بينما تعيش معظم الدول العربية والإسلامية أوضاعاً معيشية صعبة ألقت فيها الأزمة المالية العالمية بظلالها على الشعوب يبقى أمر أضحية العيد أمراً له بهجته، وطقوسه، وأهميته.
وفي بلدان تعاني من احتلال كما في فلسطين والعراق، أو محدودية المدخول الشهري لمواطنيها مثل المغرب والأردن ومصر والسودان يكون الإقبال كبيراً على سوق الماشية لشراء الأضحية، ويبقى الأمل بالنسبة للمعوزين على القدرات الشرائية للأغنياء الذين يشترون ويضحون.. والفقراء يأكلون. و«البيان» تعرض لأحوال بعض الشعوب العربية التي تكابد لتوفير المال اللازم لشراء أضحية العيد.. أو التي تمنعها ظروف الحصار والتجويع والفقر من إمكانية شرائه.
حال الخليل صعبة... حالت الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها مواطنو فلسطين المحتلة تحت وطأة الاحتلال والبطالة وارتفاع الأسعار دون تمكن الآلاف من تحضير مستلزمات العيد وشراء الأضاحي واللحوم. وفي مدينة الخليل التي تعيش أجواء أمنية مضطربة بفعل اعتداءات المستوطنين، تقول الحاجة أم عرابي أبورميلة: «الله يديم علينا الدجاج.. سنكتفي بتناوله في العيد... لا نستطيع أن نضحي»، وكشفت أن عائلتها لم تستطع صنع حلوى المعمول لارتفاع تكاليف مستلزماته. وقال نائب مدير مكتب الاقتصاد الوطني ماهر القيسي في الخليل إن المحافظة تعاني من تراجع القدرة الشرائية للمواطنين بسبب البطالة المنتشرة، مشيرا إلى أن معظم المواطنين لا يستطيعون شراء احتياجاتهم الخاصة بالعيد. وعزا القيسي أسباب هذا التراجع إلى عدم وجود سيولة نقدية لدى المواطنين بشكل عام، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة.
وكما هو حال الخليل، تعاني الكثير من المدن الفلسطينية من ظروف اقتصادية صعبة، وتؤكد المصادر الناشطة في العمل التطوعي إن غالبية المواطنين الفلسطينيين لن يتمكنوا من شراء الأضاحي، ولاحتى اللحوم الحمراء وسيستعيضون عن ذلك بشراء لحوم الدجاج.
وفي ظل هكذا أحوال، يشكو العديد من تجار الألبسة في الخليل ونابلس وجنين، وهي المدن التجارية الكبرى في الضفة الغربية، من تراجع الإقبال على الشراء مقارنة بالمواسم والأعياد الماضية.
غزة: لا عيد ولا أضاحي
أما في قطاع غزة المحاصر، فالحال صعبة إلى درجة لايمكن وصفها، فلا عيد ولا أضاحي ولا عيديات ولا حتى خبز. ولم يترك الحصار المشدد على غزة، منذ ما يزيد عن العام ونصف العام، جانباً من حياة سكان قطاع غزة إلا أفسده، إذ يعيش الغزيون صورا كارثية ومأساوية، فالقطاع بلا أضاح بعدما منع الاحتلال دخول الأضاحي، وبلا عيدية.
حيث لم يتلق الموظفون وعددهم أكثر من 160 ألفا، رواتبهم هذا الشهر بسبب عدم توفر النقود وأزمة في السيولة، حيث ترفض سلطات الاحتلال تزويد البنوك العاملة في القطاع بالنقود (الشيكل).. وهو ما أدى تالياً على غياب أي أثر لنشاط في الأسواق.
وترافق غياب مظاهر مع استمرار إغلاق سلطات الاحتلال المعابر.. ومنع السلطات في غزة مئات الحجاج من التوجه إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج ما زاد من حال الفرقة والانقسام.
فقراء بغداد ينتظرون لحوم الأغنياء
وعلى بعد 1500 كيلومتر تقريباً، يبدو الوضع في العراق شبيهاً وان اختلفت الأسباب، فالعنف، وإن قلت وتيرته، يبقى هاجساً يخيف العراقيين ويمنع فرحتهم بالعيد.. وإن اختلفت مظاهر البهجة من منقطة إلى أخرى باختلاف الوضع الأمني فيها.. وإن كانت الأجواء هادئة فالأسعار تمنع الآلاف من الأضحية. ففي بغداد يتنقل فؤاد بين أماكن بيع الأغنام (الجوبات) لاختيار ثور سمين أضحية لوالده المتوفى قبل عام، وبعد جهد وجد مايناسبه ودفع مقابله مبلغ مليونين ونصف مليون دينار رغم انه لم يكن بالحجم الذي أراد العثور عليه!
علق احد زبائن القصاب الذي باعه الثور على ذلك بقوله أن المبالغة بشراء هذا الثور الباهظ الثمن لغرض ذبحه يوم العيد كأضحية لوالده ليس إلا نوعا من التباهي ، بينما رأى زبون آخر أن قدرة المسلم الموسر على شراء أضحية باهظة الثمن لايعيبه لأنه سيوزعها حتما على عدد كبير من الناس وستصل حصص اكبر منها إلى الفقراء من الأضحية الأصغر حجماً.
ويوضح القصّاب منذر نعمان أن أسعار الأضاحي باتت خيالية، إذ تتراوح أسعار الغنم مثلا بين 170 ألف دينار و350 إلى 400 ألف دينار، بينما يتراوح أسعار الأبقار بين 750 ألف دينار وثلاثة ملايين، أما بالنسبة للعجول فيصل سعر الثيران منها أحيانا إلى أربعة ملايين دينار.
المغرب: الخروف أولاً
وفي المغرب، ارتفعت حمى البحث عن كبش الأضحية قبل ايام من الاحتفال بعيد الأضحى (أو العيد الكبير كما يسمى في منطقة المغرب العربي) الذي سيحتفل به يوم غد الثلاثاء.
وبحسب أرقام رسمية فان المغاربة سيشترون نحو خمسة ملايين رأس من الضأن والماعز للاحتفال بعيد الأضحى ضمن الأسر وعلى مدى أيام ثلاثة، وهو ما تقدره الأوساط الاقتصادية بما يفوق سبعة مليارات درهم مغربي (640 مليون يورو) ما يشكل دفعة للاقتصاد الريفي والمهن الصغيرة المرتبطة بعيد الأضحى مثل مسني السكاكين والقصابين المتنقلين والدباغين.
وتتبع كافة الفئات الاجتماعية في المغرب هذه السنّة المؤكدة، فالاستثناء نادر الحدوث، حتى أن المعدمين يقترضون المال لشراء خروف العيد أو متى تعذر معزاة. وتتراوح أسعار الأضاحي من 2500 إلى 5000 درهم (227 إلى 454 يورو).
السودان: التحضير مبكراً
شغف المسلمين السودانيين بالأضحية يفرض علي الأسر السودانية التحضير المبكر لهذه المناسبة عبر الإعداد المبكر لميزانية الأضحية. فالتضحية بالنسبة للسودانيين باتت عُرفًا اجتماعيّاً يصعب تجاوزه مهما كانت الظروف.. حتى وإن اضطر للاستدانة. ويقول أحد العالمين في سوق الماشية إن موظفي الحكومة بدأوا في شراء أضاحيهم منذ أن استلموا مرتباتهم قبل أكثر من أسبوع.


