دخلت الأزمة الموريتانية ساعة الحسم حيث يجري اليوم وفد المجموعة الدولية والذي يضم مندوبين عن الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية في نواكشوط مباحثات ماراثونية مع كافة أطراف الأزمة الموريتانية بحثا عن حل توافقي.
وعلمت «البيان» أن المجلس العسكري الحاكم في موريتانيا بدأ فعليا في إجراء اتصالات مع القيادة القطرية في محاولة لدخول الدوحة على خط إجراء وساطة لحل الأزمة العالقة بين الانقلابيين المتمسكين بالسلطة من جهة والرئيس المنتخب المخلوع ولد سيدي الشيخ عبدالله المتمسك بشرعيته رئيساً. وأفادت مصادر مقربة من حكام موريتانيا الجدد ل«البيان» أن القيادة القطرية التي تستضيف على أرضها الرئيس الأسبق المخلوع معاوية ولد سيدي الطايع تبحث إمكانيات الحل وأن مبادرة قطرية قد تعلن قريباً، فيما بدا الفتور على الأرض هو السمة الغالبة باستثناء بعض الأصوات من الجبهة الوطنية لمناهضة الانقلاب التي بدا موقفها متصلبا تجاه ما تعتبره أطراف أخرى حلاً مستحيلاً وهو عودة الرئيس المنتخب بعد مرور نحو خمسة شهور على خلعه. ووفقا لأحد أبرز قادة الحزب المعارض الرئيسي في البلاد «تكتل القوى الديمقراطية» بزعامة أحمد ولد داداه فإن جبهة الدفاع عن الديمقراطية التي تطالب بعودة الرئيس ولد الشيخ عبدالله رفضت مقترحا يتضمن حواراً مغلقاً بين كتلة الأغلبية في البرلمان للتوصل لحل داخلي للأزمة.
بدوره، يردد الجانب الأوروبي، على لسان وزير التنمية والفرانكفونية والتعاون الفرنسي ألان جواينديه، أن حل الأزمة السياسية في موريتانيا «أمر معقد جداً»، وحذر نواكشوط من وضع تصبح فيه «معزولة عن المجتمع الدولي»، لكن المسؤول الأوروبي عبر عن تفاؤله بالتوصل إلى حل.
اقتناع أوروبي
ويبدو أن أوروبا التي وقفت إلى جانب الرئيس ولد الشيخ عبدالله باتت مقتنعة بتصلب مواقف الأطراف وبغياب فرصة للتراجع لدى كل من الانقلابيين والرئيس المخلوع، وهو ما يعني أن المخاوف الأوروبية تتجاوز ما تلوح به باريس التي تترأس الاتحاد بالعزلة الدولية إلى انزلاق موريتانيا في متاهات تقود البلاد إلى وضعية لاترغب فيها كل من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية التي بدا موقفها أكثر تصلبا من الموقف الأوروبي في دعمها العلني للرئيس المخلوع والذي ترجمه اتصال هاتفي بين المسؤول الثاني في وزارة الخارجية الأميركية جون نيغروبونتي وسيدي ولد شيخ عبدالله والذي تلقى خلاله دعم الولايات المتحدة إياه وتمنياتها في أن يعود إلى الحكم سريعا وهو ما أكده بيان للخارجية الأميركية الذي شدد على دعم الرئيس المنتخب.
على الجبهة الدولية يبدو موقف الأمم المتحدة مرنا بعض الشيء من خلال دعوتها الصريحة للرئيس المخلوع أن يكون طرفا في الحل باعتباره طرفا في الأزمة، وهو موقف عبر عنه الممثل الخاص للأمم المتحدة في غرب إفريقيا سعيد جينيت الذي قال إن موقف المجتمع الدولي هو أن الحاكم العسكري يجب أن يكون، بوصفه رئيسا، طرفا في البحث عن حل يمكن أن يتمثل في فترة انتقالية وتنظيم انتخابات وهو ما يعني قطع الطريق أمام عودة الرئيس المخلوع ومحاصرة الانقلابيين ببرنامج زمني لإجراء انتخابات ستشارك فيها أطراف المعارضة المختلفة وستكون مختلفة عن الانتخابات السابقة.
مخرج مقبول
ويرجح المتابعون للشأن الموريتاني أن هذه الانتخابات ستتم تحت رعاية أممية وهو المخرج السياسي الواقعي والمقبول من جميع الأطراف إذا ما قدر للوفد الأوربي والأممي إقناع أطراف الأزمة بهذا الحل الوسطي.
من جهة ثانية يجتهد الحكام الجدد في نواكشوط لحشد التأييد العربي والدولي من خلال تحركات كل من: رئيس الحكومة الموريتانية سيدي ولد الغظف ومبعوثين من قبل العسكريين، إذ أوفد رئيس المجلس الأعلى للدولة الجنرال محمد ولد عبدالعزيز إلى العاصمة السورية دمشق، باعتبار الرئيس بشار السد رئيساً للقمة العربية، بعثة تضم: وزير الدفاع الوطني محمد محمود ولد محمد الأمين، ومكلف الرئاسة سيدي المختار ولد حرمه وقد سلمت البعثة رسالة إلى الأسد تتضمن شروحا لأسباب ودوافع الانقلاب.
وبمناسبة احتفالات البلاد بالذكرى 48 لاستقلالها لم يهدر الجنرال ولد عبدالعزيز الفرصة للإرسال بتطمينات إلى المجموعة الدولية حول نيته عدم التمسك بالسلطة مشددا في خطاب له بالمناسبة على ان «المجلس الأعلى للدولة لم يقم بهذا العمل (الانقلاب) رغبة بالسلطة ولا من اجل البقاء فيها»، مهاجما في الوقت نفسه الرئيس المخلوع مبررا الانقلاب بالضرورة الملحة لإنقاذ البلاد من المخاطر التي كانت تتهددها وتجنيبها الأزمات التي كانت تعصف بها كما تعهد ولد عبد العزيز بوضع «الآليات لبدء أيام التشاور التي ستحدد مدة الفترة الانتقالية والظروف المناسبة لتنظيم انتخابات رئاسية شفافة وديمقراطية».
لامبالاة
في السياق يبدو ولد عبدالعزيز ورفاقه غير مبالين بما يدور حولهم داخليا وخارجيا من تحركات تلوح بعقوبات قاسية عليهم وعلى البلاد برمتها ويتضح ذلك من خلال التسيير العادي لدواليب الحكومة ومؤسساتها بل إن الحكومة التي شكّلها المجلس العسكري عمدت إلى وضع موازنة العام المقبل (2009)، مُعتمِدة أساسا على الموارد الداخلية.
وذلك تحسّبا لفرض عقوبات خارجية، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات أخرى تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي من سوء الأوضاع المعيشية مثل الإعلان عن تخفيضات هامة في أسعار المواد الاستهلاكية، التي شهدت في الفترة الماضية ارتفاعات لا تتناسب ومستويات دخل أغلبية السكان والزيارات التي يقوم بها الجنرال ولد عبدالعزيز للأحياء الفقيرة في ضواحي العاصمة نواكشوط، ودخوله إلى بعض أكواخ الفقراء والمحتاجين، وهو ما قابلته شريحة كبيرة من الموريتانيين بارتياح كبير بعيدا عن الحسابات السياسية والجدل الدائر في الأروقة.
فساد
ورقة الجنرال الرابحة
يبدو أن الورقة الرابحة التي يمسك بها رئيس المجلس العسكري الحاكم الجنرال ولد عبدالعزيز هي إعلانه الحرب على الفساد، إذ شنت الحكومة والمؤسسات الأمنية حملة اعتقالات واسعة شملت متورطين في قضايا فساد، كما قامت قوات الشرطة بمداهمات لمقار تقول انها تؤوي تجار مخدرات وقد وضعت هذه الإجراءات الجبهة المناوئة للانقلاب في حرج فهي لم تستطع الدفاع عن المعتقلين لحساسية القضايا التي تواجههم.
وسبق الحملة الواسعة ضد الفساد توجيه اتهامات وملاحقات قضائية لرجال السلطة المخلوعة وفى مقدمتهم ختو بنت البخاري زوجة الرئيس المخلوع، حيث طوقت قوات الشرطة منزلها فى نواكشوط. وتم إرغامها بالقوة على المثول أمام مجلس الشيوخ الموريتاني للتحقيق معها في قضايا فساد.
تأشيرة زيارة
معركة البقاء
تدخل الأزمة الموريتانية شهرها الخامس منذ انقلاب السادس من أغسطس الماضي ولا تبدو في الأفق ملامح حلحلة في مواقف أطرافها، فالانقلابيون أثبتوا نجاحهم في رهانهم على عامل الزمن وفرضوا أمراً واقعاً على الأرض وهو ما تجسدفي فتور المواقف الدولية وخلط الأوراق السياسية الداخلية، خاصة بعدإطلاق سراح الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبدالله والسماح لوفد أوروبي بلقائه في مقر إقامته الجبرية في مسقط رأسه.
الأمر الواقع بدا أيضا بوضوح في مواقف الأحزاب السياسية التي تجاوزت تأثير صدمة الانقلاب لتقرأ الواقع الجديد بعقلانية سياسية تراعي أطوار تطور الكيان السياسي الموريتاني منذ استقلال البلاد قبل نحو نصف قرن، والذي أثبت أن خبرة الشعب الموريتاني في الانقلابات تفوق أمثاله في إفريقيا والعالم العربي وهي خبرة جعلت الموريتاني يدرك أن من يمسك بزمام الدبابة هو الأقوى في بلاد أنهكتها الأنظمة العسكرية الممسكة بتفاصيل الحياة ومكونات مجتمع متعدد الأعراق.
هذا الأمر يدركه أيضا الاتحاد الأوروبي وتحديداً فرنسا المستعمر السابق الذي احتفل الموريتانيون بالاستقلال عنه وهو الذي أنفق ملايين الدولارات فيما يعرف بالمسلسل الانتخابي الذي أوصل سيدي ولد الشيخ عبدالله رئيساً مدنياً منتخباً إلى سلطة يمسك بخيوطها العسكر، وما غفل عنه الأوروبيون الذين تناثرت دولاراتهم تحت وقع خطوات الجيش أن التجربة الديمقراطية الموريتانية التي ابتهجت لها أوروبا وأميركا وتحفظ عليها الجوار الإقليمي ولدت بعملية قيصرية فهي بالمحصلة جاءت في أعقاب انقلاب عسكري أطاح، وفي أغسطس أيضا من العام 2005، بالرجل العسكري القوي معاوية ولد سيدي أحمد الطايع.
كما غفل الأوروبيون عن أن المسلسل الذي أنفقت عليه الملايين إنتاج يشبه الأعمال السينمائية فلا تركيبة النظام في البلاد ولا بناؤها القبلي والسياسي ولا مستويات التنمية المتدنية ولا مشكلات الزنوج والقضايا العرقية الأخرى ولا قضايا الفساد وملفات الإرهاب الشائكة تسمح بهذه القفزة الطويلة نحو ربيع ديمقراطي يحول حياة الجائعين في الأحياء الفقيرة في نواكشوط والمدن الموريتانية الأخرى إلى العيش الرغيد «بكبسة زر» أوروبية دولية.
ولعل الحرص الأوروبي اليوم على حل الأزمة وفق المعطيات الحالية مظهر من مظاهر التكفير عن ذنب الزج بها في بحر لم يحسن الموريتانيون السباحة فيه لأن المشكلة الأساسية التي أوصلت إلى الانقلاب لا صلة لها بالديمقراطية وبأدبيات الاختلاف السياسي فالأزمة بين قادة عسكريين سعى رئيس مدني إلى تحجيم دورهم ومن ثمة تهميشهم وهم من كانوا أسياد البلاد والرئيس نفسه الذي كشفت فترة حكمه القصيرة جدا عن حجم فساد في إدارته لا يقل عن حجم فساد سابقيه ممن أمضوا عقودا في السلطة، بقي أن يفكر المجتمع الدولي طويلا قبل إنفاق ملايينه على مسلسل انتخابي جديد فالأفواه الجائعة في البلاد أولى بهذه الصنوف من الإنفاق.
محمد الهادي الحناشي

