حقق باراك اوباما حلمه في الفوز في انتخابات الرئاسة الأميركية بإلحاق هزيمة مدوية بخصمه الجمهوري جون ماكين وتعدى الأمر إلى سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ.

ومع دخول اوباما البيت الأبيض في العشرين من يناير القادم تسبقه تركة ثقيلة خلفتها ثماني سنوات عجاف من حكم الجمهوريين أبرزها الأزمة المالية والحروب المفتوحة في العراق وأفغانستان.

وحدة الدراسات في صحيفة (البيان) عقدت ندوة بعنوان «السياسة الأميركية في عهد اوباما.. دلالات الفوز وملامح التغيير»

شارك فيها نخبة من الأكاديميين والمحللين السياسيين والاقتصاديين لمناقشة الملامح الرئيسية للسياسة الأميركية في عهد اوباما على الصعيدين المحلي والخارجي وذلك وفق المحاور التالية:

المحور الأول: أسباب فوز اوباما وملامح التغيير والفريق الإداري

المحور الثاني: السياسة الداخلية وقضايا الاقتصاد والمجتمع.

المحور الثالث: السياسة الخارجية والصراعات الدولية مع التركيز على الصراع العربي ؟ الصهيوني والتسوية.

وقد وصلتنا مساهمات من الدكتور محمد بن هويدن والدكتور محمد قيراط وسنضمهما مع ما جرى من مناقشات في هذه الندوة وفي الحلقة الأولى أشار المشاركون إلى أسباب فوز اوباما والذي أرجعوه لاستخدامه أساليب تقنية ورفعه شعار التغيير في الوقت المناسب فيما عانت سياسة الجمهوريين من الفشل والتعثر والذي كان آخره الأزمة المالية العالمية واليوم ننشر وقائع المحور الثاني المتعلق بالسياسة الداخلية وقضايا المجتمع وفيما يلي التفاصيل:

ــ د.محمد المطوع : إذا أخذنا بعين الاعتبار خطاب الفوز الذي ألقاه اوباما وضح من خلاله انه وضع برنامج العمل الذي سيشتغل عليه، وما تفضل به الدكتور اليوسفي حول تغير التركيبة السكانية فقد شاهدت على محطة تلفزيونية احد الأميركيين الذين لا يجيدون الانجليزية ولكنه كان ينطق عالياً باسم اوباما .

ــ د.محمد الشامي: لو تحدثنا عن الوضع الاقتصادي الذي تعيشه الولايات المتحدة الأميركية فمن تابع الحملة الانتخابية لاوباما كان الجانب الاقتصادي منها في اتجاه معين ولكن بعد حصول الأزمة المالية فقد كان ذكيا وانتظر حتى أعلن الجمهوريون برنامجهم حتى يستفيد من الثغرات لديهم ويطرحها في برنامجه.

وقد كان البعض يعتبر الأزمة المالية نتاج للسياسات الفاشلة للجمهوريين ثم تحولت إلى أزمة وقد كانت المدرسة الجمهورية في الاقتصاد تستخدم السياسة النقدية كأحد الحلول الاقتصادية وكان الاعتقاد بأنها نجحت في ذلك ولكن الذي حصل هو أنها انتقلت من أزمة إلى أخرى، ومنذ بداية عام 2001 إلى عام 2006 انتعشت العقارات في أميركا بشكل ملحوظ عبر تسهيلات غير عادية وقروض عالية المخاطر وعندما جاء وقت سداد الفواتير لم يستطع الناس الدفع فحدثت في صيف 2007 ما عرف بأزمة الرهن العقارية.

ولو لاحظنا أن كثيراً من الاقتصاديين ومنهم باولو كرومان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد يميلون إلى التوجهات الديمقراطية في معالجة الأزمة الاقتصادية، وعندما طرحت خطة الإنقاذ للأزمة المالية بميزانية قدرها 700 مليار دولار كان هناك خلاف بشأن شراء الديون المعدومة فيما إذا كان هذا هو الأفضل أم انه يجب ضخ الأموال لمساعدة الشركات.

وكان الجدل حول أسباب تدخل الحكومة الأميركية إلى جانب شركة التأمين فيه ولم تتدخل لإنقاذ بنك ليمان براذرز وكان هذا الجدل يدور حول الطرق الخاطئة في معالجة القضية وذلك مقارنة بما حصل في أزمة 1929 بإصدار الكونغرس الأميركي آنذاك قانون سمولت هارلي الذي قيد المعاملات التجارية بعكس ما هو موجود الآن وكذلك الأمر بالنسبة لموضوع السيولة .

واعتقد أن الوضع الاقتصادي كان مسيطراً سيطرة تامة وساعد في موضوع اتخاذ بعض الطرق الجديدة في معالجة اوباما للقضايا الاقتصادية ومنها عزمه على إلغاء التخفيضات الضريبية التي منحها بوش للأغنياء بل أعلن انه سيزيد الضرائب عليهم.

وكذلك تخفيض الضرائب عن الذين تقل دخولهم عن 250 ألف دولار سنويا وتصل نسبة هذه الشريحة إلى 95% من الشعب الأميركي فيما يستولي 5% من الشعب الأميركي على 80% من الدخل الأميركي، بالإضافة لمعالجة قضايا كبار السن وفي مجال الصحة تحدث اوباما عن التامين الصحي الشامل بحيث يشمل الأميركيين في الداخل والخارج .

وفي مجال الطاقة تحدث اوباما عن إنشاء صندوق بميزانية قدرها 15 مليار دولار لدراسة بدائل للطاقة وهو كما يقول ضد البقاء تحت عبودية الآخرين في مجال الطاقة ونحن نعلم أن تكلفة إنتاج الطاقة في تكساس هي إضعاف تكلفتها في الشرق الأوسط وما زالت قضية الطاقة الرخيصة هي هدف اوباما الذي يسعى لتحقيقه.

والقضية الأخرى التي سيوليها اوباما اهتمامه هي مصانع السيارات والتي هي مشرفة على الإفلاس في مطلع عام 2009 وكان هناك فكرة بدمج شركة جنرال موتورز مع شركة كلايزر ومحاولة الحصول على حوالي 25 ملياراً من الـ 700 مليار التي طرحها بوش لحل الأزمة المالية بهدف إنقاذ قطاع صناعة السيارات وكذلك إعادة النظر في كثير من الاتفاقيات الخارجية في مجال التجارة الدولية وخاصة مع كوريا الجنوبية فيما يتعلق بتجارة السيارات وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاقية التجارة الحرة مع الصين باعتبارها الدولة الأكثر رعاية .

واعتقد ان معالجة اوباما للقضايا الاقتصادية ستكون مبنية على الاستفادة من الفشل الذي عاناه جميع الجمهوريين في هذا المجال والذي كانت الأزمة المالية بمثابة هدية للديمقراطيين لإثبات ما يمكن إثباته من وجهة نظرهم.

وبالنسبة لتدخل الحكومة في الاقتصاد والجدل القائم حول ذلك ومدى تأثيره على السوق وفيما إذا كان اختراقا للرأسمالية فإن التدخل الحكومي بالنسبة للديمقراطيين أصبح من الضروريات لإصلاح فشل السوق وإذا نظرنا إلى آراء الاقتصاديين وخاصة الحاملين لجوائز نوبل في الاقتصاد تقترب وجهة نظرهم وتلتقي مع أفكار الديمقراطيين حول دور الحكومة في إدارة القطاعات الاقتصادية، كما أن الحديث عن الخصخصة هو تفادي لشيء اكبر.

والسؤال هنا أيهما أفضل ترك الشركات تنهار وينهار معها الاقتصاد أم تقوم الدولة بإصلاح أمورها؟ وما يقال عن انهيار البنوك الأميركية الشهيرة وهي ليمان براذرز ومورغان ستانلي وجولدمان ساكس وقد تحول البنكان الأخيران للخضوع تحت سيطرة بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي وأصبحا بنكين تقليديين وهذه ستكون مرحلة مؤقتة واعتقد انه سيظهر في المستقبل اقتصاد له صبغة جديدة.

وهذه الملامح الاقتصادية هي عوامل مساعدة لاوباما في إحداث التغيير، خصوصا وان المشكلة لم تعد خاصة بأميركا وحدها فهناك توجه عالمي في إعادة التفكير في الإشراف على النظام المالي العالمي وفي قضية إعادة النظر في ادوار البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في إصلاح النظام العالمي .

ــ د.محمد حسين اليوسفي: ركز اوباما في برنامجه على زيادة الضرائب على 5% من الشعب الأميركي والذي تزيد دخولهم عن 250 ألف دولار سنويا، وبالتالي سوف يعفي 95% من الشعب الأميركي من الضرائب العالية وان كان لن يعفي الشعب الأميركي من الضرائب تماما لأن الدولة قائمة على الضرائب.

وقد رفع اوباما شعاراً جميلاً وهو وول ستريت ومين ستريت حيث سيرفع الضرائب على وول ستريت وسيخفضها عن مين ستريت وهم أفراد الشعب العادي، وفي الحقيقة هناك تكرار لفكرة كان يطرحها اوباما وكثيرا وهي محاربة العولمة أو تقييدها لأنه كان يقول إن معظم الشركات الأميركية تستثمر أموالها في خارج أميركا وتترك الطبقة العاملة والوسطى في أميركا من دون عمل وهذا يقترب من مفهوم سياسة الدولة القومية مقارنة مع سياسة الانفتاح العالمي والعولمة لأنه في عملية العولمة تبدو أميركا كأنها تخسر الرهان مقابل صعود الهند والصين لوجود العمالة الرخيصة لديهما.

وخلال تجوالي في الأسواق والمراكز التجارية الأميركية لاحظت ان معظم السلع والمنسوجات القطنية والملابس هي صناعة خارجية ويبدو أن هذا الأمر ينطبق كذلك على الأوضاع في أوروبا فلو تمعنت في صناعة الملابس في أوروبا لوجدتها مصنوعة في بوليفيا أو غيرها.

وهنا هل ينجح اوباما في تغيير مسار العولمة لصالح أميركا أو لا ينجح؟ يبدو أن الإجابة عن هذه الأسئلة تندرج تحت باب التنبؤات والرجم في الغيب. أما في مجال البرنامج الاجتماعي فلا شك أن اوباما سيركز على مجال الرعاية الصحية لأن 45 مليون أميركي ليس لديهم تغطية صحية خاصة وان عملية الصحة والعلاج في أميركا من أصعب الأمور وأكثرها نفقة خاصة لمن لا يملك بطاقة صحية .

كذلك هناك قضايا مهمة بالنسبة لأميركا والعالم ومنها قضية البيئة والاحتباس الحراري والديمقراطيين أفضل في هذا المجال من الجمهوريين لان الجمهوريين ضد تقييد المصانع وفرض أي قيود على انبعاث الكربون ونحن نعلم أن نصف عمليات الاحتباس الحراري وانبعاث الكربون مصدرها أميركا.

فإذا استطاعت أميركا التقليل من انبعاث الكربون فإنها لا شك ستساهم مساهمة فعالة في التقليل من الاحتباس الحراري، ولا نعلم حقيقة كيف سيحل اوباما مشكلة العلاقات العرقية في أميركا وقضايا السود والبيض والعلاقة مع ذوي الأصول اللاتينية.

وهل إدارته ستكون خليطاً من الأجناس لأن أي رئيس يدخل البيت الأبيض يأتي بالعديد من الآلاف من الموظفين والقضية ستكون حساسة جدا إذا جاء بأشخاص معينين من نفس أصوله الافريقية، ومن القضايا الأخرى التي تلقى اهتمام اوباما التعليم فهو يدعو الى تطوير الجانب التعليمي وجعله تعليما تنافسيا . وأي رئيس يأتي بشعارات وبرامج طموحة ولكن هذه البرامج قد لا يستطيع تطبيقها كلها على ارض الواقع.

ولكن إذا استطاع اوباما حل الأزمة الاقتصادية فإنه سيستطيع تطبيق برنامجه الاجتماعي وإذا لم يستطع حل الأزمة الاقتصادية واستمرت لوقت أطول فإنه لن يستطيع تطبيق برامج التعليم والرعاية الصحية وما إلى ذلك. من ناحية ثانية فإن توجهه نحو المؤسسة العسكرية غير معروف وهل سيزيد الإنفاق العسكري أو يقلله أو يجمده ؟ وكذلك غير معروف توجهه بشأن الدرع الصاروخية والقضايا الشائكة .

ــ د. محمد المطوع: أريد أن أضيف في المجال الداخلي حيث إن اوباما تكلم عن الهجرة غير الشرعية ودعا إلى الاستفادة من المهاجرين غير الشرعيين مقابل استقطابهم داخليا ومنحهم الجنسية الأميركية.

وفيما يتعلق بالإجهاض والزواج المثلي فاوباما ضد سن قانون يمنع الزواج المثلي وتركه ليكون ضمن الزواج المدني بعكس مطالب الجمهوريين بسن قانون يمنعه ، وفيما يتعلق بالإجهاض فإنه مع ترك المسالة لحرية المرأة مع عائلتها والطبيب .

ــ د.محمد الشامي: بالنسبة لأهمية الجانب الاقتصادي في موضوع البطالة فقد وصل معدل البطالة في أكتوبر الماضي إلى 5 .6% بينما كان معدل البطالة في العام الماضي 3% فقط ومن المتوقع أن تبلغ النسبة في العام القادم إلى 8% ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة ستدخل في حالة ركود طويل.

وخطة اوباما تهدف إلى إيجاد 7 ملايين فرصة عمل وقد ربط تخفيف الضرائب بقيمة 3 آلاف دولار في حالة تشغيل العمالة، وبالنسبة للانفاق العسكري فهناك توجهات بخفض الإنفاق العسكري وذلك انعكاساً للسياسة الخارجية وسحب القوات من العراق .

ــ د.محمد بن هويدن: أعتقد بأن الأمور الداخلية ستكون هي الأهم في عهد الرئيس الجديد المنتخب في الولايات المتحدة ولاسيما قضية الاقتصاد والأزمة المالية في الولايات المتحدة. التركيز على الاقتصاد سيكون أولوية هامة بالنسبة للرئيس أوباما الذي سيعمل على أن يتعاون مع المجتمع الدولي بهدف مواجهة الأزمة المالية.

كما أن العمل على تحسين حياة المواطن الأميركي العادي ستكون من ضمن أولوياته حيث سيعيد ترتيب سياسة الضرائب ليقللها على المتوسطي الدخل ويفرضها على كبار رجالات المال والأعمال.

بالإضافة إلى موضوع النفط والتنقيب عنه في البحار سيكون هاجساً من هواجس الرئيس الأميركي الجديد من أجل مواجهة ارتفاع أسعار النفط في العالم.

ــ د.محمد قيراط: بالنسبة للسياسة الداخلية سيواجه أوباما تحديات كبيرة خاصة بعد الأزمة المالية العالمية وتأثر الاقتصاد الأميركي بتداعياتها وانعكاساتها السلبية بالإضافة إلى مشكلة الرهن العقاري.

داخليا تعاني الولايات المتحدة من مشكلة التأمين الصحي وسياسات الضمان الاجتماعي في هذا المجال. من التحديات الأخرى التي سيواجهها أوباما المشاكل العديدة والعويصة التي يعاني منها السود والفئات المحرومة في المجتمع الأميركي من بطالة ومخدرات وجرائم وتهميش.

ــ فيكتور شلهوب: بالنسبة للسياسة الداخلية أنا متخوف من أن اوباما لا يبدو لديه علاج سريع للأزمة الاقتصادية وإذا لم يستطع على الأقل وقف النزيف خصوصاً وان الأزمة مرشحة للتصعيد وقد طالعتنا مؤخرا النيويورك تايمز بمانشيت يشير إلى ان الأميركي بدا يقتطع من عدد الأدوية التي يأخذها ومن كان يشتري أربعة أدوية أصبح يشتري دواءين فقط.

وإذا لم يقدم اوباما حلولاً سريعة للأزمة المالية فلا يمكن ان يستطيع التحرك على الجبهة الخارجية مهما كانت نواياه إذا ما بقي مقيداً في الداخل.

المشاركون

د.محمد الشامي - شبكة جامعة عجمان

د.محمد حسين اليوسفي - جامعة الكويت

د.محمد بن هويدن - جامعة الامارات

د.محمد قيراط - جامعة الشارقة

فيكتور شلهوب - كاتب لبناني

أدار الندوة:

أ.د. محمد المطوع

التحرير والإعداد:

موسى أبوعيد

تصوير: عمران