أصبح رغيف الخبز الحاف شعارا لمليون ونصف مليون انسان محاصر في قطاع غزة، بعد نفاد الدقيق واللجوء الى علف الحيوان لخبزه وأكله، فيما لجأ السكان الى المياه الملوثة بعدما منعت اسرائيل عنهم مواد التعقيم.

ويعمل في غزة 47 مخبزا، تغذي مليون ونصف فلسطيني أغلق منها 30 مخبزا وبقي17 يعمل ثمانية منها على الكهرباء وسبعة على السولار، واثنان على الغاز.

وتحتاج غزة 450 طن دقيق يوميا على الأقل، منها 100 طن للمخابز، و300 طن للمنازل، ويأتي جزء منها مساعدات من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الانروا» وبعض المؤسسات الأخرى.

أما بالنسبة للقمح فقد أغلقت شركة المطاحن أبوباها وتوقفت عن العمل لعدم وجود القمح في مخازنها، وتحتاج غزة يومياً إلى 600 طن من القمح، لا يتم إدخال أي شي منذ الرابع من نوفمبر الماضي. ومن أهم السلع التي نفذت أو توشك على النفاذ من أسواق، حليب الأطفال والأرز والبقوليات والزيوت والمجمدات والألبان واللحوم.

ومنذ فرضها الحصار المشدد على غزة، سمحت اسرائيل بمرور مقادير ضئيلة من الغذاء بشكل متقطع لضمان صمت المجتمع الدولي، ودخل القطاع كمية من الغذاء لا تتجاوز 10 في المئة من حاجة القطاع اليومية لكل المستلزمات الحياتية بشكل طبيعي. ما أدى الى ارتفاع حاد في الأسعار0.

في محيط يعيش معظم سكانه في بطالة وفقر شديد، بحيث لا يستطيع قطاع كبير من السكان شراء المواد الأساسية. وأفاد 62% من الأسر انها خفضت انفاقها بشكل اجمالي، بينما وصلت نسبة السكان الذين خفضوا نسبة شرائهم للأغذية الى 5, 93% وتحدث 98 في المئة تخفيض في شراء اللحوم وانخفاض بنسبة 86% في شراء منتجات الألبان.

قلي الفلافل بالسولار

«الحاجة أم الاختراع» مقولة يجسدها الفلسطينيون ويحاولون الابتكار للتغلب على الحصار الجائر الذي عطل بل هدد حياتهم في شتى المجالات وفى هذه الأيام بالذات المواطنون يسجلون ابتكارا جديدا مع نفاذ غاز الطهي، ومشتقات الوقود الأخرى، الأمر الذي أسفر عن توقف المخابز والمطاعم، وعودة الناس لعهد الحطب وإيقاد النار.

وخلال أزمة الطاقة التي دخلت عامها الثالث تمكن فلسطيني من تشغيل سيارته على الكهرباء، وآخر استخرج غازا طبيعيا من مياه المجاري، وثالث شيّد منزله من الخشب.. وللتغلب على أزمة غاز الطهي، لجأ أصحاب محلات بيع الفلافل في غزة فى ابتكار اسطوانة غاز تعمل بواسطة السولار المهرب من مصر.

يقول «أبو محمد» صاحب مطعم للفلافل والحمص في حي النصر بغزة إنه أغلق مطعمه لمدة عشرة أيام بسبب نفاد الغاز، وانقطاع التيار الكهربائي، إلى أن أخبره أحد أصدقائه بطريقة جديدة تمكنه من الاستمرار في العمل والاستغناء عن الغاز، تتلخص في تزويد اسطوانة الغاز بالسولار.

ويضيف بأن ابتكاره الجديديتمثل في اسطوانة غاز لها ثلاثة عيون، أحدها يصب خلاله السولار بعد تحويله إلى كاز بإضافة الملح له، وعين ثانية يدخل لها «منفاخ» يستخدم للدراجات الهوائية يدفع السولار للعين الثالثة التي تخرج منها النار أسفل «صاج» قلي الفلافل. هذه طريقة العمل تتلخص في تحويل السولار إلى كاز بإضافة الملح له وتركه مدة يوم أو يومين.

يقول «أبو محمد» «ان أول دقيقتين تكون النار باردة، ثم تلتهب لتعطي نفس مفعول الغاز الطبيعي» ويضيف: «ماذا نفعل.. إن عشرات المطاعم أغلقت في وجوه الزبائن خلال الأيام الماضية، وانضم أصحابها لركب العاطلين عن العمل».

عطش.. أو ماء بئر قذر

نقص مادة الكلور التي تستخدم في تعقيم مياه الآبار لجعلها صالحة للشرب أدى الى اجبار السكان على شرب المياه الملوثة بالبكتيريا، ما أدى الى تفشي التسمم بالماء، ومنعت اسرائيل الكلور في أول مراحل الحصار علي القطاع الذي يحتاج الى 60 مترا مكعبا شهريا من مادة الكلور ورصيدها الآن صفر.

وعدد آبار المياه في غزة تصل إلى 145 بئرا، تعمل 100 منها 60% من الوقت، وخمسة أربعون تعمل بنسبة 80% ، وعشرة آبار متوقفة تماماً بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود ونقص قطع غيار المضخات والمولدات. ويبلغ استهلاك القطاع من المياه يومياً 220 ألف لتر مكعب، انخفض بنسبة 40%. ويزداد الأمر تعقيداً في الأبراج بسبب عدم قدرة المضخات رفع المياه للأماكن العالية.

وأظهرت دراسة حديثة أن تحاليل عينات مياه الشرب أظهر وجود نسبة عالية من مادة النيترات المؤكسدة التي تؤدي إلى أضرار صحية لدى الأطفال الصغار.

وذكر مركز «هيلمهولتس» لأبحاث البيئة في ألمانيا أن النسب الموصي بها من قبل منظمة الصحة العالمية لمادة النيترات في مياه الشرب وهي 50 مليجراما في اللتر الواحديزداد تركيزها في مياه الشرب بقطاع غزة بنسب تتراوح بين الضعفين وثمانية أضعاف. وأظهرت نتائج الأبحاث أن التحاليل التي أجريت على الأطفال الصغار في القطاع أثبتت نقص كرات الدم الحمراء لدى نصف الأطفال تقريباً، بسبب وجود النيترات في الدم.

مواليد بلا رؤوس

وحصار غزة الخانق، ليس هو بداية الحرب على القطاع وأهله، بل كانت هناك حرب خفية مارستها اسرائيل في الخفاء، كي تتجنب المساءلة الدولية، هذه الحرب كان السلاح فيها هو العلم، فقد تعمدت دفن مخلفاتها النووية في مناطق مختلفة من القطاع قبل أن تنسحب منه، أبرز هذه المناطق بلدة خزاعة شرق محافظة خانيونس، جنوب القطاع. ويعيش سكان هذه البلدة في حالة من الذعر والفزع الشديدين، بعد تكرار ولادة أجنة مشوهة بدون رأس، وحيوانات أيضا ولدت دون رأس.

ويعزو الخبراء هذه الحالات إلى تعرض المنطقة لخطر الإشعاعات المنبعثة من المفاعلات النووية الإسرائيلية أو مخلفاتها التي دفنت في البلدة. وكان التلفزيون الإسرائيلي كشف قبل سبع سنوات أن الأرض التي اقترح الرئيس الأميركي بيل كلينتون تسليمها للسلطة الفلسطينية مقابل تنازلها عن التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية.

ـ هي أراضٍ تستخدمها إسرائيل لدفن مخلفات مفاعلها الذري في «ديمونا» وأشار كبير المعلقين في التلفزيون الإسرائيلي إيهود يعاري إلى أن منطقة «حلوتسا» الواقعة داخل الأراضي المحتلة عام 48 والمحاذية تمامًا لقطاع غزة، تستخدم منذ زمن لدفن المخلفات الذرية الناتجة عن العمل في مفاعل «ديمونا». وأضاف «أن إسرائيل عكفت على دفن مخلفاتها الذرية منذ أواخر الستينيات في هذه المنطقة.

وبدأت فصول القضية تثار بشدة، عندما تم الكشف عن وجود حالات تشوه لدى الأجنة في بطون أمهاتهم، عرف منها حالتان، وهي لزوجة ثائر قديح، حيث أكد الأطباء أن زوجته تحمل جنينا بنصف رأس، مرجحين وفاة الجنين فور ولادته. أما الحالة الثانية فزوجة حازم (ف)، التي تنتظر إنزال جنينها بعد تأكيد الأطباء أن لديه أيضا نصف رأس.

ولم تقتصر التشوهات على البشر بل وصلت الى الحيوانات وتفاجأ المواطن «ر.ح»، بنعجة تنجب خروفاً مكتمل النمو، لكنه بلا رأس، وله أذنان فقط ويتنفس بينهما، اذ شوهد يتنفس لبضع دقائق قبل أن ينفق!. وتهافت سكان المنطقة لمشاهدة هذه الحالة الغريبة، مما جعلهم يستذكرون حالة مشابهة قبل خمس سنوات، عندما ولدت أرنب مخلوقين على شكل فيلة شديدة الصغر مفارقا الحياة فور الولادة، والحالة وقعت في نفس البلدة.

ووجه أهالي بلدة خزاعة نداء استغاثة للجهات المختصة محليا ودوليا لمتابعة الموضوع بسرعة وجدية، لأنه لو تأكد فعلا من هذا الأمر فستكون جريمة إنسانية عظيمة ترتكب بحق الشعب الفلسطيني بغفلة من العالم.

وناشد سكان خزاعة العالم ارسال خبراء وعلماء لدراسة الظواهر التي يعيشونها وتحديد أسبابها وعلاجها وإيقاف الممارسات الإسرائيلية، التي تحاول إبادة شعب كامل بشكل تدريجي وبطيء. وطالبوا وزارة الصحة والمؤسسات الصحية والطبية بإجراء فحوصات شاملة للأجنة والحوامل في المناطق الحدودية، وتوفير العلاج اللازم وسبل الوقاية من هذه الأخطار التي باتت تهدد حياتهم.

كما دعوا الحكومة الفلسطينية ووزارة الإعلام على وجه الخصوص إلى إثارة الموضوع في المحافل الدولية ووسائل الإعلام المختلفة، لفضح وكشف الجرائم الإسرائيلية اللاانسانية بحق شعب أعزل.

معركة البناء..والتحرير

الفصل المر في حصار غزة اليوم يتخطى الوضع الإنساني ليكشف عن سلطة واهنة، أو تماشياً مع الواقع سلطتين واهنتين في القطاع ورام الله، فمن أين أتى هذا الخلل؟

عند تأسيس السلطة الفلسطينية كانت الآمال كبيرة في بناء مؤسسات الدولة رغم عدم وجود هذه الدولة فعليا على الأرض الأمر الذي دفع فصائل المقاومة الى الاصطدام مع السلطة معتبرين أن المؤسسات لا جدوى منها في ظل الاحتلال وتخدم فقط اسرائيل بتعزيز مزاعمه حول تقديمه استحقاقات اوسلو، كما انه كان هناك مكاتب التنسيق الأمني سيئة الصيت. والتي عجلت بالصدام بين الفصائل والسلطة.

دام الخلاف بين تيار «بناء الدولة تحت الاحتلال» وتيار «المقاومة أولا» طوال السنوات الأربع عشرة الماضية، وكان يطفو احيانا على السطح بشكل واضح لكن غالبا ما كان الجانب العنيف منه مستترا، على الأقل بالنسبة للمتابعين من الخارج، لكن قرار حركة حماس خوض الانتخابات قلب الموازين كلها وعرى الخلافات الفلسطينية وضرجها بالدماء، الصدام مع السلطة كان دائما موجودا لكن الذعر حل حين أصبح المشروع المتعارض مع السلطة ومع اوسلو يطرق بوابة الحكم.

هذا المشروع الذي ينسف اوسلو من الأساس وبالتالي ما ترتب عنها، ويعيد الفلسطينيين الى فترات المعارك غير المتكافئة مع الاحتلال، مع ما سيتبعه بالتالي من سقوط فكرة الحكم الذاتي، دوليا، وتخلي المجتمع الدولي الذي رعى عملية السلام عن دعم الفلسطينيين وتوقف مساعدات الدول المانحة، هذا الذعر من مشروع حركة حماس وليس المشاركة السياسية بحد ذاتها هو ما دفع الى الاقتتال الفلسطيني المؤسف الذي وقع، وسقط مئات الشهداء من الجانبين ضحايا لمشروعين لم يثبت أي منهما حتى الان نجاحه ويتسم مستقبل كلا المشروعين بالضبابية.

السلطة التي حظيت للمرة الأولى في تاريخ النضال الفلسطيني بالاعتراف الدولي لن تتخلى عن هذا لتعود الى أيام اللجوء في الدول العربية والأجنبية ومطاردات رجال الموساد والتدثر تحت عباءة الأنظمة الأخرى، صار هناك لسان للفلسطينيين. في المقابل يرى الطرف الآخر أن حال القضية أفضل دون هذا اللسان ودون هذه السلطة حين كانت جمرة النضال متوهجة.

ويعتبرون ان المفاوضات هي خيانة لدماء الشهداء وتفريط في الأرض وتناسوا أن تلك الحقبة استفادت من المناخ السياسي الذي كان حولها لكن التغييرات السياسية التي حدثت وأهمها سقوط الاتحاد السوفييتي وسيطرة دولة القطب الواحد، حول الكفاح المسلح الى انتحار دون ثمن.

عودة الى ذي بدء، المجتمع الدولي والمستفيدين من استتباب الأمن في منطقة الشرق الاوسط رأوا أن أفضل خيار للمحافظة على مشروع السلام، هو حصار حركة حماس في القطاع والعمل دون تصدير سطوتها الى الضفة الغربية بكافة الوسائل، ارتأت السلطة ان التخلي عن غزة وتركه لتلقي عقاب المجتمع الدولي مؤلم الى حين لكنه كفيل بحشد الناس ضد مشروع حماس الذي أتى بالجوع والمرض، والعودة الى مشروع السلطة.

المسؤولية التي تقع اليوم على عاتق الحركة هي اخلاقية بالدرجة الاولى، لذا يتوجب عليها أن تتنازل عن هذه السلطة لأنها خسرت المعركة مبكرا بعدما دخلتها دون ان تفهم اصول اللعبة، والعودة الى كراسي المجلس التشريعي وجود حماس كمعارضة داخل البرلمان هو بداية الطريق لتأسيس نظام حكم ديمقراطي. لكن في موازاة ذلك يتوجب على فصائل منظمة التحرير تكريس مبدأ تداول السلطة لنتجنب تكرار مأساة الاقتتال الداخلي.

أسماء المنصوري

asma_002@hotmail.com