جبل الفلسطينيون على تحدي المعاناة، وسكان القطاع هم أحدث شهود على امكانية العيش في سجن كبير، دون الرضوخ لشروط واملاءات، ورفض التحصيل العملي المجاني ان كان ثمنه وشاية بأحد أخوتهم للمحتل، لكن الأمر وصل الى التضحية بفلذات أكبادهم المرضى عند معبر رفح الحدودي مع مصر.

صرخات أطفال عند رفح

الناطق باسم اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار رامي عبده، قال ان 31 % من المرضى الممنوعين من الخروج من القطاع لتلقي العلاج هم من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن الخمسة عشر عاماً.

الطفلة فرح سائد الصواف (عامان) مصابة بورم في الكلية اليمنى، وقدمت طلب للحصول على تحويلة للعلاج في مصر لكن الاحتلال لم يوافق على طلبها حتى الآن. وقالت والدة الطفلة فرح في مؤتمر صحافي عقده ذوو الأطفال المرضى الممنوعين من السفر ، وهي تنتحب باكية «أتمنى أن تبقى طفلتي على قيد الحياة.. ما ذنب ابنتي حتى تعاني كل هذا.. أي جسد يحتمل الوجع والألم.. ماذا أفعل وطفلتي تموت في حضني».

كما أن وضع الطفل محمد بلبل (عامان) والذي يعاني من ورم في المعدة أيضاً لا يقل مأساوية. وقال والد الطفل ان ابنه يحتاج إلى مواصلة العلاج الإشعاعي خلال عشرة أيام، وإلا سيفارق الحياة.ألا

وتوقف مصنع الدواء الوحيد في قطاع غزة عن العمل كلياً، ، بفعل الحصار.

وقال مروان الأسطل رئيس مجلس إدارة شركة معامل الشرق الأوسط للأدوية إن المصنع يعمل الآن بطاقة صفر بمعنى انه توقف كلياً عن الإنتاج.

وأضاف أن المصنع ينتج 45 صنفاً من الأدوية المختلفة، التي يعتمد في تصنيعها على المواد الخام المستوردة، لافتاً إلى أن إنتاج المصنع انخفض في الفترة الأخيرة إلى أقل من 10% واكتفى بتصنيع سبعة أصناف من الأدوية إلى أن نفدت المواد الخام من المخازن.

وقال الأسطل إن توقف مصنع الدواء الوحيد الذي يغطي حوالي 20% من احتياجات السكان، سيترك آثارا نفسية ومادية، وسيؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا من المرضى، مناشداً جميع المؤسسات الدولية والعربية، ومصر بالتدخل لفك الحصار عن القطاع والعمل على إدخال المواد الخام اللازمة لتشغيل المصنع.

سجن غزة المظلم

وإن كان نزلاء السجون لا يحرمون من الإضاءة في الليل، فان الفلسطينيين في القطاع تحت الحصار تعودوا على العيش في الظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة،. جميع العائلات الفلسطينية تقضي أوقاتاً من الليل على ضوء الشمع.

وفي هذا «السجن» تعود الناس على قطع مسافات طويلة مشياً على الأقدم لتقلص عدد سيارات الأجرة التي تعمل بسبب النقص الحاد في الوقود. كل من يقف بالقرب من شارع صلاح الدين الرئيسي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه يشاهد المئات من الأشخاص يمشون على أقدامهم وكأنهم في مارثون رياضي. الذي زار مدينة غزة قبل عام وجاء لزيارتها الآن، فان أول ما يستوقفه هو أن هذه المدينة التي يقطنها حوالي نصف مليون مواطن تغرق في سبات عميق بحلول ساعات المساء الأولى.

فبسبب قلة البضائع المسموح باستيرادها فان الكثير من المحال التجارية أغلقت أبوابها، في حين أن المحال التجارية التي فيها بعض ما يحتاجه الإنسان تضطر لإغلاق أبوابها مبكراً لقلة المتسوقين الناجمة عن تدهور الأوضاع الاقتصادية ولعدم قدرة معظم السيارات على التحرك بسبب نقص الوقود.

ألاوفي هذا «السجن» تدهورت أوضاع البيئة بشكل خطير جداً بسبب التلوث الناجم عن استخدام السائقين لزيت الطعام كوقود لتشغيل سياراتهم لعدم وجود وقود كاف.

يقول سليمان العواودة وهو فني ميكانيكي«أن التلوث يعود الى عدم مقدرة مولدات السيارات على حرق زيت الطعام بشكل كامل، الأمر الذي يؤدي الى تلوث الجو بوقود مؤكسد». وتؤكد الدوائر الطبية في قطاع غزة أن هذا الوقود يؤدي الى التسبب في انتشار أمراض السرطان، من هنا فان الذي يتحرك في شوارع القطاع يلفته حرص الكثير من الناس على وضع كمامات على وجوههم لتقليص كمية الغاز المؤكسد الذي يمكن أن يستنشقوه.

وبسبب العيش في هذا «السجن» فقد تقلصت آمال الناس وطموحاتهم لدرجة أن الناس باتوا يعتبرون الكثير من متطلبات الحياة مجرد كماليات بالإمكان التنازل عنها. أسامة أبو شرف ( 44 عاماً )، الذي يقطن مدينة دير البلح حاول تحت إلحاح أولاده الأربعة العثور على الشمام الحلو دون جدوى، يقول أبو شرف أنه تفقد شارع صلاح الدين حتى وصل الى مدينة دير البلح بمخيم النصيرات، وسط القطاع غزة، بائعي الخضار أبلغوه أن عليه أن يوفر جهده، فلن يعثر على مثل هذا الشمام الذي يتم زراعته في دفيئات بلاستيكية في المناطق الزراعية التي تقع في التخوم الشرقية من القطاع، والتي تتوغل فيها الجرافات الاسرائيلية بشكل يومي وتحرص على تدمير هذه الدفيئات وتسويتها بالأرض.

مقايضة العلم بالعمالة

طوال سبعة أشهر ظل زهير أبو شعبان ( 24 عاماً )، يعيش على أحر من الجمر خوفاً من أن يتبدد حلم عمره باستكمال دراسته العليا في مجال هندسة الحاسوب في الولايات المتحدة، بعد أن ظن أن هذا الحلم أصبح قاب قوسين أو أدنى أثر حصوله على منحة «فولبرايت»، التي تمنحها وزارة الخارجية الأميركية سنوياً لعدد من الطلاب الجامعيين الفلسطينيين.

أبو شعبان الذي حاز هو وستة من الطلاب الفلسطينيين على المنحة بعد أن تنافسوا عليها مع المئات من الطلاب، اعتقد أنه لم يعد أمامه إلا استكمال إجراءات السفر وأنه رغم الحصار المفروض على قطاع غزة، فان الخارجية الأميركية ستتدخل لدى إسرائيل للسماح له ولزملائه بالسفر.

لكن خيبة أمل أبو شعبان كانت كبيرة جداً ليس لأن إسرائيل رفضت السماح له بالسفر، بل لأن المخابرات الإسرائيلية الداخلية «الشاباك» ساومته واشترطت عليه مقابل السماح له بالسفر أن يصبح مخبراً يقوم بتقديم معلومات حول تحركات المقاومة.

أبو شعبان قال أنه خلال مراجعته مكتب «الشاباك» في معبر بيت حانون، للسماح له بالتوجه للقدس للحصول على تأشيرة الدخول للولايات المتحدة من القنصلية الأميركية فوجئ عندما حاول ضابط «الشاباك» ابتزازه، وطلب منه أن يخبره عن كل الموظفين في الجامعة الإسلامية الذين ينتمون الى حركة «حماس»، على اعتبار أنه كان يعمل معيداً في الجامعة.

يقول زهير أنه حاول بكل الطرق اقناع الضابط أنه شخص مستقل ولا ينتمي الى أي تنظيم، لكن المحقق كان صارماً وحاسماً «فإما أن يوافق زهير عليألا التعاون مع المخابرات الإسرائيلية» وإما أن «ينسى فكرة استكمال دراسته في أميركا».

وبعد أن رفض زهير بحزم أساليب الترهيب والترغيب التي اتبعت من قبل المحقق الذي حاول معه لمدة ساعين، تم طرده من الغرفة ليمكث ساعتين في الانتظار، وبعد ذلك أعاد له الجنود بطاقة الهوية الخاصة به وابلغاه أن عليه العودة الى غزة.

هناك أربعة آلاف طالب فلسطيني يدرسون في الخارج لازالوا عالقين في قطاع غزة بسبب الحصار وبسبب رفض السلطات الإسرائيلية السماح لهم العودة لجامعاتهم. هذا الواقع يرسم صورة مشهد السجن الكبير الذي يعيش فيه الفلسطينيون في قطاع غزة، منذ أن فرضت إسرائيل الحصار على القطاع منذ عام تقريباً، حيث يحظر عليهم الانتقال للخارج.

يومان انتظار امام محطات الوقود

شوارع رئيسية بطولها اغلقت في مدينة غزة مثل شارعي «العيون» و«الجلاء» وسط المدينة والسبب هو تكدس السيارات على عرض الشارع فى طوابير طويلة لتنتهي بمحطة وقود، لتعبئة 12 لترا من السولار فقط بقيمة 100 شيكل (25دلارا) ما أدى الى استحالة المرور فى هذه الشوارع.

وقال سائقون انهم محتجزون في هذا الطابور منذ يوم ونصف على الاقل ويقول علاء احمد صاحب سيارة أجرة إنه لم ير أولاده منذ يومين نظراً لانتظاره المتواصل أمام إحدى محطات الوقود غرب مدينة غزة من أجل الحصول على كمية من السولار. ويضيف المزين (35 عاماً) «أن كل السائقين على هذا الحال»، وأضاف سائق الأجرة الحاج أبو عطية «إن ما يحدث في القطاع لم أشهده في حياتي».

موضحاً أنه تمكن من الحصول على 12 لتراً من السولار بعد 48 ساعة من الانتظار، ودفع مقابلها مائة شيكل.وحسب أبو عطية فإن ما حصل عليه من وقود يمكنه من العمل ليوم واحد، ويمكن أن يتحصل من خلاله على مبلغ زهيد يسد من خلاله رمق أطفاله الثمانية.

و أضحى مشهد هذه الطوابير أمام محطات تزويد الوقود مألوفا في غزةً، في ظل مواصلة الاحتلال سياسة تقليص كمية المحروقات التي تمد بها القطاع.

ومنذ أسبوع توقفت مئات السيارات العمومية والخاصة في غزة، وتسببت أزمة نقص الوقود في إحداث حالة شلل عامة في مختلف القطاعات المشلولة أصلاً جراء الحصار، من جانبه قال صاحب شركة الخزندار للبترول والغاز مأمون الخزندار« إنه منذ أربعة أشهر لم تتمكن المحطات التابعة لشركته من تغطية أجور عمال محطة واحدة، وإن هذه الأزمة حملت شركته خسائر فادحة».

وأوضح «أن كميات الوقود التي تتسلمها شركته تشكل عبئا نفسياً وجسدياً عليه، مبيناً أن الكميات الصغيرة التي تسمح إسرائيل بدخولها تغطي ما لا يزيد عن 10% من نسبة السيارات التي تتحرك في قطاع غزة».

ودعا المواطنين إلى عدم الغضب من أصحاب محطات الوقود، والصمود أمام هذه السياسة الإسرائيلية التي يجب أن يتم فضحها عربياً وعالمياً. ويقول صاحب مكتب لسيارات الأجرة في غزة «إن كافة الأعمال توقفت وإن جميع السيارات التي تعمل في مكتبه تنتظر الطابور في محطات البترول منذ الخميس الماضي».

من جهته أوقف سائق الأجرة رمزى (24عاما) سيارته عن العمل منذ أسبوع ويقول

«بحثت في كل محطات الوقود بغزة فلم اجد بنزين للسيارة» وبهذا ينضم رمزي آلاف الفلسطينيين من السائقين الذين أصبحت أسرهم بلا عائل.

السائق محمد حلمي (22عاما) قال ان « العمل بطل يوفي معايا، وما عاد يجيب همه خاصة مع غلاء الاسعار عامة والسولار» وأضاف على مدار ساعات العمل وأنا في مشاكل مع الركاب الذين يرفضون زيادة الأجرة نصف شيكل بسبب ارتفاع الأسعار».

ولايزال الغزيون في انتظار تدخل عربي أو دولي لفك الحصار أو حتى تخفيفه عنهم، ومعظمهم يستغرب مواقف الدول العربية «المتجاهلة» لعملية ابادتهم البطيئة، ولا يستوعبوا لمصلحة من يتم التنكيل بهم وتعذيبهم، ويجهلون الدواعي السياسية التي وضعتهم في هذا المأزق، الغزيون يجهلون ما علاقة الحصار باقدامهم على انتخاب حركة «حماس» عام 2006.

غزة - ماهر ابراهيم