بينما من المقرر أن يعقد مجلس النواب العراقي اليوم جلسته الفاصلة لتقرير مصير الاتفاقية الأمنية مع واشنطن، وصل الجدل حولها ذروته، وتأرجحت آراء الساسة العراقيين بين الموافقة المطلقة عليها، والدعوة إلى تأجيلها لحين عرضها على الشعب لاستفتائها أو على المحكمة الدستورية لإقرار آلية التصويت عليها، في حين تمسك آخرون برفضهم القاطع لها والمطالبة بتعديلها، وسط توقعات بالتصويت لصالحها.

ووسط هذا السجال الدائر منذ أسابيع، رجحت صحيفة «الصباح» العراقية شبه الحكومية أن يصوت البرلمان لصالح الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة، وذكرت الصحيفة في عددها الصادر أمس: «لقد تم الحصول على موافقة عدد كبير من النواب من خارج كتلتي الائتلاف الموحد والتحالف الكردستاني اللذين يشكلان 142 مقعدا نيابيا من أصل 275 إجمالي عدد مقاعد البرلمان».

مشيرة إلى أن نحو 30 نائبا أعطوا «الضوء الأخضر» للاتفاقية من خارج الكتلتين الكبريين في مجلس النواب. وأكدت «الصباح» أن الاتفاقية في طريقها إلى الإقرار، لاسيما أن أغلب الكتل «مقتنعة» بأهميتها، رغم أن البعض قد أعطى شروطا هي قيد الدراسة وربما ستتم الاستجابة لعدد منها لضمان تمرير المعاهدة داخل البرلمان.

ومن جهته، لا يزال التيار الصدري، ممثلا بـ 33 نائبا، الكيان الوحيد الذي يرفض الاتفاقية جملة وتفصيلا، فيما تتأرجح مواقف كتل جبهة التوافق العراقية والقائمة العراقية وحزب الفضيلة وجبهة الحوار الوطني العراقي بين مؤيد معارض لبعض بنودها. وتتركز مطالب الكتل المتأرجحة على ضرورة إعطاء المزيد من الوقت لإقرار الاتفاقية والحصول على ضمانات أكبر أو الرجوع إلى الأمم المتحدة للحصول على تمديد جديد لبقاء القوات الأجنبية في العراق لمدة عام وذلك للتحقق من نية الإدارة الأميركية الجديدة في الانسحاب.

فجبهة التوافق، جددت إصرارها على الطلبات التي تقدمت بها، وأعلن عبد الكريم السامرائي القيادي في الحزب الإسلامي أن الجبهة لن تكون مستعدة لدخول قاعة مجلس النواب للتصويت على الاتفاقية ما لم تتم الموافقة على مطالبها، والمتمثلة في «ان تكون هناك وثيقة تلتزم بها الحكومة لإصلاح واقع العملية السياسية الحالية وبعدها يتم عرضها على مجلس النواب للموافقة عليها».

فضلا عن إجراء استفتاء حولها، وإصلاح «الخلل» الذي لم تتطرق إليه في موضوع إطلاق سراح المعتقلين، وتثبيت مبدأ التعويضات، وإصلاح المسار الذي تعاني منه العملية السياسية.

ومن جهته، دعا نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي رؤساء الكتل السياسية إلى تضمين قانون اتفاقية انسحاب القوات الأجنبية من العراق شرط الاستفتاء الشعبي.

وجاء في بيان لمكتب الهاشمي أن «الهاشمي وجه رسائل إلى رؤساء الكتل السياسية ضمنها وجوب تضمين الاتفاقية شرط الاستفتاء الشعبي، مشيرا إلى أن الانقسام الوطني حول الاتفاقية واضح للجميع والمناقشات في مجلس النواب خير دليل»، وبين الهاشمي في رسائله ان هناك أسبابا متباينة للموافقين والرافضين تجعل التوافق «صعباً وربما مستحيلا»، لكنه يرى أن مقترح الاستفتاء ينسجم مع الاستحقاق الديمقراطي، وهو يمثل «أعلى درجات الديمقراطية».

أما القائمة العراقية، بزعامة اياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق، فهي طالبت بتكثيف المشاورات حول القضايا الخلافية في الاتفاقية. وجاء في بيان لها: «اننا نواصل البحث والتداول مع جميع هذه الجهات بهدف الوصول إلى ما يمكن ان يحقق تقريب وجهات النظر ويعزز الوحدة الوطنية والتوصل إلى نتيجة ايجابية مناسبة سواء عبر مذكرات تفاهم إضافية او توصيات ملزمة للحكومة ومجلس النواب».

وأضاف: باشرنا منذ ايام باجتماعات مكثفة مع كل المعنيين بهذا الشأن بمن في ذلك رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية ونوابه والسفير الأميركي وكذلك مع ممثلي الأطراف السياسية المعنية مباشرة.

ومن جانبه، قال النائب أسامة النجيفي: «أعتقد أن هناك معسكرين في البرلمان أحدهما، مؤيد والاخر رافض للاتفاقية، وهناك توازن في الأرقام فيما بينهما. وأضاف: ممكن ألا يتحقق نصاب للكتل النيابية المؤيدة للاتفاقية للمصادقة على الاتفاقية، لافتا إلى ضرورة الاستجابة إلى مطلب تعديل عدد من بنود الاتفاقية، وإجراء إصلاحات سياسية.

وفي رأي آخر قريب، استبعد النائب المستقل حسين الفلوجي إمكانية التصويت على الاتفاقية في مجلس النواب، وقال: انه «لا يمكن أن تتم عملية التصويت على هذه الاتفاقية بانعدام وجود توافق وطني بين الكتل السياسية حولها، وعدم وجود قانون خاص بها»، ودعا الفلوجي الكتل السياسية إلى «التريث وعدم الاستعجال» في مسألة حسم موضوع الاتفاقية الأمنية، والعمل باتجاه إضافة بند ملحق يتضمن تعديل بنودها بشكل ينسجم مع تطلعات الشعب العراقي في الحرية والاستقلال.

وفي غضون ذلك، توقع بعض النواب اللجوء إلى المحكمة الدستورية لتحديد آلية التصويت على الاتفاقية بأغلبية مطلقة أو أغلبية الثلثين أو بالأغلبية البسيطة. وأكد خالد الأسدي، عضو مجلس النواب عن قائمة الائتلاف الموحد، أن الائتلاف يرفض وبشكل قاطع التمديد للقوات الأمريكية لعام آخر في العراق، ودعا نواب البرلمان إلى تحمل مسؤولية قرار رفض أو قبول الاتفاقية، لما له من تأثيرات كبيرة على الوضع في البلاد.

ولفت النائب عبد الخالق زنكنه من التحالف الكردستاني إلى أن المصادقة على الاتفاقية باتت بديلا لتجديد التفويض الدولي لبقاء القوات الأميركية في العراق عاما آخر، مؤكدا أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية لتحديد آلية التصويت قد يكون حلا أخيرا لذلك. ويمكن القول بأن الذين يريدون تمرير الاتفاقية سيقاومون الانتظار إلى حين صدور قانون جديد للتصويت عليها، ويتطلب القانون الجديد الذي يريده المعارضون موافقة ثلثي الأعضاء الحاضرين ضمن النصاب القانوني.