هذا الكتاب نتاج أبحاث دراسية مكثفة قام بها معهد جالوب، واستغرقت العديد من السنوات فيما بين عامي 2001 و2007 وقد أجرى المعهد عشرات الآلاف من ساعات الحوارات وجهاً لوجه مع سكان أكثر من 35 بلداً، غالبيتهم من المسلمين أو يشكل المسلمون بها مجموعة كبيرة من السكان. وتمثل العينة سكاناً من الشباب والمسنين من المتعلمين والأميين الإناث والذكور من المناطق الحضرية والريفية. وقام المؤلفان بإجراء مسح لعينة تمثل 90% من مسلمي العالم البالغ عددهم 3 .1 مليار شخص، مما يجعل هذه الدراسة أوسع الدراسات التي أجريت على المسلمين وأكثرها شمولاً.

وبعد جمع كل هذه الكمية الهائلة من البيانات، بدأ المؤلفان في محاولة الإجابة عن الأسئلة التي تفرض نفسها على الجميع خاصة في الغرب وتتعلق بماهية جذور معاداة أميركا في العالم الإسلامي :من هم المتطرفون؟ هل يريد المسلمون الأخذ بالديمقراطية ؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف سيكون شكلها؟ وماذا تريد المسلمات؟ وكانت النتائج متعددة وبالغة الدلالة على رأسها أن الصراع بين المسلمين والغرب أبعد من أن يكون حتمياً كما يروج البعض، وأنه لا يعدو أن يكون صراع سياسات لا مبادئ. من الفصل الأول الذي يحاول تعريف المواطن الغربي بالإسلام والمسلمين تبدو لنا الفكرة الأساسية التي يعمل المؤلفان على تأكيدها من خلال كتابهما، حيث يشيران إلى حقيقة أساسية تتمثل في أنه في ظل استثناءات محدودة فإن الإعلام الغربي حينما يتحدث عن الإسلام والمسلمين فإنه يركز على التطرف الديني والإرهاب باعتباره شيئاً أساسياً ينبع من الإسلام، ويدعوان إلى الانتقال خارج نطاق العناوين المثيرة والصورة العنيفة، التي غالبا ما تؤثر في مدركات الغربيين عن الإسلام حتى يتم تفهم المسلمين من خلال نظرة شاملة.

وحسبما يقول المؤلفان: سألنا المسلمين في كافة أنحاء العالم ما الذي يفكرون به حقاً؟ واكتشفنا أنه عندما ندع البيانات تسبق الطرح، يتم الكشف عن عدد من النظرات المعمقة. كان أهم استنتاج من بحوثنا ما يلي: النزاع بين المجتمعين المسلم والغربي بعيد كل البعد عن أن يكون لا مناصاً منه. الأمر يتعلق بالسياسة أكثر منه بالمبادئ. إلا أنه حتى، وما لم ينصت صانعو القرار إلى الشعب مباشرة وليكتسبوا تفهماً دقيقاً حول هذا النزاع فإن المتطرفين سوف يستمرون في تحقيق المكاسب. وفيما يشير إلى حجم التشوه الذي تعانيه صورة المسلمين في الغرب، يذكر المؤلفان أنه في استطلاع أجراه معهد جالوب عام 2005 بين الأسر الأميركية بشأن ما يلقى إعجابهم في المجتمعات المسلمة، فإن النتيجة كانت مذهلة، وهي أنه لا شيء فيما أن الإجابة التي تلتها هي لا أعرف، ومثلت الإجابتان معا غالبية مواقف الأميركيين بنحو 57 % ممن شملهم الاستطلاع.

هنا يضع المؤلفان يديهما على نقطة فاصلة في الموضوع الذي يعرضان له، ويتمثل في حقيقة التنميط الذي يتم تصنيف المسلمين على أساسه حيث إنه فيما يتحدث الكثيرون عن المسلمين بتعبيرات فضفاضة تشمل الجميع نجد أن هناك تأويلات كثيرة للإسلام وسط تنوع يتسم به المسلمون وانتماؤهم إلى جنسيات عديدة وثقافات كثيرة . والخلاصة التي يريد المؤلفان التأكيد عليها هي صفة التنوع التي يتسم بها العالم الإسلامي، ما يجعل إصدار حكم على كل المسلمين على شاكلة تلك الأحكام التي تصدر عنهم في الغرب غير صحيحة.

وعن أهمية الدور الذي يلعبه الدين في حياة المسلمين، يشير المؤلفان إلى أن الكثيرين ينظرون إليه بصفته السمة الرئيسية لهويتهم ومصدر المعنى والهداية والسلوى والحياة في الجماعة وعلى أنه عامل رئيسي لتقدمهم وأن غالبية المسلمين رجالاً ونساء يريدون أن يروا الشريعة مصدراً رئيسياً للتشريع على شاكلة غالبية الأميركيين الذين يريدون أن يكون الإنجيل مصدراً لتشريعاتهم، وفي مجال الإشارة إلى وجود نوع من التماثل يذكر المؤلفان أن كلتا المجموعتين، يؤكدان أهمية القيم الأسرية ولديهم اهتمام كبير بقضايا السلوك الأخلاقي والاجتماعي.

يتطرق المؤلفان بعد ذلك إلى قضية الإسلام والديمقراطية مشيرين إلى الموقف الغربي العام الذي يقوم على أساس عدم توافق الإسلام مع الحداثة عموما والديمقراطية بشكل خاص على نحو يجعل مجموعة منوعة من المسؤولين الأميركيين وأعضاء الكونغرس والخبراء يحذرون من الإسلام، مرددين ما يقوله أمثال صموئيل هنتنغتون وبرنارد لويس من أخطار صدام الحضارات.

ويشير المؤلفان رغم ذلك إلى أن لهذا الاعتقاد جذورا عميقة لدى صناع السياسات والخبراء كما أنه استجابة جزئية لبعض الوقائع السياسية في العالم الإسلامي، حيث ان واحدة فقط من بين أربعة بلدان ذات غالبية مسلمة لديها حكومة منتخبة ديمقراطيا، كما أن الحكام في عدد من البلدان الإسلامية التي تجرى بها انتخابات ديمقراطية مزعومة يفوزون في انتخابات الرئاسة بنسبة تتراوح بين 90% و9 .99 من أصوات الناخبين.

كما أن غالبية حكومات الدول ذات الغالبية المسلمة تتحكم في أحزاب المعارضة والمنظمات غير الحكومية أو تقيدها بقيود صارمة. ويشير المؤلفان إلى أنه على هذه الخلفية قام بوش بالحديث عن أهمية معالجة غياب الديمقراطية في العالم الإسلامي ، وحدد نشر الديمقراطية هدفا أساسيا للسياسة الخارجية الأميركية الأمر الذي صادف تأييدا كبيرا لدى قطاعات ممن جرى مسح أرائهم والذين قالوا إنهم معجبون بحريات الغرب السياسية وأنهم يضفون قيمة كبرى على مزيد من تقرير المصير ويرغبونه .

وهنا يتساءل المؤلفان عن أنه إذا كانت الرغبة في الديمقراطية ليست محل جدل فلماذا لم يصبح الطريق نحو الديمقراطية ممهدا وسريعا؟ والإجابة من واقع استطلاع معهد جالوب حول آراء الذين أجري عليهم الاستطلاع بشأن الديمقراطية وسياسة الولايات المتحدة الخارجية.

في معرض التفسير، يذكر الكتاب أنه من واقع التطورات السياسية على صعيد علاقات الولايات المتحدة بدول المنطقة كان من التوجهات الإستراتيجية لإدارة بوش الجديدة في الشرق الأوسط دعم التحالفات التاريخية للولايات المتحدة مع الأنظمة العربية ذاتها التي قيل ان القمع الذي تمارسه هو المسؤول عن تشجيع حركات التطرف مثل القاعدة، وهو ما راحت معه وزيرة الخارجية الأميركية رايس مثلا تصف مصر والأردن بأنهم قادة مسؤولون وأنهم يشكلون قوة التحالف المعادية لإيران بالمنطقة.

وهنا يشير الكتاب إلى أن الصحافة العربية، على خلفية مثل هذه المواقف الأميركية التي عبرت عنها رايس مثلا تبدد لديها الوهم بشأن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة، ومن ذلك على سبيل المثال أنه في أعقاب الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان عام 2006 وقرار الولايات المتحدة وقف تمويل الحكومة الفلسطينية بعد انتخاب حماس أصبحت الصحافة العربية أعلى صوتا وأكثر صراحة في توضيحها ازدواجية معايير الولايات المتحدة بشأن الديمقراطية.

غير أن المؤلفين يشيران إلى أنه على الرغم من أن الكثيرين في العالم الإسلامي لا يعتقدون أن الولايات المتحدة جادة بشأن نشر الديمقراطية في مناطقهم ،فإنهم يقولون أن الحرية السياسية والتحرر وحرية التعبير هي أكثر ما يحوز إعجابهم في العالم الغربي وتربط نسبة كبيرة من المسلمين بين النظام القضائي المنصف وتمتع المواطنين بحريات كثيرة وبين المجتمعات الغربية.

ينتقل المؤلفان بعد ذلك للبحث في قضية إمكانية ازدهار الديمقراطية في بلدان ذات ثقافات سلطوية، متسائلين هل يمكن أن توجد الديمقراطية حيث يتداخل الدين والسياسة. هنا يشيران إلى أن بيانات الاستطلاع تشير إلى أن غالبات كبيرة ممن استطلع رأيهم في البلدان التي جرى مسحها يقولون بأهمية الإسلام والديمقراطية بصفتهما أساسيين في نوع الحياة التي يريدونها.

وبالنسبة للتقدم المستقبلي للعالم الإسلامي تم المزج بين السياسة والإسلام ابتداء من مصر مرورا بالمغرب، تركيا ، الأردن وصولا إلى باكستان وماليزيا وإندونيسيا حيث فاز المرشحون أو الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية في الانتخابات القومية أو المحلية.

وأما عن سبب غياب الديمقراطية عن معظم بلاد العالم الإسلامي، فيشير المؤلفان إلى أن إجابة هذا السؤال تكمن في التاريخ والسياسة وليس في الدين، فقد استغرق الغرب قرونا كي ينتقل من الملكيات إلى الدول الديمقراطية الحديثة، من ممالك لملوكها حقوق إلهية إلى الدول القومية العلمانية الحديثة. وقد عانى الغرب من حروب أهلية وحروب ثورية أثناء تلك المسيرة وعلى النقيض فالحكومات في العالم الإسلامي التي أوجدت بعد الحرب العالمية الثانية لم يمض عليها سوى بضعة عقود.

وعلى الدرجة نفسها من الأهمية عاش كثير من المسلمين في ظل سلطة الاستعمار الأوروبي في أواسط القرن العشرين حينما أصبحت كثير من البلدان دولا قومية كانت حدود تلك الدول تحدد وحكامها غير المنتخبين يعينون من قبل القوى الاستعمارية أو على الأقل يلقون موافقتها.

كما ساهمت الحدود العشوائية والحكام غير الممثلين لشعوبهم في نشوء دول قومية ضعيفة تحكمها حكومات غير ديمقراطية مما أدى إلى استدامة الثقافة السلطوية . ويقدم المؤلفان في هذا الصدد الكثير من الأمثلة من واقع التجربة الاستعمارية التي تعرضت لها البلدان العربية والإسلامية.

وفي مواجهة ذلك وبأسلوب كاد ألا يلاحظه أحد أعيد التأكيد على حضور الإسلام في السياسة بقوة بدءا من السودان وليبيا وحتى باكستان وماليزيا وقد تسبب الفشل العسكري والسياسي والاقتصادي للحكومات واعتمادها المفرط على الغرب في خيبة أمل على نطاق واسع مما أدى إلى إدانة عملية التغريب الخانقة التي سلبت المسلمين من المصدر الذي يستمدون منه الهوية والقيم ومن ثم وحدتهم وقوتهم.

وعلى ذلك فإنه في نهاية الثمانينات والتسعينات ووسط ضغوط هائلة من الاحتجاجات الجماهيرية على الحالة الاقتصادية المزرية أجرت الحكومات في البلدان الإسلامية انتخابات محدودة تحكمت فيها الدولة، وذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع للمرة الأولى في بعض البلدان، وأدهشوا الجميع حينما أعلن أن المرشحين الإسلاميين والأحزاب الإسلامية هم من حصلوا على أكبر نسبة من الأصوات كمعارضة.

كما يشيران إلى أنه في غضون السنوات الأخيرة هزمت الأحزاب ذات الطبيعة الدينية في العالم العربي منافسيها العلمانيين فيما أثبت المرشحون الإسلاميون نجاحهم وفقا لصناديق الاقتراع في الانتخابات العراقية التي أجريت في العراق نهاية 2005 وحينما أجريت أول انتخابات في الأراضي الفلسطينية فازت حماس بغالبية ساحقة في مقابل فتح والتي كانت في السلطة آنذاك.

كما فازت جماعة الإخوان المسلمين المحظورة بخمس مقاعد مجلس الشعب المصري في سابقة هي الأولى من نوعها. كما حقق حزب العدالة والتنمية في تركيا فوزا ساحقا في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر عام 2002 وهذا حدث نادر في جمهورية علمانية حيث حصد حزب العدالة 363 مقعداً برلمانياً أي عدد يقل أربعة مقاعد فقط عن النسبة التي تخوله سلطة إعادة كتابة الدستور الذي وضعه جنرالات الجيش العلمانيون بعد انقلاب عام 1980.

غير أن الوضع حسبما يشير المؤلفان تغير كثيرا بعد أحداث 11 سبتمبر حيث راح عدد من الحكام في الدول العربية والإسلامية يستخدمون تهديد القاعدة لوصم كل المعارضين بأنهم متطرفون وللتحكم في الانتخابات ولإضفاء الشرعية على حكوماتهم السلطوية. ومن ذلك أن زعيما مسلما نكث بوعده إلغاء قانون الطوارئ في بلاده بذريعة وجود اعتبارات أمنية وأخذ يدعو شعبه إلى تذكر أنهم يعيشون في منطقة مشتعلة وأنه عليهم أن يقدروا أن بلدهم مستهدف من وقت لآخر.

المؤلفان في سطور

ــ جون أسبوزيتو مفكر وباحث أميركي متخصص في دراسة تاريخ الإسلام والمسلمين، وهو من أصحاب الخبرة العميقة بحركات الإسلام السياسي المعاصرة في العالم وأسس في هذا الخصوص مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورجتاون.

ــ يعد من أصحاب الرؤى المعتدلة لماهية العلاقة بين الإسلام والغرب ، ولعل هذا هو سبب تسميته «حامل راية الإسلام». أصدر من قبل أكثر من عشرة كتب في مجال تخصصه منها «التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة» وكتاب «الحرب غير المقدسة الإرهاب باسم الإسلام».

ــ أما داليا مجاهد المؤلفة المشاركة فهي باحثة أميركية عربية الأصل، وتدير مركز غالوب للدراسات الإسلامية وتعيش في واشنطن.

الصفحات: 204 صفحات (متوسط)

الكتاب: من يتحدث باسم الإسلام؟

الناشر: جالوب برس، نيويورك 2008

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق