيين.
ولم يكن ينقص المشهد سريالية سوى إصدار حركة «طالبان» في نسختها الباكستانية، أنها على استعداد لدعم جيش بلادها في أي حرب مقبلة مع الهند.
إلى أين من هنا؟!
تؤكد السلطات الباكستانية التي نظمت مؤخراً جولة لإعلاميين من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى باكستان، أن «لا خطر يتهدد الدولة»، وأن الأمر لا يتعدى كونه «زوبعة في فنجان»..
رأي قد يستحق التوقف عنده، لكن ليس قبل استعراض وجهة النظر الأخرى التي ترى أن الأمور أعقد من مجرد ذلك بكثير.
فراس كيلاني
كراتشي - موفد البيان


