أنهت القوات الهندية الخاصة «الكوماندوز» صباح أمس بشكلٍ نهائي وكامل جحيم مدينة مومباي الذي عاشته لمدة 60 ساعةً مسدلةً الستار بذلك على واحدة من أبشع وأفظع العمليات الإرهابية «الكابوسية» في تاريخ شبه القارة الهندية شبهها كثيرون ب«11 سبتمبر الهندي» بعدما أعلن عن مقتل المسلحين الثلاثة المتحصنين داخل فندق «تاج محل».
واعتقال آخر حياً فيما ارتفع عدد ضحايا الهجمات إلى 195 قتيلاً و295 جريحاً في مقابل إنقاذ 610 أشخاص وسط تفاصيلٍ مدهشة للحظات التحرير الأخيرة التي أثارت استغراب قوات «الكوماندوز» في حين تكشفت معلومات جديدة عن مخططات المهاجمين الذين أقاموا لفترة مطولة في المدينة متظاهرين أنهم طلبة في وقتٍ هاتف فيه الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ معزياً ومؤكداً «عزم التحالف العالمي على التصدي للإرهاب».
اللحظات الأخيرة
وصرح قائد القوات الخاصة جيوتي كريشنا دوت للصحافيين في مدينة مومباي الهندية صباح أمس «بان فندق تاج محل تحت سيطرتنا بالكامل وبشكل نهائي بعد معركة عنيفة استخدمت فيها الأسلحة والقنابل اليدوية».
وأضاف «قتلت قوات الكوماندوز ثلاثة إرهابيين واعتقلت آخر وعثرت على بنادق آلية ومسدسات وقنابل يدوية داخل الغرف ليرتفع عدد قتلاهم الإجمالي إلى تسعة»، موضحاً أن 15 عنصراً من نخبة الحرس الوطني لقوا حتفهم خلال هجومٍ شارك فيه نحو 200 منهم لتحرير الفندق الفخم الذي يضم 565 غرفة.
وكشف دوت أن الإرهابيين «أشعلوا نيراناً في أماكن مختلفة وخاصةً في الطابق الأول وذلك في تكتيكٍ معروف لتضليل القوات الخاصة»، واصفاً المسلحين أنهم «يعرفون تفاصيل المبنى بشكل أفضل من قاطنيه» على حد تعبيره.وأردف قائلاً:«هم مدربون بشكل جيد للغاية.فأحياناً كانوا يضاهوننا في القتال وطريقة التحرك»، مستطرداً «تقديري أنهم إما جنود نظاميون في الجيش أو أمضوا فترة طويلة في تدريبات خاصة على مثل هذه الهجمات».
وأفاد مدير شرطة المدينة حسن غفور بدوره أن «العمليات انتهت وقتل كافة الإرهابيين بعدما مشطنا الغرف واحدةً تلو الأخرى».
إحصاءات ومخططات
من جهته،أكد المسؤول في أجهزة الأمن الداخلي إمال كوموات بأن «الكوماندوز» أنقذوا ما مجموعه 610 أشخاص في فندقي «تاج محل» و«أوبروي» بالإضافة إلى المركز اليهودي «ناريمان هاوس».وكشف كوموات خلال مؤتمرٍ صحافي عقده في العاصمة نيودلهي مساء أمس أنه «تم إخراج 300 شخص من تاج محل و250 من أوبروي .
كما أخرجت 12 عائلة تضم ستين شخصاً من المركز اليهودي».وكشف مسؤول هندي رفض الكشف عن هويته في تصريحاتٍ صحافية لوكالة «فرانس برس» أن المسلحين خزنوا الأسلحة والمتفجرات «بشكلٍ مسبق» في فندق أوبروي الذي يرتاده الأثرياء الأجانب وتحديداً النزلاء الأميركيين والبريطانيين.
وذكرت العديد من الصحف الهندية أن منفذي العملية الذين يحملون جوازات سفر باكستانية وبريطانية نزلوا بفندق تاج محل قبل أيام أو أسابيع من الهجمات، في حين أشارت صحيفة «تايمز أوف إنديا» إلى أنهم استأجروا شقة سكنية في المدينة قبل بضعة شهور متظاهرين بأنهم طلبة.
وأصدر«مركز قيادة الكوارث» بياناً نشر فيه إحصائية جديدة لعدد القتلى وصلت إلى 195 قتيلاً و295 جريحاً.وأكد البيان أن عدد القتلى «يزداد مع جمع الجثث من فندقي تاج محل وأوبروي». وبذلك تسدل الستار على واحدة من أفظع العمليات الإرهابية في تاريخ شبه القارة الهندية نفذها عشرة شبان مسلحين ببنادق وقنابل يدوية وصل بعضهم عن طريق البحر وانتشروا عبر مومباي ليل الأربعاء الماضي لم ينج منهم سوى واحد.
آثار المعارك
وعلى إثر انتهاء المعارك رسمياً، سمح لنزلاء جناح «ترايدنت» في فندق أوبروي بالعودة صباح أمس إلى غرفهم المدمرة لجمع متعلقاتهم، فيما ذكر العاملون في الفندق أنهم سيعيدون فتح الجناح يوم الأربعاء المقبل إلا أنهم لن يعيدوا فتح الجناح الآخر لتأثره بشكلٍ كبير من جراء المعارك حامية الوطيس التي دارت بداخله.
وذكر شهود عيان أن الزجاج المهشم غطى قاعة الاستقبال في جناح «ترايدنت» كما ظهرت آثار أعيرة نارية على الجدران والسلالم الزجاجية والطريق المؤدية إلى إحدى الحانات داخل الجناح.
وتهكم أحد الشهود رافضاً الكشف عن اسمه على مشهد لآلة بيانو الموسيقية في بهو الفندق لم يمسسها سوء على الإطلاق رغم امتلاء الأماكن المحيطة بها بآثار الأعيرة النارية. واقتيدت كلاب مدربة إلى الفندق الآخر «تاج محل» الذي شيد قبل 105 أعوام ووصلت عربات إسعاف في وقتٍ ركب فيه آخرون الحافلات بادياً على وجوههم الضيق والإرهاق.
بدوره، هرع رئيس مجموعة شركات «تاتا» المالكة ل«تاج محل» راتان تاتا إليه معرباً عن «صدمته» لما رآه من خراب.وقال أحد مساعدي تاتا ممن تطوع في نقل الطعام إلى قوات الأمن:«صالة الاستقبال في فوضى تامة.كل شيء محطم.لن يتمكنوا من استخدام الأثاث مرة ثانية». وغطت طبقات من اللون الأسود الفاحم واجهة الفندق ذي الأحجار الرمادية وشرفاته التي كانت فيما مضى بيضاء في حين سارع رجال الإطفاء إلى إخماد النيران التي كانت لا تزال تشتعل.
إجلاء الأجانب
إلى ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية في بيانٍ لها أن طائرة استأجرتها فرنسا وعلى متنها 77 أجنبياً نجوا من الاعتداءات وصلت ظهر أمس إلى العاصمة الفرنسية باريس.ولفت البيان الي أن طائرة «الآيرباص» تنقل على متنها معدات طبية طارئة لمساعدة «29 فرنسياً و19 ايطالياً و17 اسبانياً وخمسة ألمان وبولندياً وكازاخستانياً ويونانياً وهولندياً وسويسرياً وجزائرياً وكونغولياً لم يصابوا بأذى».وكان في استقبال الناجين سكرتير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية جان بيار جويه.
تشييع وتعزية
في هذه الأثناء، شيع الآلاف في المدينة المنكوبة ضحايا قتلاهم في جنازةٍ مهيبة تقدمها وزراء ومسؤولون رثوا قائد فرقة مكافحة الإرهاب هيرمت كاركاري الذي قتل برصاصة في رأسه مرددين الشعارات الوطنية.
وكان الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما حاضراً بقوة بعدما هاتف رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ أمس معزياً ومعرباً عن تعاطفه مع ضحايا الهجوم.وكان أوباما أصدر بياناً أول من أمس قدم فيه «أصدق التعازي» إلى عائلات المواطنين الأميركيين الذين قتلوا قائلاً:«صلواتنا مع جميع الذين أصيبوا في هذه المأساة الرهيبة».
وأكد أوباما أن «هؤلاء الإرهابيين الذين يستهدفون مدنيين أبرياء لن ينجحوا في إفشال الديمقراطية الهندية الكبيرة ولن يزعزعوا عزم التحالف العالمي على التصدي لهم».وأشار إلى أن الولايات المتحدة «ستكون إلى جانب الهند وكافة البلدان التي تتعهد بتدمير الشبكات الإرهابية والتغلب على إيديولوجيتها القائمة على الكراهية».
