وصل الحصار المفروض على غزة الى أسوأ مراحله، مع تضرر حتى الأموات منه، فوجدت العائلات المكلومة نفسها عاجزة عن تكفين موتاها ودفنهم بكرامة بسبب غياب المواد اللازمة لذلك، بينما يسقط كل يوم شهيد، قتله نقص الدواء أوعدمه وانقطاع التيار الكهربائي عن الأجهزة الطبية الضرورية لبقاء الحياة كأجهزة تنظيم ضربات القلب وأجهزة غسيل الكلى، بينما انتشرت أمراض نقص التغذية في الأطفال ووصل عدد الصغار المصابين بالانيميا الى 70 في المئة منع السلع الغذائية من الدخول الى غزة.

ففي احدى المشاهدات الحية لمراسل «البيان» في غزة، عجزت عائلة مكلومة في توفير قبر لعائلها الذي توفي جراء المرض وانقطاع الدواء فأرسلت العائلة وفدا الى المقبرة الشرقية في غزة «مقبرة الشهداء» وهي المقبرة الرئيسية في مدينة غزة، لمعرفة وبدء اجراءات الدفن، فأبلغهم المسؤول هناك عن حاجته الى برميل من السولار لتشغيل الجرافة التي ستحفر القبر، اضافة الى 92 حجر «بلوك» لبناء القبر و4 بلاطات من الخرسانة لتغطية القبر. ورجع أفراد العائلة الى المنزل خائبين فلم يكن بمقدورهم احضار سولار، مع وصول سعره الى أرقام خيالية نتيجة تكلفة تهريبه من مصر واستغلال التجار في سيناء حاجة الناس وبيعه بأسعار خيالية، وبالطبع لم تتمكن الأسرة من احضار اللوازم الأخرى للأسباب ذاتها.

فما العمل؟ يقول أحد أفراد المتوفى «توجهنا إلى مقبرة الشيخ رضوان المزدحمة جدا بالأموات وهناك كان الفرج...حيث وجد لنا المسئول مكانا ملاصقا لأحد المباني المجاورة للمقبرة» واستخدم الخشب في اعداد القبر والزينكو في سقفه.

وقبل بدء الحصار كانت وزارة الأوقاف الفلسطينية مسؤولة عن حفر وبناء القبور بحيث كان هنالك قبور جاهزة دوما يقوم أهل المتوفى بدفع الرسوم المطلوبة والتي كانت في حينه 100 دينار أردني. بعد الحصار لم يعد هناك اسمنت أو حديد أو سولار، وبدأت تكلفة التهريب تكبل المحاصرين فالتاجر الذي يهرب البضائع من مصر، يتكلف عناء نقلها في مخابئ، يكتشفها الأمن المصري يوميا ويهدمها فيعيد الفلسطينيون بناءها.

وحين يتمكنوا من الوصول الى مصر يستقبلهم التجار مستغلين حاجتهم، فيبيعونهم بأضعاف الأسعار، فيضطر التاجر الى العودة الى غزة ليبيع ما اشتراه بفائدة تقيه وابناؤه الجوع، وفي ظل نقص الأموال غالبا ما يخفض الأسعار لأقل مما دفعه في سبيلها، ليدخل القطاع كله في دائرة استنزاف مادي أوصلت غالبية سكان غزة الى تحت خط الفقر. يقول (ن)، من مدينة غزة، انه أحيانا يتم دفن أموات فوق أموات آخرين.

77% من أطفال غزة مصابون بالانيما

وكما لم يرحم الحصار موتى غزة، فان الأطفال الذين لم يبدأوا حياتهم يرزحون تحت اغلاله، تهلكهم الانيميا نتيجة منع السلع الغذائية الأساسية. وأكدت مديرة برامج إنقاذ الطفل سلوى الطيبي أن أكثر من 77% من أطفال غزة مصابون بالأنيميا، بعد النقص الكامل في احتياجات الأطفال وأضافت «المعاناة التي يعيشها سكان القطاع والتي تم في ظلها قطع الكهرباء والمياه وكافة مقومات الحياة، أدَّت إلى إصابة الغالبية العظمى من الأطفال بالأمراض النفسية».

وأشارت إلى أن الجهود التي تقوم بها المنظمات الدولية المختلفة غير كافية على الإطلاق، في ظل كثرة الطلب والاحتياجات غير المتوفرة لأهالي غزة، مشيرةً إلى أن أهاليَ القطاع يفتقدون احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء؛ مما يؤدي إلى ارتفاع متواصل في مستويات الفقر.

وقالت الوزارة إن «مجمع الشفاء الطبي ومستشفى غزة الأوروبي دخلت في أزمة حقيقية تنذر بوقوع كارثة صحية نتيجة تعطل المولدات الكهربائية الرئيسة جراء منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال قطاع الغيار والزيوت اللازمة لتشغيلها.وحذرت الوزارة من الخطر على أرواح العشرات من المرضى الذين يرقدون على أسرة العناية الفائقة وأجهزة غسيل الكلى وعشرات الأطفال الخدج في أقسام الحضانة» وطالبت كل مؤسسات حقوق الإنسان والمؤسسات الصحية الدولية بضرورة الإسراع بإزالة هذا التهديد الخطير.

وحذرت الإدارة العامة للإسعاف والطوارئ من ترد ملموس وخطير في الخدمات الصحية التي لم تقف عند نفاد أصناف مختلفة من العلاج بل وصلت الى الأجهزة الطبية المتعطلة وتردي طرق حفظ والأمصال والأدوية وفصائل الدم والبلازما نظراً لاستمرار انقطاع الكهرباء.

وأكد المريض بالكلى أبومحمد الجبرى (58عاما) الراقد في مستشفى «الشفاء» في غزة، انه يواجة مشكلة كبيرة تهدد حياتة حيث لا يتمكن من اجراء غسيل كلى كل ثلاثة أيام كما قرر الأطباء، فخفض العدد الى مرتين أو مرة حسب رحمة التيار، وسط آلام مبرحة نتيجة تأجيل جلسات العلاج.

95 صنف علاج نفدت منذ شهر

وجدد مدير عام الإسعاف والطوارئ د. معاوية حسنين مناشدة كافة الضمائر الحية والمنظمات الاغاثية والصحية الدولية والعربية الإغاثة القطاع مشيراً الى ان الآلاف ينتظرون الموت البطيء. وقال حسنين ان قرابة 400 مريض بالكلى لا يجدون علاجاتهم اللازمة وان 20 منهم بحاجة لعمليات زراعة عاجلة وهم ينتظرون الموت على معبر رفح الحدودي.

وان قرابة 400 مريض مصابون بالهبوط وضيق التنفس والذين يستعينون بجهاز أكسجين خارجي، مشيراً الى عمل محطات الاكسجين للمرضى بنصف طاقتها نظراً لأعطال النصف المتبقي وعدم القدرة على إصلاحها بسبب منع إدخال قطع غيار الأجهزة إلى قطاع غزة.

وشدد على أن طرق حفظ فصائل وصفائح الدم ومشتقاته والبلازما باتت غير سليمة مما أثر أيضا على طرق حفظ التطعيمات والأدوية. وقال ان مائتي صنف من المستلزمات الطبية نفدت من القطاع وان 95 صنف علاج للأمراض المزمنة رصيدها صفر ونفدت منذ شهر كامل.

وللكهرباء ضحايا آخرون، فمازال علي ابو شقفه (30 عاماً)ألا يحاول جاهداً التأقلم مع ظروف انقطاع التيار، يقول علي ان ألاعمله يعتمد على الكمبيوتر بشكل كبير، ويضيف «إننيألاأحاول انجاز أعماليألا في فترات مجيء التيار الكهربائي بيد أن مواعيد انقطاع الكهرباء أصبحت مختلفة وغير منتظمة، مما يدفعني للاستيقاظ حتى في ساعات متأخرة من الليل لانجاز ما يمكن انجازه من أعمال».

وأكد ابوهانى (53عاما) ان «لا احد فى غزة يعمل بسبب عدم وجود كهرباء طوال ساعات النهار وبعضا من ساعات الليل» وقال مروان كامل (32عاما) صاحب سوبر ماركت بغزة «تدمرت مصالحنا واصيب أطفالنا بأمراض نفسية جراء الظلام الدامس الذي نعيشه» وأضاف « لدي خمسة اطفال يفزعون فى الليل ويتبولون على انفسهم عند حلول الظلام».

وتقول هيفاء -30عاما- ام لخمسة اولاد انها منذ شهر وهي تطهو على الحطب وتضيف «رجعنا الى العصر الجاهلي ونعيش على الشموع وأولادنا يدرسون ونحن نطهو ونقدم الطعام على الشموع وكأننا اشباح». ويخذل الكلام أبومحمد في وصف معاناته فهو صاحب مذبح للدجاج تكبد خسائر فادحة نتيجة فساد اللحوم المثلجة ونقص العلف الذي دفع الفلسطينيين الى اعدام آلاف الصيصان لعجزهم عن اطعامها ورحمة بها من الموت جوعا.

من ناحيته، أكد المهندس كنعان عبيد نائب رئيس سلطة الطاقة، أن كمية الوقود التي تم إدخالها إلى محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع تكفي فقط ل30 ساعة، فضلاً عن وجود أعطال فنية في المولدات الكهربائية بسبب عدم وجود بطاريات لازمة للمحرك.

وأوضح المهندس عبيد، أن سلطة الطاقة قامت بشراء قطع غيار وبطاريات لازمة لمولدات الكهرباء في المحطة، بيد أن إسرائيل رفضت إدخال هذه القطع لتضيف إلى مشكلة انقطاع نقص الوقود والسولار الصناعي.

وفي تقرير إحصائي أصدرته اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، بين أن ما يزيد الأمور تعقيداً في مشكلة الكهرباء هو تعطل الخطوط المغذية من إسرائيل ليرفع نسبة من يتعرضون للظلام إلى 70%، فضلاً عن مشاكل خطيرة في شركة التوزيع أهمها عدم وجود المحولات والكابلات الآمنة، مما يعني تعقيد الأمور أكثر وإغراق مناطق أكثر بالظلام حين عطل أي محول في أي منطقة.

انقطاع الكهرباء هم آخر يهدد حياة المرضى

وفي هذا الصدد، كشف تقرير حقوقي، أن 220 جهازاً أساسياً تستعمل لأصحاب الأمراض المزمنة والخطيرة كالقلب والكلى والسرطان معطلة عن العمل تماماً، ويبقى الحصار طوقاً يخنق به السجان الإسرائيلي مواطني غزة، ليخلف من ورائه خسائر فاقت ال750 مليون دولار، فضلاً عن 140 ألف عامل تعطلوا عن العمل جراء إغلاق المعابر، و80 % من المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر.

وأكد مدير العلاقات العامة بشركة توزيع الكهرباء جمال الدردساوي ، أن أزمة الكهرباء مركبة وأن كافة الإشكالاتألا الموجودة سواء في شركة التوزيع أو في محطة التوليد ناتجة عن إغلاق المعابر. وأوضح الدردساوي «أن بعض شبكات توزيع الكهرباء في قطاع غزة بدأت تتعرض لانهيار حقيقي جراء إستمرا ر الحصار،ألا حيث بدأت بعض محولات التوزيع بالاحتراق في بيت لاهيا والشجاعية.

وذلك نتيجة الأحمال العالية وعدم قدرة الشركة على سد أي عجز في نقص المعدات اللازمة لتوزيع الكهرباء». وأكد بأن مخازن الشركة في قطاع غزة خالية من أي احتياطي لهذه المواد والتجهيزات، خاصة أن الاشهر الطويلة للحصار استنفدت كل المواد.وناشد الدردساوي الهيئات الدولية التدخل لدى اسرائيل لادخال تلك المواد.

غزة - ماهرابراهيم