قبل 365 يوماً دخل لبنان عهد «الرئيس الفراغ» الذي دام ستة شهور. رحل رئيس الجمهورية العماد إميل لحود عن قصر بعبدا الرئاسي قبيل انتصاف ليل 24 نوفمبر منهياً عهدته الرئاسية والبلاد لا تزال مختلفة على مواصفات الرئيس البديل. ولم تفلح وساطات عربية وغربية لهوجة طوال ستة شهور من التقريب بين الفرقاء السياسيين، وسط فشل وراء فشل لمجلس النواب في اختيار رئيس جديد.

الوضع في حينها لم يكن مطمئنا، فالبلاد باتت بلا رأس.. والسلم الأهلي بين الطوائف والأحزاب اللبنانية السائد منذ انتهاء الحرب الأهلية في العام 1991 كان مهدداً بالانفجار ما يعيد البلاد إلى أتون الحرب الأهلية.

وفي ضوء حالة من الشلل والعجز السياسي في ظل عدم توافق الزعماء السياسيين تتالت الجلسات الفاشلة لمجلس النواب في التوافق على رئيس جديد حتى بلغ عددها ,18.

وما أفسد «الطبخة» الرئاسية كثرة الأيدي التي أدلت بدلوها في البئر اللبناني، من الأميركيين إلى الفرنسيين، وحتى الروس، إلى السوريين والإيرانيين فضلاً عن دول إقليمية لها مصالح في هذا البلد مثل المملكة العربية السعودية.. وكانت هناك الجامعة العربية التي ارتطمت مساعيها بحائط الشروط المستعصية على الحل..

ثم قطر التي تمكنت من إقناع الفرقاء على الحوار في عاصمتها الدوحة لإيجاد مخرج. فالأكثرية كانت تطالب، مدعومة بالدول الغربية والسعودية بانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا توافقيا على الفور، في كانت المعارضة تتمسك بضرورة التوصل إلى سلة متكاملة تشمل إضافة إلى انتخاب سليمان الاتفاق على تشكيلة الحكومة وعلى قانون انتخابي جديد، وهو عنصر جديد دخل المعادلة ليزيدها تعقيداً كون الانتخابات النيابية أمامها أكثر من عام، فضلاً عن وجود قانون انتخابي، حتى لو كان للبعض ملاحظات عليه.

تراشق اتهامات

وبعدما أطلقت جامعة الدول العربية بعد شهر ونصف الشهر (في يناير) مبادرة تنص على انتخاب قائد الجيش رئيسا توافقيا وتشكيل حكومة وحدة وطنية يكون فيه للرئيس الصوت الوازن ووضع قانون انتخابي.. اصطدمت المبادرة بعراقيل عدة لم يكشف النقاب عنها بعد غاب إثرها الأمين العام للجامعة عمرو موسى عن بيروت فترة طويلة..

بينما كان للفرقاء السياسيين كل أجندته مبادرته، سواء الخاصة أو بالوكالة. فاتهمت الأكثرية سوريا بتعطيل الانتخابات عبر حلفائها.. في حين حملت المعارضة، عبر أحد أقطابها ومرشحها للرئاسة ميشال عون، الولايات المتحدة مسؤولية الفراغ الرئاسي وعرقلة الحل.. وهو موقف كان محور لغط فرنسي اتجه إلى توجيه ذات الاتهامات إلى الأميركيين.

زحمة مبادرات

ومع تأخر حسم مسألة الخلافة، شعر العرب أن الوضع يؤدي إلى استحضار أجواء الحرب الأهلية، فتسارعت عجلة الوساطات والمبادرات. فكانت الأولى من السودان، ثم من اليمن، ثم من سلطنة عمان، لكن أكثرها أهمية فكانت المبادرة السورية الفرنسية المشتركة والتي تبناها الإليزيه، ورفضها فريق الأكثرية اللبناني بسبب الاقتراح السوري باعتماد قانون 1960 الانتخابي أساساً للانتخابات التشريعية المقررة في ربيع العام ,2009.

وكان رفض قانون 1960 هو العنوان المعلن لرفض المبادرة، فضلاً عن الحساسية اللبنانية ضد أي دور سوري يف هذا الملف، لكن ما تبين لاحقاُ وجه اصابع الاتهام إلى أميركا، فها هو المدير السابق لجهاز مكافحة التجسس في فرنسا ايف بونيه يتهم الولايات المتحدة الأميركية بتعطيل المساعي الهادفة لتشكيل حكومة وحدة وطنية لبنانية.

وأخيراً، كانت الوساطة القطرية بدعم من الجامعة العربية والتي تمكنت من كسر حالة المراوحة في الحلقة المفرغة، فكان مؤتمر الدوحة الذي كشف عن أن ما يجمع الطرفين المتناحرين أكبر مما يفرقهما رغم ان الخلاف وصل مرحلة استباحة الدم بعد استخدام حزب الله السلاح لفرض أمر واقع جديد على الأرض سيطر خلاله على المطار الدولي وعلى بيوت ومداخلها وعلى مناطق إستراتيجية في الجبل.

وبعد خمسة أيام من الحوارات والخلافات والمساومات جاء الإعلان عن توصل الفرقاء إلى اتفاق بشأن الأزمة السياسية يقضي بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية خلال 24 ساعة، وتشيل حومة وحدة وطنية، واعتماد القانون الانتخابي لاحقا.

خلاف رغم التوافق

وحقيقة، ما كان مستغرباً خلال شهور التمسك بـ «فخامة الفراغ» رئيساً أن الطرفين: الأكثرية (فريق 14 آذار) والأقلية (8 آذار) كانا متفقين على تسمية سليمان رئيساً، الند الأول في المبادرة، ولكن تضييع الوقت كان في تفاصيل البندين الثاني والثالث اللذين استهلك الاتفاق عليهما نحو 100 يوم.

ففي موضوع الحكومة كان مطلب المعارضة في الثلث الضامن (المعطّل) هو العقدة كما كان هو الحل.. فعملت المبادرة العربية واقتراحات عدة على توفيق صيغة لا تعطي أحداً من الطرفين ما يريد، فلا الأكثرية لديها الغالبية العددية من الحقائب التي تسمح لها بتمرير القوانين، ولا الأقلية تمتلك الثلث المعطل، فكانت المشاورات أن يكون الصوت الضامن والمرجح من نصيب الرئيس، فكان اقتراح تشكيل حكومة تضم 30 وزيرا من بينهم 16 من الموالاة و11 من المعارضة وثلاثة يختارهم الرئيس.

أما في شأن القانون الانتخابي، فكان الاتفاق على قانون 1960 ليكون المخرج لهذه العقدة.وكانت الانتخابات البرلمانية في العام 2005 جرت على أساس قانون أقر في العام 2000 عندما كان لبنان لا يزال تحت الوصاية السورية.

وهو قانون يجمع الخبراء والسياسيون على انه لا يؤمن تمثيلا صحيحا للقوى السياسية في لبنان، وبخاصة المسيحية، إذ يشتكي الزعماء المسيحيون، سواء في الأكثرية والمعارضة، من أنه لا يؤمّن لهم التمثيل الفعلي الذي يستحقون. ولعل أبرز ما توصلت إليه الوساطة في مؤتمر الدوحة تعهد الأطراف اللبنانية نبذ استعمال السلاح والعنف مهما انت الخلافات واحترام سيادة الدولة في امل التراب الوطني اللبناني والاحتام إلى القانون.

دبي ـ نضال حمدان