ينتظر أن تشكل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تونس، والتي من المقرر أن تجري في أكتوبر من العام 2009، أن تشكل مفصلا مهما في الحياة السياسية التونسية لعدة اعتبارات أبرزها الإستعدادات المبكرة للحزب الحاكم التجمع الدستوري الديمقراطي الذي أعلن رسميا عن ترشيح رئيسه زين العابدين بن علي وانتهى مؤتمره الذي انعقد في شهر يوليو الماضي تحت شعار التحدي بجملة من الخطوات التي تمنح الجيل الجديد في الحزب فرصة للعمل السياسي من أوسع أبوابه.
وذلك بتوسيع اللجنة المركزية وتطعيمها بعناصر شبابية وتعيين أحد الكفاءات الشابة من الجيل الجديد أمينا عاما للحزب في رسالة واضحة لدعم القيادات الشابة التي يراهن عليها الحزب الذي يناهز عمره قرنا أمضى نصفه في الحكم. ولعل هذه الشرعية التاريخية والنضالية والمراحل التي مر بها التجمع الذي بات جزءا من تاريخ البلاد هي التي تقف اليوم بقوة وراء دعم ترشح الرئيس ابن علي الذي يرى فيه التجمعيون مصلحة لحزبهم بعد أن كاد يتداعى في نهايات الثمانينات تحت وقع الأزمات المختلفة.
لذلك تبدي القيادة الحزبية هذه الأيام نشاطا غير اعتيادي في الداخل والخارج لحشد الصفوف وترتيب البيت الداخلي استعدادا لانتخابات يراها التجمع حاسمة لقياس تأثيره الفعلي في الشارع التونسي..
فيما تراهن المعارضة على تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية في البلاد التي تطورت بشكل ملحوظ في العقدين الماضيين مما دفع بالكثيرين إلى الانصراف بعيدا عن الشأن السياسي أو التحاقهم بصفوف الحزب الحاكم نظرا لغياب برامج واضحة لأحزاب المعارضة التي بالكاد تجد ما تطالب به الحكومة وكثيرا ما تقف إلى صفها في خطوات مساندة قد تزايد فيها على الحزب الحاكم نفسه.
ترشيحات متزايدة
ولعل آخر مستجدات في سياق الاستعدادات للاستحقاق الرئاسي إعلان حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي المعارض أن مكتبه السياسي اقترح ترشيح أمينه العام أحمد الأينوبلي لخوض سباق الانتخابات.
وتأسس هذا الحزب في الثالث والعشرين من نوفمبر من العام 1988، أي بعد نحو عام من وصول الرئيس بن علي إلى السلطة، وبعد أكثر من نصف قرن من تأسيس الحزب الحر الدستوري (التجمع حاليا).
وأشار حزب الإتحاد الديمقراطي الوحدوي في بيانه إلى أن مكتبه السياسي اقترح أيضا خلال اجتماع موسع عقده أخيرا «المشاركة» في كل الدوائر التشريعية بالنسبة للانتخابات التشريعية.
وهذه المشاركة ليست الأولى لهذا الحزب الذي يصفه خصومه بالموالاة للسلطة والسير في ركابها فقد شارك منذ العام 1989، في كل الانتخابات التي جرت في تونس، كما خاض أيضا تجربة الانتخابات الرئاسية، حيث خاض أمينه العام في ذلك الوقت عبد الرحمان التليلي السباق الرئاسي في عام 1999، وحصل على 23 .0 في المئة فقط من أصوات الناخبين.
أما في العام 2004 فتغيب حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي عن الانتخابات الرئاسية ولكنه شارك في الانتخابات التشريعية، حيث حصل على سبعة مقاعد في البرلمان وبهذا الإعلان يكون الأينوبلي المعارض التونسي الثاني الذي تنطبق عليه الشروط القانونية بموجب التعديل الدستوري الاستثنائي الذي أدخل عليها، الذي يعلن ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، على اعتبار أن المعارض محمد أبو شيحة الأمين العام لحزب الوحدة الشعبية هو أول من أعلن ترشحه لخوض هذه الانتخابات في الأول من سبتمبر.
وحزب الوحدة الشعبية يعد الأقدم نسبيا قياسا بالإتحاد الديمقراطي الوحدوي، إذ نشأ في بداية الثمانينات حينما قرر الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة التعددية الحزبية ثم سرعان ما عدل عنها ليدخل الحزب في العمل غير القانوني حتى العام 1987 حينما وصول ابن علي وأقر حق المشاركة السياسية لأحزاب المعارضة ومحمد بوشيحة ترشح فعليا في انتخابات 2004 وحصل على نسبة ضئيلة من الأصوات وعلى عدد من المقاعد في البرلمان .
وفيما لم تعلن أحزاب أخرى ممن يتيح لها القانون عن مرشحيها وهي حركة الديمقراطيين الاشتراكيين أعرق الأحزاب المعارضة في تونس وحركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقا) والذي كان شارك مرشحه محمد الحلواني في الانتخابات الرئاسية السابقة وعاد من الغنيمة بالإياب فإن التعديل الدستوري الأخير جاء ليحدد الترشحات لرئاسة الجمهورية.
وصادق البرلمان في وقت سابق على قانون جديد لتوسيع قاعدة المشاركة في الاستحقاق الرئاسي، يتيح بشكل استثنائي إمكانية أن يترشح للانتخابات الرئاسية المسؤول الأول عن كل حزب سياسي شرط أن يكون منتخبا لتلك المسؤولية وأن يكون يوم تقديم ترشحه مباشراً لها منذ مدة لا تقل عن سنتين متتاليتين وتنطبق شروط هذا التعديل على كافة الرؤساء والأمناء العامين لأحزاب المعارضة المعترف بها.
باستثناء حزبي الخضر للتقدم، والتكتل من أجل العمل والحريات على اعتبار أن أمينيهما العامين ليسا منتخبين فيما أعلن المنذر ثابت أمين عام الحزب الاجتماعي للتقدم (ليبرالي) وهو حزب ممثل في البرلمان نيته عدم الترشح للرئاسيات مركزا على الانتخابات التشريعية .
في الطرف المقابل يشكل موقف التجمع الديمقراطي التقدمي فارقة مهمة في المشهد السياسي التونسي فقد دعا مرشح الحزب المحامي أحمد نجيب الشابي إلى جعل العام المقبل مناسبة لإعادة النّظر في الدستور. كما دعا الشابي إلى عقد مؤتمر أو ندوة دستورية تأخذ في الاعتبار درجة النّضج التي بلغها الشعب التونسي، وتفتح له أفقا وأملا جديدين.
متمنيا من كل الفاعلين السياسيين في البلاد التفاعل بإيجابية مع مقترحه، ليكون المؤتمر الدستوري عنوانا لتأسيس جمهورية ثانية وهي الدعوات التي يرددها قادة المعارضة الراديكالية التي تترفع عن الاعتراف حتى بالنجاحات الملموسة التي تحققها الحكومة.
لهجة معارضة شديدة
إلا أن الحزب الديمقراطي والذي يعتمد لهجة شديدة في معارضة الحكومة ودخل في مناسبات عديدة في صراعات اتخذت أبعادا خطيرة بلغت حد إضراب نجيب الشابي والأمينة العامة للحزب عن الطعام لما يزيد عن شهر احتجاجا على ما وصف «بحرب المقرات» اعتمد تكتيكا جديدا في نزاله مع السلطة السياسية فقد أعلن الحزب تمسكه بترشيح أحمد نجيب الشابي للرئاسيات فيما القانون يتيح لخليفته مية الجريبي هذه الفرصة باعتبارها الأمينة العامة المنتخبة للحزب.
لكن اللجنة المركزية للحزب التي انعقدت بداية هذا الشهر، شددت على مواصلة ترشيح الشابي للانتخابات القادمة رغم أن التعديل الدستوري الأخير الذي أقره مجلس النواب التونسي في يوليو الماضي لا يسمح له بالترشح للمنافسة على رئاسة الجمهورية.
وتأتي هذه الخطوة لتسهم في الجدل الدائر وفي عملية الاستقطابات التي باتت تطبع الحياة السياسية في تونس والتي يطال فيها الجدل مختلف النواحي الدستورية والتشريعية في البلاد والتي يراهن فيها الشابي على ما يسميه حقه في خوض المعركة حتى النهاية وهو مبدأ ترفضه السلطة التي تتمسك في دفاعها عن التعديل الدستوري بكونه يسمح بتوسيع المشاركة السياسية وتعدد الترشحات لأهم منصب في تونس .
بن علي .. من المقاومة إلى السلطة
ولد زين العابدين بن علي مرشح التجمع الدستوري الديمقراطي للانتخابات الرئاسية المقبلة يوم 3 سبتمبر 1936 بحمام سوسة بالساحل التونسي وحين كان تلميذا بمعهد سوسة انخرط بن علي في النضال ضمن الحركة الوطنية منسقا بين الهياكل الجهوية للحزب الدستوري الجديد والمقاومة المسلحة، الأمر الذي أدى إلى سجنه ثم طرده من كل المؤسسات التعليمية بتونس وتقديرا لمؤهلاته وقدرته العالية على العمل قرّر الحزب إرساله إلى فرنسا فأصبح عنصرا من النواة الأولى لما سيكون في ما بعد«الجيش الوطني».
نال بدءا شهادة المدرسة المختصة للجيوش ب«سان سير»، ثم أحرز شهادات من مؤسسات أخرى لا تقل أهميّة هي : مدرسة المدفعية بـ «شالون سور مارن» في فرنسا والمدرسة العليا للاستعلامات والأمن ومدرسة المدفعية المضادة للطيران بالولايات المتحدة الأميركية. كما تحصّل على شهادة مهندس في الإلكترونيك عهد لبن علي بتأسيس إدارة الأمن العسكري سنة 1964 حيث أشرف على تسييرها لمدة عشر سنوات. وحين عُيّن ملحقا عسكريا بالمغرب وإسبانيا التحق بالرباط سنة 1974. ثم عين بديوان وزير الدفاع قبل أن يضطلع بمهام مدير عام للأمن الوطني في ديسمبر 1977.
وفي إبريل 1980 عيّن سفيرا بفرصوفيا. وفي نهاية مهامه ببولونيا دعي مجددا في جانفي 1984 ليتولى خطة مدير عام للأمن الوطني، وليتولى في مرحلة ثانية مهام كاتب دولة للأمن الوطني في 29 أكتوبر 1984 ثم وزيرا للأمن الوطني في 23 أكتوبر 1985.
وفي 28 أبريل 1986 أصبح وزيرا للداخلية. وفي يونيو من نفس العام أصبح عضوا في الديوان السياسي للحزب الاشتراكي الدستوري ثم أمينا عاما مساعدا للحزب، بعد أن ارتقى إلى رتبة وزير دولة مكلف بالداخلية وذلك في ماي 1987. وفي 2 أكتوبر من نفس السنة عُيّن، وهو في الواحدة والخمسين من عمره، وزيرا أوّل مع الاحتفاظ بحقيبة الداخلية.
كما أصبح أمينا عاما للحزب الاشتراكي الدستوري في ظرف تميز بالتوتر السياسي والاضطرابات الاجتماعية والتدهور الاقتصادي بسبب وهن الرئيس السابق الحبيب بورقيبة وعجزه عن إدارة شؤون البلاد وهو في الرابعة والثمانين من عمره وبالاستناد إلى تقرير طبي محرّر من قبل سبعة أطباء مباشرين للرئيس بورقيبة يقرّ عجزه التام عن الاضطلاع بمهامه، وعملا بالفصل 57 من الدستور، تولى الوزير الأول زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987 رئاسة الدولة، وتم انتقال السلطة في كنف الهدوء التام واحترام الشرعية الدستورية.
وفي سابقة غير معهودة اهتم بن علي برعاية الرئيس السابق الحبيب بورقيبة باعتباره أول رئيس للجمهورية وتقديرا لتضحياته التي قدمها من أجل استقلال تونس وبناء الدولة العصرية.
استقطاب
الرهان المقبل مشاركة المرأة والشباب
في الانتخابات التشريعية التونسية الماضية بلغت نسبة النساء النائبات في البرلمان 75 .22 في المئة، بينما كانت 5 .11 في المئة العام 1999، و 5 .6 في المئة 1986. أما في «مجلس المستشارين» الغرفة البرلمانية الثانية التي أحدثت في صيف 2005 فتعادل نسبة تمثيل المرأة بها 19 في المئة كما تشغل امرأتان خطة النائب الثاني لرئيسي كل من مجلس النواب ومجلس المستشارين وفي الحزب الحاكم حظيت المرأة بحضور بارز خاصة في الهياكل القاعدية والقيادية للتجمع الدستوري الديمقراطي إذ أنها تمثل اليوم قرابة ثلثي المنخرطين و21 في المئة من هياكله القاعدية و 4 .26 في المئة من أعضاء لجنته المركزية. ومنذ الاستقلال في العام 1956 والمرأة التونسية تتمتع بحق التصويت، وبالتالي فإن الانتخابات المقبلة ستشهد أعدادا متزايدة من النساء ضمن قوائم المترشحين أما العنصر الجديد في هذه الانتخابات فهو دخول نصف مليون شاب ضمن قوائم الناخبين وهي الفرصة التي منحها التعديل الدستوري الأخير في خطوة لاستقطاب الشباب وتشجيعه على دخول معترك الحياة السياسية.
تأشيرة زيارة
استحقاق مبكر
قبل سنة من موعدها المقرر انطلقت في تونس حملة الانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني، وإذا كان الأمر محسوما بالنسبة لإعادة انتخاب الرئيس التونسي زين العابدين لولاية رابعة بالنظر إلى ما حققه في العقدين الماضيين من إنجازات غيرت أوجه الحياة في البلاد على جميع الصعد، مستندا إلى قوة سياسية بات في حكم المستحيل منافستها.
وهي حزب التجمع الدستوري الحاكم الذي يضم أكثر من مليوني عضو يمثلون خمس سكان البلاد، فإن الساحة السياسية التونسية تشهد هذه الأيام حراكا لم تعهده من قبل، فقادة الأحزاب السياسية ومختلف أطياف المجتمع المدني يتحركون في مدن وقرى البلاد بالطول والعرض، في محاولة حشد غير مسبوقة لكسب الأنصار والتبشير ببرامج وخطط يسعى السياسيون إلى ترجمتها على أرض الواقع في السنوات الخمس التي تلي الانتخابات.
ويبدو في هذا الحراك كما لو أن التجمع الدستوري الديمقراطي استشعر أهمية هذا التحرك خاصة بعد إعلان النوايا الذي أبدته بعض أحزاب المعارضة في تركيز جهودها على الانتخابات التشريعية، واستفادتها من فرصة تعدد الترشحات الرئاسية التي يتيحها الدستور في البحث عن مواطئ قدم لحضورها الميداني فسارعت قيادات التجمع إلى عقد لقاءات شعبية في مختلف مدن البلاد لتؤكد التصاق الحزب الحاكم بواقع حياة الناس اليومي. وفي خلفية الصورة خطوات انفتاح أقدمت عليها القيادة السياسية في صمت محاولة منها لتنقية الأجواء السياسية بإطلاق سراح آخر دفعة من معتقلي حركة النهضة الإسلامية المحظورة من السجون.
وهو ما ساهم في رفع وتيرة الجدل السياسي الدائر في الأوساط السياسية بشأن أبعاد هذه الخطوة، وانعكاساتها على المشهد السياسي التونسي الذي يعيش مرحلة غير مسبوقة من نقاشات اتسع نطاقها لتخرج من الصالونات السياسية إلى أعمدة الصحف التونسية ومواقع الإنترنت.
مما يعطي زخما لانتخابات 2009 التي بدأ التونسييون يعيشون على إيقاعها منذ إعلان الرئيس التونسي زين العابدين بن علي رئيس التجمع الترشح رسميا لها وهو الإعلان الذي أعقبه ترشح كل من أمين عام حزب الوحدة الشعبية محمد بوشيحة وأحمد الإينوبلي أمين عام الاتحاد الديمقراطي الوحدوي في انتظار ترشحات أخرى حددها التعديل الدستوري الأخير.
وأيا تكن النتائج فإن المشهد الانتخابي التونسي يبدو مختلفا هذه المرة، حيث تبدي أحزاب المعارضة وللمرة الأولى جدية غير مسبوقة في التعامل مع استحقاق وطني ينتظر أن يحدد مصير بقائها.
فالقانون الانتخابي أتاح في تونس وللمرة الأولى لمن تفوق أعمارهم ثمانية عشر عاما التصويت، وهو ما يعني انضمام نصف مليون تونسي من الجيل الجديد للقوائم الانتخابية، وهم من يسمون في تونس «جيل التغيير» بامتلاكهم لأدوات وتقنيات ومعارف جديدة قد تتجاوز ما اعتادت عليه الأحزاب السياسية من أساليب باتت تقليدية، والرهان في الانتخابات التونسية المقبلة على ناخب يصوت للمرة الأولى في حياته وبإمكانه خلط جميع الأوراق وقلب المعادلات وهو ما يجعل الاستحقاق الانتخابي فيصلا في رسم ملامح تونس مستقبلا.
محمد الحناشي

