من خلال استعراض شامل لحالة الديمقراطية في العالم الإسلامي، يخلص المؤلفان إلى أنه كان لفشل الحكومات و«اختطاف الإسلام» من قبل المتشددين والإرهابيين وأيضا الاغتيالات والهجمات الانتحارية وانتهاك حقوق المرأة والأقليات توابعها في المجتمعات الإسلامية وفي تشويه صورة الإسلام في الغرب.

وهو ما انعكس مثلا في نتيجة استطلاع رأى أجرته «الواشنطن بوست» وقناة «أيه بي سي» الإخبارية وتمثلت في أن ما يقرب من نصف الأميركيين لديهم أراء سلبية عن الإسلام ،وكانت تلك النسبة أعلى بسبع نقاط عما كانت عليه في أعقاب 11 سبتمبر 2001.

ووفقا للاستطلاع المشار إليه فإن نسبة الأميركيين الذين يعتقدون أن الإسلام يشجع استخدام العنف ضد غير المسلمين أصبحت أكثر من ضعف ما كانت عليه منذ 11 سبتمبر، وهى 14% في يناير 2002 ،وبالمثل وجد مركز أبحاث آخر أن حوالي ثلث الأميركيين (36%) يرون أنه يحتمل للإسلام أكثر من أي دين أخر تشجيع العنف بين أتباعه.

يشير المؤلفان إلى أن موقف الأميركيين فيم يتعلق بالعلاقة بين الإسلام والعنف يأتي على النقيض من موقف الغالبية في العالم الإسلامي في النظر إلى الإسلام، والتي تراه من زاوية مختلفة باعتباره دينا معتدلا مسالما ويحتل مكانة مركزية لفهمهم لذواتهم ولنجاحهم.

وهنا يعيد المؤلفان التأكيد على محورية قيمة الديمقراطية في حياة المسلمين، فيشيران إلى أن معظم من تم استطلاع رأيهم أجابوا بالقول أن الديمقراطية هي المفتاح لمجتمع أكثر عدالة وللتقدم ،ونتيجة لذلك فإنه حينما طلب منهم التعليق على أوجه الحياة المهمة بالنسبة لهم، أجابت أعداد كبيرة بالقول إن الحياة الدينية والروحانية الثرية ووجود حكومة منتخبة ديمقراطية أمور جد مهمة على أقل تقدير.

من هذه النقطة ينتقل بنا المؤلفان إلى الإجابة حول كيف ينظر 3,1 مليار مسلم إلى الديمقراطية، فيشيران إلى أن الإجابات تكشف عن واقع معقد يثير الدهشة ،حيث تقول غالبية كبيرة في جميع البلدان التي تم مسحها تقريبا (95% في بوركينا فاسو، 94 في مصر، 93 في إيران ، 90 في إندونيسيا) أنهم إذا وضعوا دستورا لبلد جديد فسيضمنونه حرية التعبير.

والتي عرفوها بأنها السماح للمواطنين جميعهم بالتعبير عن آرائهم في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة، إلا أنهم وفيما هم يبدون إعجابهم بأوجه كثيرة في الديمقراطية الغربية، فإن من جرى إجراء مسح عليهم لا يفضلون تبني نماذج تلك الديمقراطية بالجملة.

وهنا، ووفق الاستطلاعات، يبدو أن الكثيرين يريدون نموذجهم الخاص الذي يشمل أحكام الشريعة لا نموذجا ديمقراطيا قائما على القيم الغربية. لكن في الواقع فإن قليلا من المستطلع رأيهم يربطون بين تبني القيم الغربية وتحقيق التقدم السياسي والاقتصادي في البلدان الإسلامية.

غير أن المؤلفين يشيران إلى أن النتائج تكشف عن أن الأشخاص في البلدان ذات الغالبية الإسلامية يتطلعون لنموذج جديد للحكم، نموذج ديمقراطي يعتنق القيم الدينية في آن، وهو ما يعزز بيان السبب في أن الغالبية في معظم البلدان باستثناء عدد قليل منها يريدون أن تكون الشريعة على الأقل أحد مصادر التشريع. وهنا يتطرق المؤلفان إلى مفارقة تتمثل في أنه دون النظر بعيدا عن الولايات المتحدة فإن أعدادا كبيرة من الأميركيين يريدون أن يكون الدين مصدرا للقانون.

وفي ذلك يشير استطلاع للرأي قام به جالوب عام 2006 إلى أن غالبية الأميركيين يريدون الإنجيل مصدرا للتشريع فـ 46 من الأميركيين يقولون أن الإنجيل يجب أن يكون أحد المصادر فيما يعتقد 9% أنه يجب أن يكون المصدر الأوحد للتشريع. كما يشيران كذلك إلى أنه قد يكون من دواعي الدهشة أن 42% من الأميركيين يريدون أن يكون للقادة الدينيين دور مباشر في كتابة الدساتير فيما يريد 55% منهم ألا يكون لهم دور بإطلاقه وهذه الأرقام تكاد تكون متطابقة مع الأرقام المناظرة في إيران.

ثم يتطرق المؤلفان إلى مفهوم الشريعة مشيرين إلى التصورات السلبية عنها لدى الغربيين الذين يناظرون بينها وبين بتر اليد عقابا على السرقة والسجن مدى الحياة أو عقوبة الإعدام في حالات الردة وغير ذلك. وهنا وفي مجال التوضيح يشيران إلى أنه على الرغم من أن الشريعة أصبحت مرادفا للحكم الديني، فإن استطلاعات الرأي توضح أن الرغبة في تضمين الشريعة لا تترجم تلقائيا إلى الرغبة في إقامة حكومة دينية.

وفي ذلك تقول غالبيات مهمة في بلدان مسلمة عديدة إن القادة الدينيين لا يجوز لهم أن يلعبوا دورا مباشرا في وضع دساتير البلاد أو كتابة التشريعات أو وضع قوانين جديدة أو تقرير السياسة الخارجية والعلاقات الدولية أو تقرير ما يجب على النساء ارتداؤه في الأماكن العامة أو ما يعرض بالتليفزيون أو ينشر بالصحف. أما الآخرون الذين تخيروا دورا مباشرا لرجال الدين فقد اشترطوا أن يكون دورهم استشاريا لمسؤولي الحكومة فقط.

وعلى عكس الصورة السائدة في الغرب، فإن أغلبية من يريدون الشريعة يريدون في الوقت ذاته أن تحصل النساء على الاستقلال الذاتي والحقوق المتساوية ويعتقد غالبيتهم في معظم البلدان التي تم إجراء الاستطلاع بها أنه يجب أن تحصل النساء على التالي: نفس الحقوق القانونية مثل الرجال (85% في إيران، حوالي 90% في إندونيسيا، بنجلاديش، تركيا، ولبنان، 77% في باكستان، 61% في السعودية). ومما يثير الدهشة أن النسبة كانت 57% في مصر ، وكذلك في الأردن أي أقل من إيران واندونيسيا وبلدان أخرى على الرغم من أن هاتين الدولتين ينظر إليهما بشكل عام باعتبارهما أكثر ليبرالية.

أما عن الحقوق الانتخابية فيقول 80% في اندونيسيا، 89% في إيران، 67% في باكستان، 90% في بنجلاديش، 93 في تركيا ، 56% في السعودية ، 79% في الأردن أنه لا بد من تمكين النساء من خلال السماح لهن الإدلاء بأصواتهن في الانتخابات دونما أي تأثير من أفراد الأسرة أو تدخلهم. وفيما تصور الشريعة بعامة على أنها نظام قانوني جامد قامع، فإن النساء المسلمات لديهن رأي إيجابي في الشريعة محمل بظلال مختلفة من المدركات، ويرينها تتوافق مع تطلعاتهن إلى التمكين.

وفي الختام يشير المؤلفان إلى حقيقة أن قضية الدين والتغير ليست حكرا على الإسلام بل يتجادل الأفراد من جميع الديانات حولها حيث لا تحوي النصوص المقدسة أو الصياغات الكلاسيكية للقانون حلولا محددة لكثير من المشاكل الحديثة.

من هذه النقطة ينقلنا المؤلفان إلى تناول ماهية الفكر الديمقراطي المسلم فيشيران إلى أن ثمة مدارس فكرية مختلفة لدى المسلمين بخصوص الديمقراطية والإسلام حيث يذهب رأي يمثل الأقلية في الأدبيات الإسلامية إلى أن الديمقراطية تعد مفهوما أجنبيا ، ويريد أصحاب هذا الرأي، حسب المؤلفين، أن يستعيدوا نوعا من الخلافة الإسلامية في ضوء ما يذهبون إليه من أن سيادة الشعب نوع من إنكار لسلطة الله ولكن كما توضح استطلاعات جالوب فإن دعم الحريات الديمقراطية وحقوق المرأة أمر شائع في العالم الإسلامي.

ويستعين المؤلفان للدلالة على ذلك بآراء نخبة من قادة الرأي والفكر والسياسة المسلمين ومن ذلك ما يذهب إليه عبد الوهاب الأفندي المفكر والدبلوماسي السابق السوداني من أن مبادئ الإسلام وقيمه تؤكد في تحليلها النهائي على ضرورة الأخذ بنظام يقوم في أسسه على تلك التي تقوم عليها النظم الغربية ، أي نظام ديمقراطي.

وكذلك ما يذهب إليه الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي الذي يتبني مبدأ الديمقراطية الإسلامية، ففي حوار تلفزيوني له في يونيو عام 2001 أشار إلى أن ديمقراطيات العالم اليوم تعاني من فراغ كبير، فراغ روحاني وأنه يمكن للإسلام أن يوفر الإطار الذي يجمع بين الديمقراطية والروحانية والحكومة الدينية.

ويشير المؤلفان في هذا الخصوص إلى أنه على شاكلة المسيحيين واليهود، فإن المسلمين يعيدون صياغة وتأويل إرثهم الديني لدعم أشكال الديمقراطية الحديثة والتي يمكن أن تكون على قدر كبير من التنوع وتشمل أشكال الديمقراطية الغربية.. الشكل الرئاسي والبرلماني والتمثيل النسبي وانتخاب القيادات المباشر وغير المباشر وأشكال الحكومات التوافقية والمتعارضة.

وهنا وفي محاولة للإشارة إلى أن إشكاليات قضايا علاقة الديني بالسياسي ليست قاصرة على العالم الإسلامي وحده، وإنما هي قضايا تطرح نفسها حتى في الإطار الغربي ذاته، يشير الكتاب إلى أنه بالمثل على الرغم من أن الولايات المتحدة تصر على الفصل بين الكنيسة والدولة.

فإنه يوجد لدى ديمقراطيات أوروبية كثيرة مثل بريطانيا وألمانيا والنرويج دينا رسميا للدولة وتحصل المؤسسات الدينية المعترف بها رسميا على التمويل أو الدعم المالي من الدولة. ورغم الفصل الصارم للكنيسة عن الدولة في فرنسا والمؤسس على قانون الفصل لعام 1905 توفر الحكومة دعما ماليا للكنائس والمعابد التي بنيت قبل عام 1905 باسم الحفاظ على الإرث الثقافي.

ومن هذه النقطة ينقلنا المؤلفان إلى الجانب الأخير في نقاشهم لموضوع الديمقراطية من الرؤية الإسلامية المعاصرة متسائلين عن مدى اعتقاد المسلمين بوجود دور للغرب يمكن أن يلعبه في قضية الديمقراطية. ويوضحان أنه من أجل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من النظر إلى بعض الوقائع الجادة والهادئة. وحسبهما فإن ثمة تحديات كثيرة في طريق خطة كسب قلوب المسلمين وعقولهم وتعكس التغذية الإسترجاعية لكثير من الأسئلة في استطلاع جالوب النقد للسياسات الخارجية الأميركية وإجراءاتها والتشكك فيها.

وعلى الرغم من وجود رغبة عارمة في الديمقراطية والتي يرى كثير من المسلمين أنها ضرورية لتقدمهم، باستثناء عشر دول أجرى المسح عليها لا توافق غالبية المستطلع أرائهم على مقولة أن الولايات المتحدة جادة في تشجيع إقامة نظم حكم ديمقراطية في المنطقة.

وفي تفسير ذلك يذهب الكتاب إلى أن مواقف المسلمين تجاه الولايات المتحدة تأثرت بما يعتقد المسلمون أنه يمثل ازدواجية في المعايير الأميركية والأوروبية إلى حد كبير في تعزيز الديمقراطية ونشرها، لجهة سجلها الطويل في دعم الأنظمة السلطوية وعدم تعزيز نشر الديمقراطية في العالم الإسلامي كما فعلت في مناطق وبلدان أخرى بعد سقوط الإتحاد الِسوفييتي.

ورغم ذلك فإن نسبة من يعتقد من المسلمين بضرورة تحسن العلاقات مع الغرب كبيرة وترى أن التفاهم الأفضل بين الثقافتين الغربية والإسلامي أمر مهم تتفوق كثيرا من حيث العدد على النسب التي تقول إنه لا يهمهم تحسين العلاقات.

غير أن بعض المستطلع رأيهم ركزوا على ضرورة مبادرة الغرب إلى إبداء مزيد من الاحترام للإسلام والمسلمين، وعدم الاستخفاف بمكانة البلدان العربية الإسلامية وإبداء مزيد من الفهم للإسلام كدين وعدم التقليل من قدر ما يمثله الإسلام.ش

الصفحات: 204 صفحات (متوسط)

الكتاب: من يتحدث باسم الإسلام؟

تأليف: جون أسبوزيتو وداليا مجاهد

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق

الناشر: جالوب برس، نيويورك 2008