جعلته أفكاره وآراؤه ومواقفه مرجعاً حقيقياً، وملتقى لأصحاب الرأي من كل الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية. وفي هذه المرحلة بالذات توطدت علاقتي به، شخصياً وسياسياً، بعد أن كانت تلك العلاقة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي حافلة بالتوتر على كل الجبهات. إذ كان في ذلك الحين يختلف عن الإمام موسى الصدر، الذي كان شديد الانفتاح منذ بدايات نشاطه الديني والسياسي في لبنان في ستينات القرن الماضي، من دون أن يتخلى عن أفكاره وآرائه المعادية للشيوعية.
وبدأت علاقتي بالإمام الصدر ورفاقه من رجال الدين والدنيا تتوطد منذ مطالع سبعينات القرن الماضي.
والجدير بالذكر أن الإمام شمس الدين لم يتسامح في علاقته الإنسانية معي، في السبعينات، بسبب مواقفه المتشددة، برغم أنه كان يعلم أن والده الشيخ عبدالكريم شمس الدين هو الذي عقد قران زواجي في أواخر العام 1973 بحكم كونه صديقاً لوالدي الشيخ أحمد ولعائلتي الدينية عموماً.
ولادة عراقية
ولد الإمام شمس الدين في مدينة النجف العراقية في العام 1936. والده هو الشيخ عبدالكريم شمس الدين. وهو رجل دين درس الفقه في جامعة النجف وعاش فيها مع آخرين كثر من رجال الدين اللبنانيين. ومارس التدريس أسوة بآخرين من زملائه.
وفي العام 1948 عاد الشيخ عبد الكريم إلى لبنان، لكن ابنه محمد مهدي بقي في النجف لاستكمال دراسته الفقهية في حوزة الإمام الخوئي. وبعد انتهاء دراسته مارس التدريس. وظل يقيم في النجف حتى العام 1969. وهناك تعرف إلى الإمام موسى الصدر. وأصبحا صديقين. وساهم معه في تأسيس مجلة «أضواء».
وعندما عاد إلى لبنان تابع تعاونه مع الإمام الصدر، وأسسا معاً في العام 1969 «الجمعية الخيرية الثقافية». كما انضم إلى الصدر في المجلس الشيعي الأعلى، الذي كان أسسه هذا الأخير في أواسط الستينات. وظل الشيخ شمس الدين يتعاون مع الإمام الصدر في المجلس الشيعي الأعلى إلى أن انتخب في العام 1975 نائباً للرئيس.
وكان ذلك العام عاماً مشهوداً في حياة المجلس. إذ اختار الإمام الصدر أن تكون لهذا المجلس المذهبي هيئتان: واحدة شرعية مشكلة من رجال الدين، وأخرى مدنية منتخبة.
أما الهيئة الناخبة فكانت مؤلفة من كبار الموظفين في الدولة، ومن رؤساء الأحزاب والنقابات والجمعيات الثقافية والفنية والخيرية. ولم يستثنَ من هؤلاء الناخبين ذوي العقائد الفكرية المختلفة مع المجلس كمؤسسة دينية، بمن فيهم العلمانيون، ومن ضمنهم الشيوعيون.
بعد اختفاء الإمام موسى الصدر في العام 1978 تابع الإمام شمس الدين عمله في المجلس رئيساً بالوكالة حتى العام 1994، حيث انتخب رئيساً أصيلاً للمجلس.
أصيب في العام 2000 بمرض السرطان، وأجريت له عملية جراحية، ثم انتقل إلى باريس وتابع العلاج هناك. ولم يعش طويلاً حيث غادر الحياة في العام 2001. وكان له مأتم وطني كبير شارك فيه كل لبنان تقديراً للدور الكبير الذي لعبه في الأزمات الصعبة التي مر فيها لبنان، من موقعه في رئاسة المجلس الشيعي الأعلى، وتقديراً لأفكاره ولآرائه ولمواقفه الوطنية الجامعة.
مرونة سياسية
تميز الإمام شمس الدين بالقدرة على الحركة في المواقف التي كان يتخذها، آخذاً في الاعتبار المتغيرات التي كانت تأتي بها الأحداث في لبنان خصوصاً، وفي المنطقة عموماً.
كان في سبعينات القرن الماضي أقرب في مواقفه إلى الإقطاع الشيعي. وكان في ذلك مختلفاً بعض الشيء عن صديقه الإمام موسى الصدر، الذي كان يوفق بين علاقاته مع تلك الزعامات وبين ارتباطه ببرنامج الرئيس فؤاد شهاب، إذ كان الصدر من مؤيدي الرئيس شهاب في مشروعه الذي كان يرمي إلى بناء دولة حديثة في لبنان. وكان شهاب، في برنامجه ذاك، أول وآخر رئيس لبناني يتبنى مثل هذه الدولة الحديثة، التي خذلته فيها البرجوازية اللبنانية ذات التوجهات والمصالح الطائفية.
ولعل من أبرز وأهم مواقف الإمام شمس الدين أنه تمايز عن الثورة الإسلامية الإيرانية، منذ وقت مبكر، بحذر وبمرونة ومن دون قطع. وكان من معالم تمايزه هذا عدم الأخذ بولاية الفقيه، التي هي في الأساس من صنع إيراني قديم ومتجدد، بخلاف ما تقول به الشيعة الإمامية، التي تؤمن بتعدد الاجتهاد وبتعدد المجتهدين.
لكنه كان يملك خطابين في العلاقة مع سوريا: خطاباً معلناً يشدد فيه على العلاقة معها بدون شروط، وخطاباً مضمراً يحمل بعض التمايز. وكان من بعض مظاهر تمايزه في أواسط ثمانينات القرن الماضي عن القرار السوري رفضه الانجرار في الحرب التي أعلنتها القيادة السورية ضد منظمة التحرير الفلسطينية، الحرب المعروفة بحرب المخيمات.
أما في ما يتعلق باتفاق الطائف، فكان مؤيداً له باعتباره مرحلة ضرورية لإنهاء الحرب الأهلية. وكان يدعو إلى تطبيقه تطبيقاً كاملاً، وهو في ذلك كان يعلن تمايزه عن الوصاية السورية، من دون الدخول في التفاصيل، ومن دون سجال.
لكنه كان في أواسط الثمانينات أعلن مشروعه الخاص بالديمقراطية العددية، غير أنه عاد عن ذلك في أواسط التسعينات، معتبراً أن ذلك كان سيخلق خللاً في وحدة المجتمع اللبناني التعددي، الذي يشكل المسيحيون فيه قوة أساسية لا يجوز المس بدورها التأسيسي للكيان الوطني اللبناني.
في تلك الفترة بالذات توطدت علاقتي به، بصفتي الحزبية وبصفتي الشخصية، في آن.
ويعتبر كتابه الذي يحمل عنوان: «الوصايا» الأكثر تعبيراً عن مواقفه التي أنهى حياته متمسكاً بها. وشكلت تلك المواقف الجديدة العنصر الأساسي الحديث من شخصيته كواحد من كبار رجال الدين الذين عملوا على التوفيق بين الدين والحداثة، وبين الدين والدولة.
وإذ أشير إلى الحداثة، فلأن شمس الدين اعتبر أن الإسلام كنصوص وكشعائر يجب ألا يتعارض مع الأخذ بمنجزات العصر في شتى ميادين المعرفة. وأنشأ لذلك، وعلى ضوء هذا التوجه، الجامعة الإسلامية كجامعة معاصرة بكل المعاني.
أما علاقة الدين بالدولة فكانت بالنسبة إليه علاقة تشكل الدولة فيها بمؤسساتها العامل الأساسي. وكان يكثر في أحاديثه الصحافية، وفي محاضراته، وفي كتاباته، الحديث عن الدولة المدنية، وعن ضرورة الاندماج فيها، والولاء لها من دون سواها.
في كتاب «الوصايا» الذي أملاه في الأيام الأخيرة من حياته، وهو في المستشفى في باريس، تتضح الملامح الأساسية لأفكاره الجديدة في الموضوع المتعلق بالطائفة الشيعية، في لبنان وفي العالمين العربي والإسلامي.
إذ هو يؤكد جازماً وقاطعاً بأن هذه الطائفة لا يمكن أن تكون في أي مجتمع إلا جزءاً منه، وأنه لا يمكن ولا يجوز للمنتمين إليها من رجال دين ودنيا أن يحولوها إلى أقلية منعزلة عن سواها من مكونات المجتمع، وألا يخترعوا لها أدواراً خاصة بها، تحت أية ذريعة، بما في ذلك باسم الدفاع عن الحقوق المسلوبة، أو ضد محاولات التهميش، أو سوى ذلك.
إذ هو يرى أن كل هذه الأمور، حتى أكثرها إساءة للشيعة، ينبغي أن تحل في المجتمع، وفي إطار الدولة ومؤسساتها، وليس بالتمايز عن أي منهما، وبالاختلاف وبالتعارض. وهو يقول في إحدى أولى وصاياه الموجهة إلى عموم الشيعة في مختلف الأوطان بالنص:
«أوصي أبنائي وإخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميّزوا أنفسهم بأي تمييز خاص، وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم. لأن المبدأ الأساس في الإسلام، وهو المبدأ الذي أقرّه أهل البيت المعصومون عليهم السلام، هو وحدة الأمة، التي تلازم مع وحدة المصلحة.
ووحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز.. الشيعة يحسّنون ظروف حياتهم ومشاركتهم في مجتمعهم عن طريق اندماجهم في الاجتماع الوطني العام، والاجتماع الإسلامي العام، والاجتماع القومي العام.
ولا يجوز، ولا يصح، أن يحاولوا، حتى أمام ظلم الأنظمة، أن يقوموا بأنفسهم وحدهم، وبمعزل عن قوى أقوامهم، بمشاريع خاصة للتصحيح والتقويم. لأن هذا يعود عليهم بالضرر.
ولا يعود على المجتمع بأي نفع. وقد جرت سيرة وسنة أهل البيت (عليهم السلام) على هذا النهج. فقد ظهرت في العقدين، أو العقود الأخيرة من السنين، ظاهرة في دائرة الشيعة العرب بشكل خاص، وهي إنشاء تكتلات حزبية سياسية بوجه خاص لغرض المطالبة بحقوق الشيعة، أو لإظهار شخصية الشيعة.
وهذه التكوينات، بحسب رصدنا لما آلت إليه، لم تؤد إلى أية نتيجة. بل هي أدت إلى كثير من الأزمات. وعمقت الخوف والحذر وسوء الظن والتربص في أنفس بقية المسلمين في المجتمع من طائفة الشيعة. وسعت نحو عزلهم، بشكل أو بآخر، عن الحياة العامة وعن التفاعل مع نظام المصالح العامة.
هذه التكوينات، تارة يراد لها أن تكون تكوينات ثقافية محضة، وهنا يجب ألا يغلب عليها طابع المذهبية التمايزية، وإنما يجب أن تنطلق من رؤية وحدوية إلى الأمة، تعتمد على الجوامع المشتركة ـ وما أكثرها ـ التي تجمع المسلمين فيما بينهم ولا تركز على خصوصيات التمايز وعلى خصوصيات التباين.. وإما أن تكون تجمعات سياسية أو اقتصادية، وهذا أمر لا يجوز في نظرنا أن يتم بوجه من الوجوه على الإطلاق».
ويؤكد الإمام شمس الدين تكراراً في أماكن متعددة من وصاياه ما ورد في هذا النص. ويعتبر أن موقفه هذا هو موقف مبدئي.
دور أساسي
وجاء هذا التأكيد من قبله سابقاً على ما ورد في نص اتفاق الطائف حول نهائية الكيان اللبناني. وهو يعتبر، في هذا الشأن، أنه صاحب دور أساسي فيما توصل اتفاق الطائف إليه في وثيقته النهائية.
لكنه كان يعتقد، في الوقت ذاته، أن المجتمع اللبناني مجتمع طائفي في تكوينه، وأن تحرره من طابع الطائفي هذا يحتاج إلى وقت. لذلك اقترح بأن يستبدل العمل لإلغاء الطائفية السياسية بإحداث تصحيح في التوزيع الطائفي، والعمل على إدماج الطوائف في الدولة وفي مؤسساتها، وخلق الشروط التي تجعل المنتمين إلى طوائفهم منتمين إلى الدولة التي هي دولتهم في الدرجة الأولى.
ورأى أن يعطى الجهد الأساسي للبحث عن العيوب التي يحفل بها النظام الطائفي، وللعمل على إصلاحها، وإبقاء الباب مفتوحاً لتدارك ما يقع من أخطاء وثغرات يمكن أن يولدها استمرار هذا النظام لزمن معين. وواضح أن هذه المواقف بمجملها إنما تشير إلى عكس ما ساد في لبنان في الفترة التي أعقبت تحرير الجنوب في عام 2000.
وكان الإمام شمس الدين إذ يتحدث عن دور المقاومة في التحرير، فإنه كان يؤكد بأنها لا يمكن أن تكون بديلاً من الدولة ومن مؤسستها العسكرية، الجيش. للإمام شمس الدين عدد كبير من المؤلفات تشير السيرة المدونة لحياته أنها بلغت واحداً وثلاثين مؤلفاً، تناول فيها مواضيع متعددة تتصل جميعها بالفكر الإسلامي في حركته وفي علاقاته مع مصادر الفكر الإنساني على اختلافها.
لكنني أتوقف عند واحد من هذه المؤلفات يحمل عنوان: «التجديد في الفكر الإسلامي». ففي هذا الكتاب يعالج الإمام شمس الدين موضوعات متعددة ذات خصوصية دينية وفقهية بحتة. كما يعالج قضايا أخرى كبيرة يعبّر عنها، في شكل خاص، السؤال التالي البالغ الدلالة:
«التجديد في التاريخ، في الفقه، في نظام القيم، هل هو حركة خارج الدليل أم داخله؟ هل هو عملية توفيقية بين المسلمات ومتطلبات الواقع المعاش تؤدي إلى بتر تلك المسلمات عن جذورها لإيهام تكيفها مع الواقع، أم هو إعادة تأصيل وتجذير لتلك المسلمات بأفق أوسع، ونظرة أكثر عمقاً وأكثر شمولية، تلحظ خصوصيات الظرف في ما يناسبه ذلك.
وتلتزم الإطلاق في غير ذلك، من خلال ضوابط وموازين وأصول محددة تعاد على أساسها قراءة الدليل وتحليله وصياغته وترتيب آثاره وفرز العناوين وترتيبها واستخراج ما هو ثانوي، والتفريق بين المستجدات في كونها مصاديق للعنوان الأولي أو للعنوان الثانوي، وإخضاع المستجدات لنتائج البحث النظري».
لاجدال في أن الإمام شمس الدين في المرحلة الأخيرة من تطور فكره وشخصيته تحول إلى رمز من الرموز الجديدة في الفكر الإسلامي.
قراءة في فكر إمام وفقيه
يعتبر الإمام محمد مهدي شمس الدين واحداً من أكثر رجال الدين المسلمين الكبار انفتاحاً على الأديان الأخرى وعلى الأفكار الفلسفية والإصلاحية الأخرى، بما فيها الأفكار العلمانية. وهو انفتاح يستند فيه شمس الدين إلى ثقافة دينية وفقهية، وإلى ثقافة عامة واسعة وعميقة هيّأت له الإمكانية الفعلية للقيام بالاجتهاد الجديد في شؤون الدين والدنيا.
وتميز شمس الدين باجتهاده هذا على الكثيرين من نظرائه في المذهبين الشيعي والسني. وقادته اجتهاداته في ظروف لبنان والعالم العربي، وفي ظروف العصر الجديد، إلى أن يقرر، بمسؤولية عالية، أن الدين الإسلامي لا يستقيم إلا إذا عرف المفكرون الإسلاميون، وإذا عرفت المرجعيات الإسلامية الكبرى، كيف يجعلون الإسلام، كدين حضارة عربية كبيرة في التاريخ القديم، يواكب التطورات والأحداث والتحولات الجارية في العصر، ويدخل في الحداثة من أبوابها الواسعة.
ويرى الإمام شمس الدين، في اجتهاده هذا، أنه إنما يسهم في إعطاء الإسلام المكانة التي تعود إليه في الحياة الإنسانية العامة، ويحرره مما يحاول المتعصبون المتخلفون أن يجعلوه عائقاً أمام التقدم. فالتقدم، في نظره واحد من غايات الإسلام، وليس نقيضاً للإسلام في أي أمر من أموره، كما يفعل بعض مدعي الانتماء إلى هذا الدين. إذ يشوهونه، ويشوهون قيمه.
إلا أن الإمام شمس الدين لم يأت إلى هذا الموقع الذي صار صفة من صفاته وسمة من سماته إلا بالتدريج. إذ بدأ حياته الفقهية، والسياسية كذلك، في التعصب المذهبي الشيعي، وفي التعصب ضد الأفكار الإصلاحية الأخرى.
وصار يتدرج في الاجتهاد الفقهي والسياسي من طور إلى طور، إلى أن بدأ يستقر في الاتجاه الذي صار في الأعوام العشرة التي سبقت وفاته السمة التي التصقت به، وميزته عن سواه من المرجعيات الدينية، في الدين وفي السياسة وفي الاجتماع، وفي كل ما يتصل بقضايا وطنه لبنان، وبقضايا العالمين العربي والإسلامي.
كريم مروة
