يواصل المؤلفان، في سياق تناولهما القضايا محل التشابك والاختلاف بين العالمين الإسلامي والغرب، استعراض الأبعاد المختلفة لقضية الإرهاب في إطار أنها القضية التي تمثل لغما في طريق تحسن هذه العلاقات. وهنا فإن الرؤية الأساسية التي تقوم عليها رؤية أسبوزيتو وداليا مجاهد تتمثل في أن محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بالعالم الإسلامي انطلاقا من أسس دينية إنما تعد تهمة غير صحيحة، وهو الأمر الذي تكشف عنه، من خلال استعراض شامل في الكتاب، التجارب المعاصرة في اللجوء إلى الأعمال الإرهابية، والتي يتنوع منفذوها على نحو لا يمكن معه حصرها فيمن ينتمون إلى العالم الإسلامي فقط، وهو الطرح الذي درج البعض في الغرب على التشديد عليه رغم عدم استناده إلى الحقائق والوقائع.
في معرض التأكيد على صحة رؤيتهما يشير المؤلفان إلى أن الإرهاب الانتحاري لم يكن معروفا في العراق قبل غزو الولايات المتحدة له واحتلاله، إلا أنه أصبح تكتيكا شائعا يستخدمه المقاتلون السنة والشيعة سواء في صراعهم الداخلي فيما بينهم أو من أجل إنهاء الاحتلال الأميركي. وفي ذلك يستشهدان بما قاله البعض: قبل الغزو لم تحدث أية هجمات انتحارية في تاريخ العراق أبدا ومنذ غزونا للعراق ظل الإرهاب الانتحاري يتصاعد على نحو سريع بدءا من 20 هجمة عام 2003 إلى 48 هجمة في 2004 والى أكثر من 50 هجمة خلال الشهور الخمسة الأولى من 2005، بما يشير إلى ارتباط الهجمات الانتحارية بوجود القوات الأميركية التي يبلغ عدد أفرادها 150 ألف شخص. وعلى ذلك يتساءل المؤلفان: إذا لم يكن دافع الإرهاب الانتحاري مجرد الكراهية الدينية الإثنية أو الثقافية بل مظالم ملموسة أو واقعة إذن فما إجابة السؤال الذي يفرض نفسه وهو لماذا يكرهوننا؟
يشير الكتاب إلى أن هذا السؤال الذي لاح في الأفق جليا بعد أحداث سبتمبر كانت إجابته المشتركة لسياسيي الولايات المتحدة وخبرائها هو أنهم يكرهون أسلوب حياتنا وحريتنا وديمقراطيتنا ونجاحنا. يقرر المؤلفان أنه إذا تم الأخذ في الاعتبار اتساع حالة معاداة أميركا ليس فقط بين المتشددين، بل أيضا بين غالبية التيار الرئيسي في العالم الإسلامي بل وفي أجزاء أخرى من العالم فإن الإجابة التي يقدمها هؤلاء تبدو غير مرضية. وعلى ذلك يحاول الكتاب تفحص مواقف المتشددين سياسيا والمعتدلين تجاه الغرب فيرى أنها لا تختلف كثيرا وأنها لا تتسم بالكراهية على النحو التبسيطي الذي تقدم به. وعلى سبيل المثال فإنهم حينما سئلوا عن أكثر ما يحوز إعجابهم في الغرب يذكر المتشددون السياسيون والمعتدلون هذه الإجابات التلقائية الأولى: التكنولوجيا ونظام القيم الغربية والجد في العمل والمسؤولية المدنية وسلطة القانون واحترام حقوق الإنسان وحرية الكلام والمساواة بين النوعين.
علاوة على ذلك حينما يطرح السؤال عن علاقة العالم الإسلامي بالغرب لا يرفض المتشددون السياسيون الغرب ببساطة بل إنه ليس ثمة فرق يذكر بين نسبة المتشددين السياسيين والمعتدلين الذين يقولون يهمني كثيرا وجود فهم أفضل لثقافة العالم الإسلامي وثقافة الغرب. بل إن المثير للدهشة، حسب الكتاب، أن المتشددين سياسيا يميلون أكثر من المعتدلين للربط بين البلدان العربية الإسلامية وبين الحماس لوجود علاقات أفضل مع الغرب (57% من المتشددين سياسيا مقابل 44% من المعتدلين يعبرون عن هذا).
ثم يشير الكتاب إلى أنه على الرغم مما يعتقده الكثيرون في الغرب من أن معاداة أميركا مرتبطة بإحكام بالكراهية الأساسية للغرب وبالاختلافات الدينية والثقافية العميقة بين الشرق والغرب، فإن إجابات المستطلع أراؤهم تكشف عن صورة مختلفة، لا تقصي الآراء السلبية عن الولايات المتحدة وبريطانيا المواقف الإيجابية من بلدان غربية أخرى مثل فرنسا وألمانيا.
وأما عن الآراء السلبية عن رؤساء الدول الغربية فهي تختلف اختلافا كبيرا، حيث إنه فيما يعبر 90% من المتشددين سياسيا و62% من المعتدلين عن كراهية تامة مطلقة لجورج بوش و70% من المتشددين و43% من المعتدلين عن كراهية رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، فإن هذا المستوى من الكراهية لا يمتد إلى القادة الغربيين الآخرين، حيث تنخفض نسبة كراهية جاك شيراك الرئيس الفرنسي السابق انخفاضا كبيرا، فتصل إلى 39% بين المتشددين، و24% بين المعتدلين.
وعلى المنوال ذاته فإنه فيما يصف 81% من المتشددين و67% من المعتدلين الولايات المتحدة بأنها عدوانية، يرى القليلون فرنسا بهذه الصفة (7% من المعتدلين و9% من المتشددين)، وعلى ذلك فإن النتيجة الواضحة التي تشير إليها هذه البيانات هي أنه لا يمكن القول بوجود كراهية عمياء شاملة للثقافة الغربية بين المتشددين سياسيا.
وفي تأكيد على هذه النظرة التي تسود العالم الإسلامي يورد الكتاب ما نشره فواز جرجس الباحث بمعهد كارنيجي عن حوار له مع ناشط في مجال حقوق الإنسان في مصر حيث أخبر هذا الناشط وهو في العشرينات من عمره جرجس قائلا: انظر إلى ما تفعله أميركا بالعراق، إنها تستخدم الديمقراطية قناعا لاحتلال الأراضي الإسلامية وسرقة نفطنا.
وحينما ذكره جرجس أن بوش تبنى نشر الديمقراطية في العالم العربي أجاب: لا انه يعمل على نشر الفوضى والحروب الأهلية. كما أن إحدى طالبات الجامعة الأميركية بالقاهرة راحت تذكر في حوار لها مع جرجس أن بوش أعطى إسرائيل «تصريحا على بياض» لتهاجم الفلسطينيين واللبنانيين، وأن الحرب على الإرهاب ما هي إلا حرب مفتوحة النهاية على المسلمين.
هنا، وعودة إلى الإحصاءات، يذكر الكتاب أن ثلثي المتشددين سياسيا بما يقدر بنحو 63% لا يوافقون على أن الولايات المتحدة ستسمح للشعوب في المنطقة بتشكيل مستقبلهم السياسي وفقا لما يناسبهم بدون التدخل المباشر من قبلها، فيما يعبر 48% من المعتدلين عن الرأي ذاته.
ويدعم خوف المتشددين سياسيا من تحكم الغرب وهيمنته من ثم، تنامي الاعتقاد بينهم بأن عليهم تكريس أنفسهم لتغيير وضع أصبح من المتعذر تقبله. وحينما سئل المستطلعة أراؤهم في 10 بلدان ذات غالبية مسلمة عن نظرتهم لعدد من البلدان، كانت الصفات المميزة المرتبطة لديهم بالولايات المتحدة هي: لا تعرف الرحمة 68%، متقدمة علميا وتكنولوجيا 68%، عدوانية 6% مغرورة 65%، منحلة أخلاقيا 64%.
ومن الإدراكات تجاه الغرب إلى الإدراكات بشأن العلاقة مع الغرب يذكر الكتاب أن الحرب على الإسلام غدت اعتقادا شعبيا وشعارا في أرجاء العالم الإسلامي من المغرب إلى ميندناو. وفي ذلك ذكرت غالبية كبيرة في مسح أجري عام 2007 على السكان في المغرب، إندونيسيا، مصر، باكستان، أن هدف الولايات المتحدة هو إضعاف العالم الإسلامي وتقسيمه ويرى معظم من أجري عليهم المسح أن الرغبة في نشر المسيحية هي أحد الأسباب التي تكمن وراء هذا الهدف وأيضا كانت الحيلولة دون تنامي الإسلام وتحدي أسلوب الحياة الغربي سببا آخر. وبالنسبة للكثيرين فإن الهيمنة الأميركية والغربية تهدد تقرير الذات والهوية الإسلامية.
وفي هذا يشير الكثيرون إلى غواية الجانب الثقافي الغربي من خلال الأزياء والإنترنت والإعلام الغربي. وقد وجد استطلاع جالوب الثقافي أن حوالي نصف مجموعات المتشددين سياسيا والمعتدلين يربطون بين إنتاج الأفلام والموسيقى الممتعة وبين الغرب وفيما تجتذب ذلك النمط البعض في العالم الإسلامي يشعر آخرون بالاشمئزاز مثل كثير من المسيحيين المحافظين لأنهم يرون أن انحلال المجتمعات الغربية هجمة على القيم الدينية ويخشون الجاذبية الشديدة للموسيقى والأفلام وبرامج التليفزيون الغربية خاصة جاذبيتها في أوساط الشباب. ويعزز هذا الخوف شعور منتشر بأن الغرب العلماني القوى الذي لا يشارك الإسلام قيمه يجتاح العالم الإسلامي.
وفي رصد مصادر الاستياء في العالم الإسلامي تجاه الغرب من خلال استطلاعات الرأي يشير المؤلفان إلى أن أحدها يتمثل في الأسلوب الذي يصور به المسلمون في الإعلام الغربي، وقد وجد مسح لنحو 900 حالة تصور شخصيات عربية في أفلام غربية أن الغالبية العظمى منها كانت عنصرية وكاريكاتيرية بشكل كبير. وتكاد تكون صور المسلمين العاديين والثقافات الإسلامية غير موجودة أو مشوهة في الإعلام الجماهيري الغربي. علاوة على أن البرامج التليفزيونية والأفلام الغربية الأكثر شعبية في العالم الإسلامي تشجع المحاكاة السطحية التافهة للموضة، والشخصيات والقيم الغربية.
وحسب الكتاب فإنه من اللافت أن نسبة المتشددين سياسيا أكبر بكثير من المعتدلين تستشهد بالتشبع بالثقافة الغربية والانحلال الغربي والفساد الأخلاقي على أنها الأسباب الرئيسية للاستياء. لكن من تم استطلاع آراءهم لا يقولون حتى بنسب ضئيلة إن على الغرب أن يتوقف عن الانحلال والفساد.
وفي استعراض لمحفزات التشدد الأساسية والذي ينظر له على أنه لا ينفصل عن الهوية الدينية والثقافية يشير المؤلفان إلى أنه يتمثل في تهديد الهيمنة السياسية والاستعمار وتعكس الإجابة عن الأسئلة مفتوحة النهاية مثل ما أهم شيء يمكن للولايات المتحدة فعله لتحسين حياة أناس من أمثالك في هذا البلد؟ وما باستطاعة الغرب فعله من أجل تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي؟ تداخل ما هو سياسي مع ما هو ديني.
ومع الأخذ في الاعتبار ما يحوز على إعجاب المتشددين والمعتدلين في عالمهم وما يستاءون منه في الغرب، فإن الإجابة على هذه الأسئلة ترسم صورة متسقة. وقد عكست أكثر الإجابات تواترا من المجموعتين عن سؤال ما يمكن للغرب فعله لتحسين العلاقات؟ أهمية احترام الإسلام أكثر، مراعاة فهم الإسلام كدين، عدم الاستخفاف بمكانة البلدان العربية والإسلامية وأن يكون منصفا وأقل تحيزا.
وفي إشارة إلى أولوية المظالم السياسية والمدى الذي أصبح عليه تداخل الدين والسياسة في صراعات عديدة يشير الكتاب إلى أن حرب الخليج بين عامي 1990 و1991 تسببت في تحويل بن لادن لتنظيم القاعدة من مجموعة داعمة في الحرب الأفغانية السوفيتية إلى شبكة قتالية عالمية.
وبعد أكثر من عقد من الزمان استغل الإرهابيون، حسب توصيف الكتاب، غزو الولايات المتحدة للعراق والهجمات الإسرائيلية على غزة ولبنان لتجنيد مقاتلين من أجل الحرية كي يقاوموا الغرب وحماية المسلمين.
وعلى ذلك فمن المحتمل، وفقا للكتاب، إزاء تنامي الحس القائم على الشعور بتهديد الغرب للحرية السياسية والهوية الإسلامية أن تتعزز الرغبة في تطبيق الشريعة، حيث أن الالتجاء لها والتي ينظر إليها على أنه برنامج عمل منظم للمجتمع المسلم يوفر نموذجا معياريا وجد منذ عدة قرون، ومن ثم فمهما بلغ اختلاف السكان المسلمين وتنوعهم فإن الشريعة بالنسبة للكثيرين مركزية للعقيدة والهوية.
المؤلفان في سطور
ــ جون أسبوزيتو مفكر وباحث أميركي متخصص في دراسة تاريخ الإسلام والمسلمين، وهو من أصحاب الخبرة العميقة بحركات الإسلام السياسي المعاصرة في العالم وأسس في هذا الخصوص مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون.
ــ يعد من أصحاب الرؤى المعتدلة لماهية العلاقة بين الإسلام والغرب ، ولعل هذا هو سبب تسميته «حامل راية الإسلام». أصدر من قبل أكثر من عشرة كتب في مجال تخصصه منها «التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة» وكتاب «الحرب غير المقدسة الإرهاب باسم الإسلام».
ــ أما داليا مجاهد المؤلفة المشاركة فهي باحثة أميركية عربية الأصل، وتدير مركز غالوب للدراسات الإسلامية وتعيش في واشنطن.
الصفحات: 204 صفحات (متوسط)
الكتاب: من يتحدث باسم الإسلام؟
الناشر: جالوب برس، نيويورك 2008
عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق


