يصف الكثير من العلماء والأطباء أبحاث الخلايا الجذعية بأنها اختراقٍ علمي زلزل المسلمات الطبية ومنح بارقة أمل لملايين المرضى، ويؤكدون على أن زراعتها في الجسم يمكن أن تبرء المصابين بأمراضٍ عضال وقف أمامها الإنسان عاجزاً كالسرطان والإيدز والسكري وأمراض القلب والزهايمر والتهاب المفاصل والجلطة الدماغية وإصابات الحبل الشوكي المزمنة وحتى الشلل بأقسامه خاصةً منها الرباعي والرعاشي الذي كان من أشهر ضحاياه الملاكم الأميركي محمد علي كلاي والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. فما هي الخلايا الجذعية، وما هي أنواعها؟ ولم يعول عليها البشر في صراعهم المديد مع الأمراض الفتاكة؟

لنا أن نعرف الخلايا الجذعية بأنها تلك التي يمكن أن تتكاثر أو تنقسم إلى ما لانهاية ويمكن لها أن تتحول من خلايا بدائية إلى أخرى متخصصة كخلايا العضلات والخلايا العصبية والجلدية وخلايا الكبد والبنكرياس، ويمكن زرعها في جسم الإنسان في المكان الذي تلف به أحد الأعضاء ليستعيد وظيفته أي استبدال الخلايا المتآكلة أو التالفة منها. ولتفسيرها بشكل مبسط، يمكن لنا أن نقارنها بالاضطلاع على علم الأجنة. فالبويضة المخصبة من الحيوان المنوي التي تهدف إلى خلق خلية واحدة لها القدرة على إنتاج أي نوع من الخلايا تنقسم في الساعات الأولى بعد إتمام عملية الإخصاب إلى مجموعة من الخلايا يمكن لواحدة منها أن تنتج جنيناً كاملاً إن زرعت في رحم الأنثى.

وهذا ما يحدث مثلاً في التوائم المتماثلة حينما تنفصل خليتان مكونتين طفلين متشابهين في الصفات الوراثية قبل أن تبدأ تلك الخلايا بما يمكن تسميته ب«التخصص» بعد قرابة 96 ساعة من عملية التلقيح لتكون حويصلة تحوي طبقة خارجية من الخلايا التي تكون الأنسجة المكملة لنمو الجنين كما هو معروف.

أنواع الخلايا

يوجد في داخل الحويصلة كتلة من الخلايا الداخلية بإمكانها تكوين أنوع كثيرة من الخلايا دون أن يكون بمقدورها في الوقت ذاته الوصول إلى كائن بشري بسبب افتقارها للمشيمة ولذا اصطلح العلماء على تسميتها ب«الخلايا الأولية الجنينية كلية القدرة».

ويتم الحصول عليها في المرحلة الأولية لتكوين الجنين المنقسم من 50 إلى 150 خلية إما من الأجنة المخصبة الفائضة عن عمليات أطفال الأنابيب حيث يلقح خلالها ستة أو سبعة أجنة ولا يزرع منهم في الرحم إلا ثلاثة أو أربعة من خلال تخصيب أجنة بهدف إجراء البحوث عليها أو استنساخها وهنا موضع الجدل الكائن بين مؤيدي تطوير البحث العلمي والمدافعين عن أخلاقيات العلم.

أما النوع الثاني فهو «الخلايا البالغة المتخصصة المتعددة القدرة» والتي تستخرج من الكائن البشري بعد أن يرى النور. وتتكون عندما تمر الخلايا الداخلية الأولية نفسها بدورات انقسام لتتحول إلى خلايا أكثر تخصصاً إن صح التعبير فتنشأ منها على سبيل المثال خلايا الدم الحمراء والبيضاء و«السيتوبلازما» وخلايا الجلد بمختلف أنواعها.

وتدخل في علاج أكثر من 220 حالة مرضية. ورغم ذلك يفضل معظم العلماء الخلايا الجنينية على البالغة لقلة عدد الأخيرة كلما تقدم العمر بالإنسان ولفقدانها لخاصية الانقسام التي تتميز بها نظيرتها الجنينية. أي أنه كلما صغر عمر الخلايا سال لعاب الباحثين لها.

وهناك وسائلاستنباط أخرى من غير الأجنة الفائضة أو المجهضة يمكن للأطباء الاستفادة منها والحصول على الخلايا عن طريقها كالاستنساخ أو دم الحبل السري أو خلايا المشيمة والخلايا الدهنية ونخاع العظام التي بمقدورها التحول إلى خلايا كبدية.

وقبل أشهر، نجح فريق طبي من جامعة كيوتو اليابانية في تحويل خلايا جلد بشري إلى خلايا جذعية ما يعني انتفاء الحاجة إلى استخدام الأجنة وتدعيم لنظرية اللجوء إلى الخلايا البالغ.

اختراقات علمية

حققت البشرية خلال العام الجاري اختراقاتٍ جمة في مجال أبحاث الخلايا الجذعية. ففي تطور غير مسبوق أدهش العلماء، أعلن رئيس قسم جراحة الرقبة في إحدى المستشفيات في مدينة برشلونة الإسبانية الطبيب باولو ماتشياريني قبل أيام أنه تمكن من زرع قصبة هوائية لامرأة كولومبية مطورة من خلايا جذعية تخص المرأة نفسها وذلك بزرع خلاياها تلك في القصبة الهوائية العائدة لمتبرعة أخرى وإزالة خلايا قصبتها التالفة وأنسجة مستولدة من النخاع الشوكي دون الخوف من رفض جسمها لهذا الزائر الدخيل ودون الحاجة إلى استخدام عقاقير لتثبيط الجهاز المناعي من رفضه.

كما كشف أطباء أميركيون بأن الخلايا الجنينية قادرة على التحول إلى خلايا عضلية قلبية نشيطة بعدما أجروا تجارب على فئران مصابة بأمراض قلبية ونجحوا أيضاً باستنباط خلايا جذعية من بنكرياس فئران وزرعها في أخرى مصابة بالسكري لتتحول إلى خلايا تنتج مادة الأنسولين المضادة للمرض.

الجدل الأخلاقي

يجادل كثيرون بأن استغلال خلايا الأجنة حتى لو كانت غير مكتملة النمو على افتراض أن تلك الأجنة لم تصبح بعد «إنساناً كاملاً» هو أشبه بالحكم بالإعدام على إنسانٍ قبل تنفيذه جريمته!

ويشددون على توفر بدائل طبية تتمثل بـ «تحفيز» الخلايا البالغة لتمتلك الخواص الانقسامية ذاتها التي تتوفر في نظيرتها الجنينية فيما يشير المؤيدون إلى أن هدف العلم الأساسي هو تخليص البشرية من الأمراض المستعصية وعليه فإن إنقاذ حياة مريض من موتٍ محقق يعتبر أمراً أكثر أهمية من أجنة غير مكتملة يمكن لها أن تموت قبل أن تولد خاصةً تلك «الفائضة» منها بعد انتهاء عمليات إخصابها والتي «سترمى» وتذهب هباءً.

الإسلام يحض على العلم ضمن ضوابط شرعية

أكد فضيلة د. فاروق محمود حمادة المستشار الديني لديوان الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي في اتصالٍ مع «البيان» على أن «الأبحاث التي تخفف عن الإنسان المعاناة ولا تضر مطلوبة شرعاً».

وأردف حمادة قائلاً «أما ما يعود على الإنسان بالضرر حسياً ومعنوياً فغير جائز إلا في ظروف استثنائية مثل أن يكون استمرار الحمل يشكل خطراً على حياة الأم، فهنا يجوز للطب أن يتدخل».

وحول أبحاث الخلايا الجذعية، أجاب فضيلة د. حمادة بأن «لا مانع منها شرعاً إن لم يكن فيها ضرر على الجنين قبل أن تنفخ فيه الروح أو بعد خروجه إلى الدنيا». واستطرد «إن هي عادت بالضرر أو أدت إلى الوفاة بعد نفخ الروح أو أحدثت في جسد الإنسان تشوهات خلقية أو آثار معنوية أخرى كقصور في التفكير فتصبح عندئذٍ محرمة».

وأكد المستشار الديني لديوان سمو ولي عهد أبو ظبي بأن هذا يدخل في إطار «الأخلاق الطبية التي يجب ألا يكون فيها اعتداء على الأنساب كاختلاطها أو الاعتداء على العورات أي أن تكون بمعرفة الأب والأم وبإذنهما».

ورأى فضيلة الدكتور حمادة في حديثه ل«البيان» أن الجنين يصبح شخصية كاملة لها حقوق «مع اكتمال اليوم 120»، مشيراً إلى أن الجنين إذا نفخ فيه الروح «يصبح نفساً شرعت فيها الدية». ولفت في الوقت ذاته إلى أن العلماء «لا يرون في ال40 يوماً الأولى شيئا لأن الجنين لا يدخل في الطور الثاني من أطوار الخلق».

واختتم قائلاً: «ولكن اختلف العلماء على الفترة بين 40 و120 يوماً». وبدورها، فإن معظم الطوائف المسيحية تعارض إجراء بحوث على الخلايا الجذعية من الجنين البشري من اليوم الأول للحمل فيما تذهب الديانة اليهودية إلى السماح بها في فترة الـ40 يوماً الأولى فقط رغم أن إسرائيل هي إحدى الدول النادرة التي تسمح «بالمطلق» باستنساخ أجنة «أياً كان مصدرها» بغرض البحث في الاستنساخ العلاجي وليس التكاثري وتقف معها الصين والهند وأستراليا وبريطانيا على قدم المساواة.

فيما تسمح دول أخرى كإيران وتركيا وروسيا وكندا وفرنسا باستخدام الأجنة الفائضة عن عمليات أطفال الأنابيب فقط. ومن جهتها، تعارض الدول العربية بأكملها والولايات المتحدة «باستثناء ولاية كاليفورنيا» وإيطاليا ومعظم الدول الإفريقية والآسيوية تلك الأبحاث بدرجاتٍ متفاوتة.

لمحات

ظهر مصطلح «الخلايا الجذعية» للمرة الأولى في العام 1908 عندما ألقى العالم الروسي الكسندر ماكسيموف محاضرة في مؤتمر طبي في العاصمة الألمانية برلين.

وفي العام 1993 أعطى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون و«الكونغرس» الضوء الأخضر ل«المعهد الوطني الصحي» في البلاد للقيام بأبحاث عن الخلايا الجذعية الجنينية للمرة الأولى ممهداً الطريق لجدل واسع بين المحافظين الرافضين لهذه الاختبارات والليبراليين المؤيدين لها.

يعارض الرئيس الأميركي المنصرف جورج بوش بشدة ومن ورائه الإنجيليون إجراء أي أبحاث حول الخلايا الجذعية رغم إقرار «الكونغرس» لهذه الأبحاث. واستخدم بوش صلاحياته الرئاسية في حق النقض «فيتو» لمنع تمرير القرار. وسبق له وأن صرح أكثر من مرة بأنه يعارض «قتل إنسان لإحياء آخر»، مشيراً إلى أنه «يفي بوعد» قطعه على نفسه منذ وقتٍ طويل.

يؤيد الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما أبحاث الخلايا بشقيها الجنينية والبالغة. وكان أحد المشاركين في صياغة مسودة قانون السماح بإجراء تلك الاختبارات والتي عارضها بوش نفسه. وهاجم أوباما آنذاك سلفه مشيراً إلى أنه «وحده من بين الأميركيين الذي يقف ضد إقرار القانون». وتكرر الأمر ذاته العام 2007 عندما صوت لصالح قانون مشابه جوبه ب«فيتو» آخر من قبل الرئيس المنتهية ولايته.

قسم أبقراط والأبحاث العلمية

منذ أن وقف الطبيب الإغريقي الشهير أبقراط، الملقب ب«أبي الطب»، أمام تلامذته ليتلو عليهم قسمه الشهير والذي أصبح نبراساً لكل عالمٍ وطبيب، مرت البشرية بمراحل مختلفة في رحلتها المضنية لسبر أغوار جسم الإنسان والتقرب من الأمراض التي ما برحت تفتك به وتنهش أعضاءه بهدف صرعها ووأد كل ما من شأنه تعكير سعي بني البشر الأزلي لشراء أعمارٍ من دون مرض.

تبعه بعدها كثيرون ساروا على دربه كالطبيب البريطاني توماس بيرسيفال الذي عاش في القرن السابع عشر وأوائل الأطباء الأميركيين في القرن التاسع عشر ممن رسخوا «لوائح الشرف» في حقولٍ تلامس إلى حدٍ بعيد مفهوم الحياة والموت.

وإذ شدد أبقراط على أن الأخلاق هي مطلب أساسي لأي مهنة خاصةً منها الطب وأكد على المبادئ النبيلة الناظمة للأبحاث العلمية فإن العديد من مريديه على الضفة الأخرى انجرفوا وراء إغراءات الكشف غير المسبوق ولعنة شهرة الإنجازات حتى لو كانت على حساب سعادة البشر أنفسهم لتنحدر لغة العلم وليمسي الإنسان هدفاً بعدما كان هو الغاية وليتحول إلى مطيةٍ في الطريق إلى مجد إشباع الفضول البشري.

وتتذكر الإنسانية بأسى فظاعات علماء العهد النازي في أوروبا والجرائم البشعة التي مارسها «أطباء» خلعوا رداءهم الأبيض المعهود ليمارسوا اختباراتهم العبثية الرهيبة على ضحايا معسكرات الاعتقال ما استدعى إقرار «دستور نورمبرغ» المعروف قبل أكثر من ستين عاماً والذي جرم إخضاع البشر إلى تجاربٍ بغير إرادتهم واشترط ألا تكون مخاطر الأبحاث على المتبرع أكبر من فوائدها.

وفي خضم هذه «الفوضى العلمية»، يبرز ديننا الإسلامي كمثالٍ جلي على الانفتاحٍ الخلاق تجاه مسائل ملحة في عصرنا من جهة مع محافظته على قيم وكرامة وحياة الإنسان التي حباها الله عز وجل له من جهة أخرى وسط عواصف جدلية متشعبة كانت ولا تزال محط خلاف بين بني البشر على اختلاف مشاربهم تماماً كما في رؤية الإسلام لأبحاث الخلايا الجذعية التي تعكس موقفاً إسلامياً حضارياً وسطياً يتفوق على غيره من «التكتلات الرافضة» لعين المبدأ.

إذن، تبدو تلك الخلايا وكأنها مارد خرج من قمقمه في وقتٍ يتساءل عباد الله عن هوية من يقف وراء تلك الأبحاث ومموليها وداعميها ويرسمون إشارات استفهام عما إذا كانت جهات خاصة تساند منع أجنةٍ من إبصار الحياة تنفيذاً لأجندة عقائدية منفلتة من عقالها.

وكغيرها من الاكتشافات العلمية المبهرة التي يعلق عليها الملايين آمالاً عريضة لإنهاء عذاباتهم بدءاً من الاستنساخ مروراً بالعقاقير الطبية «الثورية» مثل «فياغرا» و«بروزاك» وليس انتهاءً بالتجارب المخبرية المثيرة للجدل فإن لها وجهين متناقضين متخاصمين أبد الدهر.

فإن وضعت البشرية والحال كذلك الجانب الأخلاقي نصب أعينها ولجمت عنان مخيلة بعض العلماء فستتمكن حينها من اجتناب كارثة الاستسلام لسطوة «الإرهاب العلمي» وإرغامه على الامتثال لقيمٍ مهدورة بين جدران المخابر.

رؤوف بكر

bbaker@albayan.ae