في السادس من نوفمبر الجاري، وبشكل لم يكن مفاجئاً، أقرت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس باستحالة التوصل إلى اتفاق سلام هذا العام، الامرالذي يعني بشكل صريح، إعلان وفاة رسمي لرؤية الرئيس الاميركي جورج بوش، الخاصة باقامة دولتين فلسطينية واسرائيلية تعيشان جنبا الى جنب، وإنهاء هذا الصراع المستمر منذ عقود عدة.

هذه الرؤية التي تبناها بوش في عامه الاخير في الحكم، لينفي عن نفسه تهمة تجاهل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي طوال فترة رئاسته المستمرة منذ ثماني سنوات،كان جند لها مؤتمر سلام كبيراً قبل عام وبالتحديد في مثل هذا اليوم من العام الماضي، وهو مؤتمر أنابوليس للسلام ،الذي كان عبارة عن نسخة مصغرة من مؤتمر والده (بوش الاب) الذي رعى انطلاقته عقب انتهاء حرب الخليج الاولى في عام 1991، وهو مؤتمر مدريد للسلام.

في هذا المؤتمر(أنابوليس) وضع بوش عدة اهداف- قالها في البيان الختامي للمؤتمر-اراد تحقيقها من اجل جعل حل الدولتين، حقيقة ماثلة على الارض..هذه الاهداف هى:

* إطلاق المفاوضات الثنائية فورا وبحسن نية، من أجل التوصل إلى معاهدة سلام تحل جميع القضايا العالقة بما في ذلك كافة القضايا الجوهرية من دون استثناء، كما نصت على ذلك اتفاقيات سابقة.

* الدخول في مفاوضات مكثفة ومستمرة ومتواصلة، والتعهد ببذل كل جهد مستطاع من أجل التوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام 2008.

* يلتزم الطرفان (الفلسطيني والاسرائيلي) بالشروع فورا في تنفيذ الالتزامات المترتبة على كل منهما بموجب خريطة الطريق، القائمة على العمل من أجل التوصل الى حل دائم يتمثل بوجود دولتين، ويضع حدا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بناء على قرار اللجنة الرباعية الدولية من يوم 30 أبريل 2003 ـ ما يسمى خريطة الطريق - كما يتفق الطرفان على تشكيل آلية أميركية فلسطينية إسرائيلية بقيادة الولايات المتحدة، بغية متابعة تطبيق خريطة الطريق.

* يلتزم الطرفان كذلك بمواصلة تنفيذ الالتزامات المترتبة على خريطة الطريق، إلى أن يتوصلا إلى معاهدة سلام. وستقوم الولايات المتحدة بالمراقبة والحكم فيما يتعلق بوفاء كلا الجانبين بالتزاماتهما بموجب خريطة الطريق.

كان بوش بالفعل مفعما بالامل في احراز تقدم او انجاز يسجل له، خاصة وان فترته الرئاسية كانت مليئة بالحروب والدماء، لكنه لم يع ان هذا الملف هو ملف شائك ومعقد، وتشعباته يعجز أمهر الدبلوماسيين عن ايجاد حل لها. ليس هذا فحسب، بل انه لم يدرك ان هذا الصراع يديره التراث التاريخي والديني، والذي من الصعوبة بمكان الوصول الى حل توافقي بشأنه حتى في أقل تفاصيله الصغيرة.

فالطرفان الفلسطيني والاسرائيلي دخلا الى« أنابوليس» وبينهما هوة شاسعة ازاء العديد من القضايا المهمة. فالبنسبة لقضية الامن ترى اسرائيل انه لن يتم تنفيذ أي اتفاق قبل أن يفكك الفلسطينيون الفصائل، فيما يقول الفلسطينيون ان الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية يعرقل جهودهم.

وبشأن الحدود اعرب رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت بشكل غير رسمي عن استعداده للتخلي عن »أكثر من 90«في المئة من أراضي الضفة الغربية بالاضافة الى قطاع غزة بالكامل في اطار اتفاق سلام نهائي.

كما انه سيعرض على الارجح 92 في المئة على الاقل من أراضي الضفة الغربية مع اجراء مقايضة لاراض لتعويض الفلسطينيين عن كتل استيطانية يهودية ستصبح جزءا من اسرائيل.

في المقابل يطالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس «ابومازن» بما يساوي مئة في المئة من مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة وهي مساحة من الارض يقول ان اجماليها قدره 6205 كيلومترات مربعة. وهذه هي مساحة الارض الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل في حرب1967. لكن عباس أثار أيضا احتمال ادخال تعديلات على حدود ما قبل عام1967 . ويقول مسؤولون فلسطينيون ان عباس قد يكون مستعدا لقبول مبادلة أراض بنسبة بين 1.5 في المئة واثنين في المئة بشرط أن تكون النتيجة النهائية هي قيام دولة على مساحة 6205 كيلومترات مربعة من الارض.

في ملف القدس، يطالب ابومازن بأن تكون القدس الشرقية العربية عاصمة لاي دولة فلسطينية في المستقبل. وتعتبر اسرائيل في الوقت الحالي القدس بشطريها عاصمة لها الا أن هذا لايحظى باعتراف دولي.واحدى أهم النقاط الشائكة هي كيفية ادارة المدينة القديمة التي يوجد بها حائط المبكى والمسجد الاقصى ومسجد قبة الصخرة اضافة الى المواقع المسيحية المقدسة.

أما بالنسبة للاجئين فان حكومة اولمرت ترفض السماح بحق عودة رسمي لملايين اللاجئين الفلسطينيين الى ما يطلق عليه الان دولة اسرائيل. لكنها قالت ان بامكان بعض الفلسطينيين أن يطلبوا الاستقرار في اسرائيل لاسباب انسانية.

وتريد اسرائيل من ابومازن التخلي عن حق العودة مقابل تنازلات اسرائيلية بشان القدس والحدود.لكن ابومازن يرى ان الصياغة المتعلقة بحق العودة في قرارات الامم المتحدة ومبادرة السلام العربية هى النموذج المحتمل لحل القضية.

هذه هي المواقف التي حملها الفلسطينيون واسرائيل الى أنابوليس، وهي كما نرى متباعدة للغاية، وقد خرجا من المؤتمر، بل وحتى بعد عام على انعقاده لا تزال الهوة شاسعة، رغم اللقاءات شبه اليومية للمفاوضين الفلسطينيين والاسرائيليين، واللقاءات التي تمت كل اسبوعين على مدى العام الفائت بين ابومازن واولمرت.

اولمرت حاول ان يهرب من التوصل الى اتفاق شامل، وبدا في طرح التوصل الى اتفاق «اعلان مبادئ» حول اقامة دولة فلسطينية على 90% من اراضي الضفة الغربية ومجمل قطاع غزة. ويتضمن الاتفاق سرب الى الصحافة الاسرائيلية وبالتحديد صحيفة «هآرتس» في اغسطس الماضي :

ـ الانسحاب الى ما وراء جدار الفصل.

ـ تبادل أراض على سبيل التعويض عن الاراضي المقام عليها المستوطنات او بالاحرى الكتل الاستيطانية الرئيسية الثلاث.

ـ ربط الضفة الغربية بقطاع غزة عبر نفق من اجل التواصل الجغرافي للاراضي الفلسطينية ومنع الاحتكاك بين الفلسطينيين والاسرائيليين مقابل تنازلات ارضية لاسرائيل.

ـ السماح للفلسطينيين بالقول (لاحظ بالقول فقط) ان القدس عاصمة لدولتهم.

ـ ابقاء البلدة القديمة من القدس المحتلة التي تضم بين جنباتها الحرم القدسي الشريف (قبة الصخرة والمسجد الاقصى) وكذلك كنيسة القيامة تحت السيطرة الاسرائيلية.

وينطلق اولمرت في اقتراحه هذا من وجهة النظر القائلة بانه من الاهمية ان تبحث اولا القضايا الاسهل بالنسبة للجانبين التوصل الى اتفاق بشأنها، ومن ثم المباشرة في مفاوضات تعالج القضايا الاخرى الاكثر تعقيدا مثل الحدود النهائية، لكن الاقتراح تجنب الحديث عن قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات.

هذا الاقتراح يؤشر بالطبع الى محاولة اولمرت الهروب من مناقشة القضايا الجوهرية ، ومحاولة الالتفاف عليها ،وجعل حلم الفلسطينيين بالتحرر من الاحتلال وهما كبيرا، اذ ان كل ما سيحصلون عليه هو دولة بحدود مؤقتة منزوعة السيادة بحرا وجوا وبرا ،وغير قابلة للحياة لتقطع اوصالها بالمستوطنات الاسرائيلية.

أذن يمكن القول ان المحصلة النهائية للعام الاول من عمر انابوليس، كانت رسوبا مدويا للتسوية ولحلم وؤرية بوش التي لم تر النور في عهده، والسبب في هذا كله ،يرجع ان اسرائيل تريد اتفاقا وتسوية بلا مقابل..بمعنى اوضح تريد اتفاق سلام مقابل السلام وليس التخلي الارض المحتلة، متسلحة في ذلك بالدعم الغربي الذي يمنحها التفوق العسكري على كافة الدول العربية.

من هنا فان العرب مطالبين بان يبنوا على محطة « أنابوليس»،لانها رغم كل شيء،فقد ارست القواعد التي ستسمح بالمضي في بناء السلام حتى انجازه، ومن ثم لا عودة الى نقطة الانطلاق في اية مفاوضات مقبلة، حيث ان مثل هذه العودة، ستجعل اسرائيل تعيد مجددا التفاوض على ما تم التوصل اليه من تفاهمات حتى ولو كان ذلك في اتفه القضايا واقلها اهمية.

الصراع في حلقات مفرغة

تظهر لنا التجارب التاريخية السابقة، ان كثيراً من الصراعات الكبرى، التي قد تصل الى حد الحروب العالمية، يتم ايجاد حل لها من خلال عقد مؤتمر سلام واحد، يضع النقاط فوق الحروف، بل ويؤدي هذا المؤتمر الى طي صفحة الماضي الى الابد.

مؤتمر واحد فقط يمكن ان يحمل كلمة السر والخلاص، لكل المشكلات التي تواجه الشعوب المتصارعة، لكن في الشرق الاوسط، تبدو الصورة مختلفة الى حد كبير، بل وفي احيان كثيرة تجعلنا نعجز عن فهم ما يدور.

فخلال الـ 16 عاما الماضية، وبالتحديد منذ العام 1991 وحتى العام 2007، عقد الكثير من مؤتمرات السلام، الخاصة بايجاد حل لمشكلة الصراع العربي الاسرائيلي او الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، بدأت من مدريد مرورا بواي ريفر وكامب ديفيد الثانية، وعرجت أكثر من مرة على شرم الشيخ، وأخيرا حطت الرحال قبل عام وبالتحديد في مثل هذا اليوم (27 نوفمبر) في أنابوليس بالولايات المتحدة.

هذه المؤتمرات جميعا عقدت وسط اهتمام اعلامي منقطع النظير، ورعاية دولية قوية وحضور عربي لافت، وفي ظل آمال عريضة وتفاؤل كبير بان تثمر عن وضع حد لهذا الصراع المريرالذي تجاوز عمره العقود الستة، لكن كانت النتيجة واحدة ومتطابقة للغاية، وهي أنه لا نتيجة، بل ويلجأ المتصارعون الى الدوران في حلقات مفرغة لم تؤد الى شيء على الاطلاق.

فشل تلك المؤتمرات يدفعنا الى التساؤل عن الاسباب التي تمنع الوصول الى حلول لصراع واضح المعالم، ولديه اطر دولية لا تقبل الشك، متمثلة في قرارات صدرت عن مجلس الامن الدولي، تحدد بوضوح حقوق كل طرف، وتشدد جميعها على ضرورة انهاء الاحتلال الاسرائيلي للارض العربية.

ولا شك ان السبب الجوهري في فشل تلك المؤتمرات، يرجع الى اسرائيل نفسها، اذ انها تعرف وتدرك جيدا ان خريطة حل الصراع واضحة للغاية، وتتمثل في تطبيق القرارات الدولية العديدة التي صدرت بشأنه، لكنها تظل تراوغ وتراوغ من أجل المساومة على تنفيذها، أو على الاقل تخفيض الثمن الواجب عليها دفعه.

كذلك ان تعدد هذه المؤتمرات ادخل الصراع في حلقات مفرغة، وأضحت كل حلقة بحاجة الى تفسير، والتفسير يحتاج الى توضيح، والتوضيح بات في حاجة الى تعريف، والتعريف يتطلب قاموسا جديدا.. وهكذا يتم نسيان القضية الاصلية وسط دائرة من الحلقات المفرغة.

ايضا ان اسرائيل تنظر الى هذه المؤتمرات بصورة مغايرة عما ننظر اليه نحن العرب، اذ انها تعتبرها فرصة لما تسميه ـ كسر الحاجز النفسي ـ والجلوس مع الدول العربية على مائدة واحدة، وبالتالي تحصل على نتيجة، كان يجب ان تكون ختاما لمقدمات كثيرة، اهمها التوصل الى اتفاق شامل.

هذا كله ـ بالاضافة الى عدم قدرة العرب على انتزاع حل للصراع ـ جعل هذه المؤتمرات اشبه بجلسات سمر لافائدة منها على الاطلاق. لذلك فاننا لا نستغرب ان تنادي الادراة الاميركية المقبلة، الى عقد مؤتمر جديد تهرع اليه الاطراف العربية على أمل ايجاد حل لهذا الصراع الذي اصبح يدور في حلقات مفرغة.. لكنها ستعود ادراجها بخيبة كبيرة، لان المشكلة ليست في عقد المؤتمرات ولكن تنفيذ اسرائيل للقرارات الدولية.

خالد سيد أحمد

kh33ttt@hotmail.com