تعاني وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) من أزمة شديدة في التمويل إزاء رفض الحكومة الفيدرالية تمويلها بالميزانية المطلوبة ، بينما أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية رسميا بأنها تعاني من أزمة مالية حادة تضطرها لتأجيل برامجها حتى العام 2013، و كلا الطرفين الأوروبي والأميركي يضعان أمالا كبيرة على روسيا التي باتت منفردة ببرنامج المحطة الدولية الدائمة وأيضا ببرامج الإعداد لرحلات القمر والمريخ .

رئيس وكالة الفضاء الروسية أناتولي بيرمينوف صرح بأن روسيا لا تستطيع مساعدة وكالة الفضاء الأوروبية في تنفيذ برامجها، وخاصة برنامج استكشاف المريخ، وأضاف بأن الوكالة الأوروبية تواجه عجزا ماليا حادا و خسائر كبيرة أدت إلى تأجيل برامجها الفضائية خمس سنوات بعد أن رفضت الحكومات الأوروبية الإنفاق على برامج الفضاء في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية. وقال بيرمينوف إن روسيا لن تتخلى عن التزاماتها السابقة تجاه الوكالة الأوروبية وغيرها من وكالات الفضاء الأخرى. وخاصة ما يتعلق بعمل المحطة الفضائية الدولية التي بات واضحا أن روسيا ستتكفل وحدها بنقل الشحنات ورواد الفضاء إليها ربما حتى العام 2016، بعد أن أعلنت وكالة «ناسا» الأميركية أنها ستوقف رحلاتها للمحطة الفضائية قريبا لأن الحكومة الأميركية ترفض الإنفاق على إعداد مركبة جديدة قبل خمسة أعوام مقبلة ، وأضاف بيرمينوف إن روسيا ليس لديها مانع من تحمل المسؤولية والإنفاق وحدها ولكن هذا بالقطع سيرتب حقوقا أخرى غير المتفق عليها من قبل.

وفي الوقت الذي امتنعت فيه الحكومات الأميركية والأوروبية عن تمويل برامج الفضاء ، أعلن سيرغي إيفانوف نائب رئيس الوزراء الروسي أن الحكومة الروسية قررت زيادة تمويل برامج الفضاء الروسية بأربعة مليارات من الدولارات لعام 2009. وأضاف إيفانوف إن برامج الفضاء لا يمكن إيقافها أو تأجيلها تحت أي ظرف من الظروف. وفي اجتماع مخصص لبحث تطوير قطاع الفضاء الروسي في مطلع نوفمبر الجاري حضره رئيس الوزراء فلاديمير بوتين وطالب المسؤولين عن القطاع بتسريع عملية إعداد وتنفيذ البرنامج الخاص باستخدام الدراسات والبرامج الفضائية في تنمية وتطوير الأقاليم الروسية، وقال بوتين إن البرنامج الفضائي الروسي يجب أن يخدم الاقتصاد وأن تصل خدماته للمواطنين الروس، كما يجب أن يستخدم بفاعلية في مجال الأمن القومي.

موسكو تفرض شروطها

يذكر أنه حتى منتصف العام الماضي 2007 كان هناك حماس لدى العديد من الدول الكبيرة لغزو الفضاء والإعداد لرحلات للقمر والمريخ حيث أعلنت وكالة الفضاء الأميركية في أوائل ديسمبر 2006 أنها تستعد لإرسال سفينة فضاء مأهولة إلى القمر في العام 2017 .

وفي الأسبوع نفسه أعلنت وكالة الفضاء الأوروبية التابعة للاتحاد الأوروبي أنها تنوى إرسال رحلة مأهولة للقمر في العام 2018 وأعلن بعدها اليابانيون أنهم يعدون لرحلة مأهولة للقمر في العام 2019 وفي السابع من الشهر نفسه أعلن الناطق الصحافي باسم وكالة الفضاء الروسية إيغور بانارين عن أن روسيا ستطلق جهازاً فضائياً لاستكشاف القمر العام 2012 لتحديد المكان الذي سيستقبل سفينة الفضاء الروسية المأهولة في العام 2015 .

أما الصينيون فقالوا إنهم يأملون في المشاركة في الرحلة الروسية وكذلك الهنود، هذا الحماس للذهاب إلى القمر فتر تماما في العام الماضي مع بداية ظهور بوادر الأزمات المالية ومع ارتفاع أسعار النفط ، ثم جاء إعلان الحكومة الأميركية حول إيقاف تمويل برامج الفضاء العلمية والاقتصار على تمويل برامج الفضاء التي تخدم الاقتصاد والأمن الاميركي فقط ، الأمر الذي وضع وكالة ناسا الاميركية للفضاء في مأزق، واضطرها لتقديم طلب لوكالة الفضاء الروسية لقبول مشاركتها معها في الإعداد للرحلة المأهولة للقمر.

وصرح رئيس الوكالة الروسية بيرمينوف بأن الوكالة تدرس عرضا من وكالة ناسا الأميركية للمشاركة في رحلة مأهولة للقمر، وأن العرض محل دراسة وسوف ترد عليه الوكالة الروسية بعد بضعة شهور، وعلى ما يبدو أن الرد الروسي جاء سلبيا، حيث قال بانارين إن الوكالة الروسية على استعداد لقبول التعاون مع «ناسا» ولكن بشروط أساسية على رأسها تحقيق مبدأ التكافؤ من حيث الإمكانات والنتائج والكلفة، وألا يستفيد طرف على حساب الطرف الآخر، ومازال الرد الروسي معلقا في انتظار عرض أفضل من وكالة ناسا.

عجز وكالة ناسا

ومن المعروف أن روسيا والولايات المتحدة تشاركان ضمن 14 دولة في برنامج المحطة الفضائية الدولية التي بدأ تأسيسها في العام 1998، وبعد تكرار حوادث انفجار مركبات الفضاء الأميركية وآخرها مكوك الفضاء كولومبيا في فبراير 2003 ومصرع رواده السبعة، تقلص الدعم المالي من الحكومة الأميركية لبرنامج الفضاء الأميركي، وظهر توجه في الرأي العام وداخل الكونغرس يطالب بالعدول عن الرحلات المأهولة للفضاء .

وكتبت صحيفة «واشنطن بوست» تقول إن «العجز في موازنة وكالة ناسا وصل إلى تسعة مليارات من الدولارات والبيت الأبيض يرفض بشكل قاطع اعتماد نفقات جديدة للفضاء، خصوصاً أن الإنفاق الأميركي على رحلات الفضاء على مدى نصف قرن يفوق أضعاف ما أنفقته باقي دول العالم كلها بما فيها روسيا والصين في هذا المجال».

وفي هذا السياق، يقول مدير وكالة «ناسا السابق» شون أوكيف الذي قدم استقالته بسبب المشاكل الداخلية في الوكالة عبر في مؤتمر مونتريال لأبحاث الفضاء عن شكره العميق لوكالة الفضاء الروسية قائلا إن الروس «تحملوا عبئا كبيرا بعد حادث المركبة كولومبيا ولولاهم وبدونهم ما كان ممكنا للمحطة الفضائية الدائمة أن تستمر في عملها، فقد تولوا وحدهم عبء توصيل الرواد والمعدات للمحطة».

وقال أوكيف إن الحكومة الأميركية فكرت بعد حادث كولومبيا في الانسحاب من برنامج المحطة الدائمة لكنها عدلت عن القرار بعد أن أخبرناهم أن هذا سيعني حرماننا من كل الأبحاث الخاصة بالقمر والمريخ.

ويقول الخبير في معهد أبحاث الفضاء في موسكو يوري زايتسيف: «نحن متفوقون في الأبحاث العلمية على القمر والمريخ لأننا لم نتوقف عن عملنا طيلة ثلاثة عقود مضت بينما وكالة ناسا توقفت أكثر من مرة ولعدة سنوات بسبب كوارث مركباتها وبسبب النفقات المالية الباهظة.

فهم ينفقون على أبحاثهم ورحلاتهم نحو عشرة أضعاف نفقاتنا، لكن مع ذلك فنحن لا يمكننا الاستمرار وحدنا إذا ما فكرنا في رحلة مأهولة لكوكب المريخ، حيث تستمر الرحلة نحو 730 يوما وتقدر نفقاتها بعشرات المليارات من الدولارات، أما رحلة القمر فربما نتولاها بمفردنا لأن إمكاناتنا تسمح بذلك وربما نتعاون مع دول أخرى مثل الصين التي طلبت ذلك».

وكانت روسيا عرضت في معرض لامبورجيه الفرنسي للفضاء في يونيو 2005 نموذجا طبق الأصل لمركبة الفضاء التي ستنطلق إلى القمر في العام 2015 والتي أطلق عليها الروس اسم «كليبر»، وانبهر الحضور في المعرض من إمكانات المركبة، وقال رائد الفضاء الأميركي توماس ستافورد إنه لا توجد دولة لديها إمكانات صناعة مثل هذه المركبة الآن سوى روسيا.

أما المحلل السياسي الروسي في وكالة «نوفوستي» ألكسي موخين فيقول إنه «يبدو أن الأميركيين وقعوا ضحية للجشع، فهم أعلنوا عن استعدادهم لتنفيذ وفرة من المشاريع ولكنهم لم يدرسوا الإمكانات المتاحة لهم. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية اضطرتهم إلى تقليص طموحاتهم، فليس مستبعداً أن يضطروا إلى التخلي عن مشاريعهم الطموحة في الفضاء في وقت قريب.

وفي المقابل ستذهب روسيا إلى زيادة الإنفاق على صناعات الفضاء العسكرية والمدنية، والفارق بيننا وبينهم ، أنهم يفكرون قبل كل شيء في العائد المادي والأرباح، أما نحن فنفكر في مصلحة الوطن و مستقبل شعبنا».

الفضاء بين الدولة ورأس المال

كشفت الأزمة المالية العالمية عن ثغرة كبيرة وعيب جوهري في نظام رأس المال الحر الذي يعمد إلى تهميش دور الدولة. هذا النظام الذي لا يترك للدولة فرصة لبناء مستقبل الأجيال المقبلة فالنظام الرأسمالي لا يؤمن بالتاريخ ولا يفكر في المستقبل البعيد، وبالتالي فلا مجال في ظل هذا النظام لوضع خطط واستراتيجيات لسنوات طويلة.

كما أنه لا مجال فيه للإنفاق على البحث العلمي إلا بقدر ما يحققه من عوائد وأرباح مادية ومساهمة في تنمية الإنتاج الصناعي وزيادة أرباحه، أما البحث العلمي طويل المدى، وخاصة منه ما يحتاج لنفقات كبيرة، فلا يثير حماس النظام الرأسمالي، وأبرز مثال على هذا النوع أبحاث واكتشافات الفضاء، هذه النوعية من الأبحاث لا تحظى باهتمام النظام الرأسمالي إلا في أوقات الرخاء والوفرة في الأموال، أما في أوقات الأزمات فتكون هذه النوعية من الأبحاث في أسفل قائمة الاهتمامات.

هذا ما حدث ويحدث في الولايات المتحدة الأميركية الآن، حيث رفضت إدارة الرئيس بوش خلال السنوات الثلاث الماضية تقديم الدعم المالي اللازم لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) لتواصل عملها في أبحاث القمر والمريخ والفضاء بشكل عام.

وبلغ التبجح ببعض أعضاء الكونغرس الأميركي أن طالبوا الوكالة بأن تمارس أبحاثاً تجارية تفيد السوق وووسائل الإنتاج، وبعضهم بالغوا في سخريتهم أن طالبوا لوكالة بأن تعمل في مجال الترويج والإعلانات لمنتجات الشركات لتوفر لنفسها نفقات البحث العلمي، وهذا الحديث عادة ما يدور في أروقة الكونغرس والبيت الأبيض بعد وقوع حادثة أو كارثة فضائية، مثل حادثة المكوك الفضائي كولومبيا وانفجاره ومصرع رواده السبعة في العام 2003.

ومن قبله حادث المركبة تشالينجر في العام 1986 ومن قبلها المركبة أبوللو العام 1967، الأمر الذي دفع الحكومة الأميركية إلى تقليص ميزانية وكالة «ناسا» حتى أصبحت غير قادرة حتى على مواصلة رحلاتها للمحطة الدولية الفضائية.

الأمر في روسيا يختلف تماما، حيث لم تتوقف أبحاث الفضاء وإطلاق المركبات الفضائية الروسية، حتى في أوقات الأزمات الشديدة والانهيار الاقتصادي في سنوات التسعينات من القرن الماضي، والفارق بين البلدين هو دور الدولة.

حيث تأخذ الدولة في روسيا على عاتقها مسؤولية الحاضر والمستقبل معا، وتضع خطط التنمية طويلة المدى وتسخر الوسائل والجهود لتنفيذها، ولا تعير الدولة في روسيا في مجال البحث العلمي اهتماما للعائد المادي والأرباح، بل تضع نصب أعينها مهمة الإنجاز العلمي من أجل التنمية ومن أجل الأجيال المقبلة، وهذا ما يحدث الآن في موسكو، وفي ظل الأزمة المالية العالمية حيث خصصت الحكومة الروسية ميزانية إضافية لأبحاث الفضاء تزيد على أربعة مليارات من الدولارات.

و ليس غريبا أن تلجأ وكالة الفضاء الأوروبية و«ناسا» الأميركية للوكالة الروسية لتقبل التعاون معهما في ظل رفض الحكومات الغربية الرأسمالية الإنفاق على الفضاء.

إنه الفارق بين النظامين، نظام إشراف الدولة وهيمنتها، والنظام الرأسمالي المؤمن بالحرية المطلقة لرأس المال يفعل ما يشاء دون تدخل من الدولة، حتى لو كان ذلك على حساب العلم ومستقبل الوطن والأجيال.

د. مغازي البدراوي

elmoghazy@hotmail.com