حقق باراك اوباما حلمه في الفوز في انتخابات الرئاسة الأميركية بإلحاق هزيمة مدوية بخصمه الجمهوري جون ماكين وتعدى الأمر إلى سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، ومع دخول اوباما البيت الأبيض في العشرين من يناير المقبل تسبقه تركة ثقيلة خلفتها ثماني سنوات عجاف من حكم الجمهوريين أبرزها الأزمة المالية والحروب المفتوحة في العراق وأفغانستان.

وحدة الدراسات في صحيفة «البيان» عقدت ندوة بعنوان« السياسة الأميركية في عهد اوباما .. دلالات الفوز وملامح التغيير» شارك فيها نخبة من الأكاديميين والمحللين السياسيين والاقتصاديين لمناقشة الملامح الرئيسية للسياسة الأميركية في عهد اوباما على الصعيدين المحلي والخارجي وذلك وفق المحاور التالية: * المحور الأول: أسباب فوز اوباما وملامح التغيير والفريق الإداري

* المحور الثاني: السياسة الداخلية وقضايا الاقتصاد والمجتمع.

* المحور الثالث: السياسة الخارجية والصراعات الدولية مع التركيز على الصراع العربي ـ الصهيوني والتسوية.

وصلتنا مساهمات من الدكتور محمد بن هويدن والدكتور محمد قيراط وسنضمنهما مع ما جرى من مناقشات في هذه الندوة والتي ننشر اليوم الحلقة الأولى منها والمتعلقة بالمحور الأول وفيما يلي التفاصيل:

*د.محمد المطوع: ان انتخاب اوباما هو انتصار للعالم ككل وهو تصويت ضد سياسات الرئيس الأميركي جورج بوش بسنواتها الثماني والتي لاقى العالم فيها الويل سواء في فلسطين أو العراق وأفغانستان وغيرها هذا بالإضافة إلى الأزمة المالية التي يعاني منها العالم كله.

كما يعتبر انتخاب اوباما نقلة نوعية في الحياة السياسية الأميركية وهي المرة الأولى التي يفوز فيها أميركي من أصول افريقية ولم يكن معروفا تماما في عالمينا العربي والإسلامي والعالم الثالث وربما كان معروفاً إلى حد ما في الولايات المتحدة الأميركية نتيجة لنشاطاته في الكونغرس وكتابيه اللذين ألفهما، إلا أن إصراره على خوض الانتخابات ورفع شعار التغيير أعطى العالم العربي والإسلامي بارقة أمل بأنه ربما ستكون هناك حلول لكثير من القضايا.

ومن يتابع الصحف الإسرائيلية هذه الأيام يجد نبرة عالية للسلام ومن سمع خطاب الرئيس الاسرائيلي في مؤتمر الأديان في الأمم المتحدة والذي يؤكد فيه العودة إلى المبادرة العربية فمعنى ذلك انه من المؤكد أن على أجندة باراك النية للتخلص من المشكلة الفلسطينية والتي عنها تنتج كل مشاكل الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

والجانب الآخر أن لدى اوباما إشكاليات فيما يتعلق بالوضع المالي والذي سيوليه عناية خاصة. والى ان يدخل اوباما البيت الأبيض فستبقى وسائل الاعلام تتحدث عن سياسته المستقبلية وربما ان صورته مع احدى المجندات الاميركات المعاقة بسبب الحرب في العراق تؤكد على توجهاته ضد الحرب بشكل اساسي.

*د. محمد الشامي: انتخاب باراك اوباما رئيسا ليس عاديا للولايات المتحدة فهو من الأقلية ذات الأصول الإفريقية والتي وصلت طموحاتهم إلى حد الترشيح للرئاسة الأميركية. واعتقد ان من أسباب فوز اوباما الرئيسة هي مسالة التغيير الذي أعلنه اوباما فقد جعل هذا السبب مختلف فئات الشعب الأميركي تشارك ولأول مرة في هذه الصورة الملفتة للنظر في الانتخابات، ومن ملاحظاتي للانتخابات الأميركية خلال عيشي هناك لنحو 12 عاماً أنني لم أجد اهتماما واستعدادا من قبل فئات الشباب وذوي الأصول الإفريقية واللاتينية كما حصل هذه المرة.

وكانت قضية التغيير مردها الفشل الذريع الذي منيت به سياسة الجمهوريين خلال السنوات الماضية وخاصة في عهد جورج بوش الابن سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي والذي يهم الشعب الأميركي بالدرجة الأولى، وإذا نظرنا إلى الأميركيين فهم عادة ما تكون اهتماماتهم الاقتصادية اكبر من الاهتمامات الأخرى.

وقد حصلت أشياء كثيرة في هذا المجال مثل ارتفاع ذوي المليارات من 6 ملايين إلى 3,9 ملايين شخص وذلك مقابل ارتفاع الفقراء من 31 مليونا الى 37 مليون شخص كما ارتفع عدد العاطلين عن العمل من 6 ملايين شخص الى 9 ملايين شخص خلال فترة بوش الثانية.

كما ارتفعت ميزانية الدفاع من 333 مليارا الى 613 مليار دولار كما ارتفعت تكاليف الحروب الى مليارين مقابل ارتفاع عدد نزلاء السجون الأميركية من 9 ,1 الى 3,2 مليون شخص وهذا مؤشر على ارتفاع معدلات الجريمة .

وحجم الديون ارتفع من 5700 مليار الى 10300 مليار دولار، وهذه الأرقام تعطينا مؤشرات لسوء الوضع الاقتصادي الأميركي والذي توج في الانهيار المالي الأخير.

والذي كان سببه انهيار السوق العقاري والذي حدث في منتصف 2007 والذي اعتبره من وجهة نظر اقتصادية هو فشل لكثير من السياسات كما يتفق على ذلك الكثير من الاقتصاديين بان فقاعة التكنولوجيا التي سببت الانهيار في السوق الأميركية في التسعينيات كان الهروب منها ليس الى وضع أفضل وإنما الى فقاعة أخرى هي ازمة المساكن بسبب عدم وجود الشفافية والإخفاقات الكثيرة في الجوانب الاقتصادية .

ومن الجانب السياسي فاعتقد أن فشل أميركا في سياستها الخارجية بعد أحداث 11 سبتمبر ومغامرات بوش في العراق وأفغانستان بحجة مكافحة الإرهاب خلقت عبئا كبيرا على أميركا وسببت لها الكراهية في مختلف أنحاء العالم وعدم موافقة عليها من مختلف الشرائح في المجتمع الأميركي.

والنقطة الأخيرة في أسباب فوز اوباما تعود الى الأسلوب المتميز المستخدم في إدارة حملته الانتخابية ومثال ذلك استخدام الانترنت ولأول مرة بهذه الصورة المكثفة بحيث يصل الرئيس المرشح الى كل شخص وهذه المسالة كان لها نوع من الخصوصية الى درجة أن اوباما كان يبعث توقيعه الى كل شخص كما تم جمع تبرعات عالية جدا تصل الى 600 مليون دولار وهو اكبر مبلغ يتم جمعه في تاريخ الانتخابات الأميركية.

*فيكتور شلهوب: لدي نقطتان تقنية وثقافية في هذا الخصوص والثقافية اسميها المقبولية في الساحة الأميركية في الخروج عن النمط المعروف في اختيار الرئيس باعتبار أن منصب الرئيس منذ أكثر من 200 عام هو محجوز للرجل الأبيض وحكر على الحزبين وهذه المقبولية جاءت عبر التراكم.

فالتطور السياسي في الولايات المتحدة جاء بالتدرج، وهذه المقبولية جاءت نتيجة تراكم التاريخ ويبدو انه بالتضافر مع الظروف الموضوعية وخاصة خلال السنوات الـ 28 والتي بدات منذ وصول المحافظ الجديد الرئيس ريغان الى الحكم وهذه المدرسة الجديدة كرست «الانفلات» في السياسة الداخلية والخارجية .

حيث أعطت لنفسها وضعا ممتازا وقد قرأت خلال وجودي في أميركا كتبا ومقالات لمنظري المحافظين الجدد والذين اسميهم «المحافظين العنصريين» والأب الروحي لهم ايفين كرسيتيل وهم يعتقدون وبصراحة انهم الأفضل حضارة وثقافة وتقدما وبالتالي لهم الحق بان يكون لهم الموقع الممتاز وانه يحق لهم ما لا يحق لغيرهم، وأجازوا الانفلات في الساحتين الداخلية والخارجية وخلال السنوات الثماني الأخيرة من حكم بوش لم يعد هناك سقف بالمرة.

وقد تم توجيه أكثر من إنذار بان الامور ستكون خارج اليد ولكن لم يكترث احد بذلك، ثم هناك المؤسسة المالية الممثلة بالان جرينسبان فقد مثلت غطاء لدور الانفلات الاقتصادي وضمان السلامة للشركات الكبرى والصغرى وأموال الأفراد ولكن كانت هذه النظرية هي احد الأسباب الكبيرة التي أدت الى ما وصلت إليه الأمور المالية ثم خرج علينا جرينسبان مؤخرا بانه تفاجأ بما حدث وكان تفسيره بانه لم يعتقد أن جماعة وول ستريت ليس لديهم أخلاق الى هذا الحد.

وهذه المدرسة التي حكمت من عام 1980 حتى اليوم أشاعت ثقافة الانفلات بدون قيود حتى ان بيل كلينتون لم يستطع التخلص من نزعة الانفلات نهائيا ولم يستطع «فرملة» الريغانية ولما جاء بوش فقد أزال نهائياً بعض «الفرملة» التي وضعها كلينتون، وقد دفعت مدرسة الانفلات ثمنا كبيرا كما دفع العالم معها الثمن وهي تريد من العالم ان يساعدها الان في دفع الفاتورة مع الإصرار على الاحتفاظ بموقع الصدارة كزعيمة للعالم .

ومن الجانب التقني فقد خاض اوباما معركة انتخابية ذكية جداً أهم ما فيها انه لم يكتف فقط بالنزول الى الناس وإنما اكتسح الساحة كلها وهاجم المناطق التي هي حكر على الجمهوريين، واستخدم الانترنت ومكاتبه المنتشرة في الخمسين ولاية، وقد قدمت الأزمة المالية التي انفجرت مؤخرا خدمة على طبق من الماس.

*د.محمد حسين اليوسفي: يمكن ارجاع فوز اوباما لعدة أسباب ومنها انه رفع الشعار المناسب في الوقت المناسب فقد رفع شعار التغيير والتغيير الآن ومع التراكمات التي حدثت كما أشار الزملاء خلال أكثر من 20 عاماً أدت الى حالة من قبول عملية التغيير أو لنقل ان التغيير أصبح هو الشعار المناسب للمرحلة، ونحن نتذكر ان ريغان رفع شعار التحلل من الضوابط على أساس منح رجال الأعمال الفرصة للاستثمار باعتبار القيود تحجم مبادراتهم الشخصية والتي تعتبر هي أساس النظام الرأسمالي .

ويبدو لي ان بذر بذور الأزمة المالية الحالية كانت خلال تلك الفترة، ونحن نعلم ان روزفلت خلال أزمة الثلاثينات ادخل ضوابط على النظام الرأسمالي وتبنى دولة الرفاه وتدخل الدولة لتقديم خدمات شبه مجانية لمواطنيها . وقد أدت التراكمات منذ أيام ريغان الى عملية استقطاب طبقي حيث بدأت الطبقة المتوسطة من المجتمع بالتأثر في مستويات حياتها، وقد زادتها بدايات الأزمة المالية الحالية سوءا.

ومن أسباب فوز اوباما نضال الشعب الأميركي الطويل بقواه التقدمية الواعية الرافضة للعنصرية وإهدار حقوق الإنسان وهي قوى موجودة في الحزب الديمقراطي وفي الشارع الأميركي والجامعات ولدى الكتاب والمفكرين وبالذات لدى الأقلية السوداء التي هي ضحية النظام العنصري الذي بدا مع بداية جلب العبيد من إفريقيا واستغلالهم في المزارع وغيرها .

وقد بدا هذا النضال من أيام لينكولن واستمرت إلى أيام مارتن لوثر كينج في الخمسينات والستينات وما بعد ذلك ولهذا نرى شخصا مثل جيسي جاكسون الذي أجهش بالبكاء عند إعلان فوز اوباما لأنه حقق حلمه بوصول احد ذوي الأصول الإفريقية الى الحكم في أميركا.

من ناحية ثانية هناك تغير سكاني في الولايات المتحدة يظهر في تقلص البيض شيئا فشيئا لصالح ذوي الأصول اللاتينية والإفريقية، ويعود احد أسباب ذلك الى الهجرة والنزعة الثقافية لدى البيض بالإنجاب القليل.

والعامل الثالث للفوز يتمثل في الأزمة المالية التي أتت وقالت بالحرف الواحد ان حلول الجمهوريين فاشلة وغير ناجحة، كانت الأزمة المالية هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

*د.محمد بن هويدن: ساعدت مجموعة من العوامل الرئيس أوباما على الفوز في الانتخابات ومن هذه العوامل تركة بوش المحملة بالمشاكل الخارجية ومساندة المرشح الجمهوري ماكين للرئيس بوش في نهج بوش في التعامل مع تلك القضايا.

كان موضوع العراق مؤثراً بشكل كبير حيث ان الديمقراطيين زادت شعبيتهم نظراً لدعوتهم للانسحاب وتغير السياسة المتبعة في العراق والتي أودت بحياة نحو خمسة الاف أميركي هناك. كما أن الأزمة المالية جاءت لتعصف بآمال الجمهوريين الذين أصبحت النظرة إليهم على أنهم عاجزون على تحسين الوضع الداخلي.

يضاف إلى ذلك شعار التغيير الذي حمله المرشح أوباما طوال حملته الانتخابية والتي كان لها الفضل في اكتساح المرشح الجمهوري الذي حمل شعار الاستمرار حيث رأى الشارع الأميركي أن التغيير لن يأتي مع الجمهوريين وإنما يمكن أن يأتي مع الديمقراطيين.

يمكن أن نعتبر أن هذه الانتخابات ونتائجها ستؤدي إلى إحداث التغيير في مجموعة من الاعتبارات منها: أنها أتت ولأول مرة برجل أسود إلى سدة البيت ألبيض، ويتمثل التغيير كذلك في أن الرئيس المنتخب أتى بأجندة تحمل فلسفة التغيير فهناك رغبة نحو إحداث التغيير في السياسة الأميركية الداخلية والخارجية، كما أن التغيير يتمثل في أن عهد المحافظين الجدد قد انتهى فما عادوا يحكمون في الولايات المتحدة، والتغيير الاخر هو أن قدرة الولايات المتحدة على الانفراد في قيادة العالم ما عادت موجودة.

*د.محمد قيراط: يعود فوز أوباما بالدرجة الأولى إلى فصاحته وقدرته على تسويق نفسه بطريقة ممتازة وبمهنية رفيعة المستوى. فأوباما عرف كيف يتعامل مع وسائل الإعلام وعرف كيف يجذب إليه كبريات الصحف والمجلات والمحطات التلفزيونية الأميركية، إضافة إلى استعماله الانترنت والمدونات وغير ذلك.

العامل الثاني يتمثل في الإرث الذي ورثه المرشح ماكين عن الرئيس بوش وهو إرث أقل ما يقال عنه انه سلبي جدا. فالحرب على الإرهاب وتدخل أميركا في العراق وأفغانستان جعلت أميركا تدفع الثمن باهظا حيث أنفقت مئات المليارات من الدولارات ومات جراء مغامرات الحربية آلاف من شبابها وهذا ما ترك أثارا سلبية في المجتمع الأميركي بكل شرائحه وفئاته.

ومن عوامل نجاح أوباما في الوصول إلى البيت الأبيض قدرته الكبيرة على جمع ما يزيد على 600 مليون دولار لحملته الانتخابية الأمر الذي سمح له باستعمال الإعلانات المكثفة وشراء مساحات زمنية في كبريات المحطات التلفزيونية الأميركية. قد يستعين أوباما بخبرة كولن باول ويعينه في منصب عال في إدارته.

المشاركون

د.محمد الشامي/شبكة جامعة عجمان

د.محمد حسين اليوسفي/جامعة الكويت

د.محمد بن هويدن/جامعة الإمارات

د.محمد قيراط/جامعة الشارقة

فيكتور شلهوب/كاتب لبناني

أدار الندوة

أ.د .محمد المطوع- التحرير والإعداد موسى أبو عيد- تصوير: عمران