وسط اهتمام عربي لافت بضرورة التوصل إلى حل لتجاوز معضلة أزمة دارفور، جاءت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك إلى السودان قبل نحو 10 أيام لتحمل دلالات عدة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في وقت يواجه فيه السودان استهدافاً من قوى خارجية وداخلية تحاول تقسيم وحدة أراضيه.
المراقبون السياسيون رأوا أن حصيلة زيارة مبارك كانت ايجابية وهذا ما وضح من ردود الفعل الايجابية التي أكدت أن العلاقات المصرية السودانية ممتدة ليس بحساب الزمن وحده ولكن ممتدة أيضا إلى أقصى بقعة في السودان، وللمتخصصين تحليلاتهم وآرائهم حول الزيارة التي وصفوها بالتاريخية، وأجابوا على السؤال: هل الزيارة تعد إشارة قوية بأن مصر ستلعب دورا أقوى على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟
وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط قال في إجابة على هذا السؤال بالتأكيد على أهمية الدور المصري في حل الأزمات السودانية وبخاصة أزمة دارفور والتعاون مع الطرفين في تنفيذ اتفاق السلام في السودان، مشيراً إلى أن الوضع في جنوب السودان أصبح ايجابيا إلى حد كبير. وقال الوزير المصري إن مصر دعمت الرئيس السوداني عمر البشير وستدعمه في مواجهة اتهام المحكمة الجنائية الدولية ضده، رافضا بشدة ما تردد عن انحسار الدور المصري في قضايا السودان، مشيرا إلى أن هناك تفاهما وتعاونا مصريا سودانيا كبيرا.
وفي الإطار ذاته، تؤكد الخارجية المصرية، على لسان الناطق الرسمي السفير حسام زكي، على أن مصر لديها الكثير الذي تستطيع أن تقدمه للسودان سواء للشمال أم في الجنوب، لافتاً إلى الوجود المصري الموجود في الجنوب سواء من القوات المسلحة من خلال المشاركة المصرية في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام أم من خلال العيادة الطبية المصرية في جوبا أو من خلال محطات الكهرباء التي توفرها مصر لأبناء الجنوب، ولذلك فالتواصل المصري مهم مع هذا الجزء العزيز للسودان الشقيق.
ويوضح المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية أن بلاده، ومنذ توقيع اتفاق السلام في السودان في العام 2005، وهى تشجع على التعامل بحسن نية وبجدية من أجل تنفيذ هذا الاتفاق بالشكل الذي يحافظ على وحدة السودان وتحقيق التنمية العادلة والمتوازنة لجميع أبنائه بمختلف أقاليمه سواء في الشمال أم في الجنوب، معتبراً أن الموقف المصري معروف ويؤكد على ضرورة إعمال العقل مع أي مشكلة قد تظهر في تطبيق هذا الاتفاق وأن يكون خيار الوحدة هو خيار جاذب للشعب السوداني عندما يذهب إلى صناديق الاستفتاء العام 2011.
تقييمات وتحذيرات
ويرى محللون سياسيون وخبراء في الشأن السوداني أن زيارة مبارك للسودان ستسهم في دفع القيادة السودانية للمضي قدما في طريق الحل السريع خاصة أنهم يعتبرون أن هذا البلد العربي يحتاج إلى اهتمام أكبر في مستهل مرحلة جديدة يستعد لها العالم الآن.
ويقول مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية د. حسن أبوطالب إن ما يجرى في السودان يدخل في صميم الأمن القومي المصري ذاته وذلك بأبعاده التاريخية والمائية والأمنية والاجتماعية التي تتداخل فيما بينها ويستحيل الفصل بينها، وكذلك العكس فإن ما يحدث في مصر ينعكس على السودان بنفس الدرجة.
مشيراً إلى أن مصر تعي جيداً أهمية وحدة التراب السوداني، وبالوقوف أمام كل المخططات والسياسات الدولية التي تهدف إلى تفتيت السودان أو إضعاف نظام الحكم به أو تقسيمه، ولذلك أن كل ما يصيب السودان من شأنه أن يلقي بظلاله على الداخل والأمن المصري.
ويوضح أبوطالب أن مصر تنظر للشمال كما تنظر للجنوب، وأن زيارة الرئيس مبارك إلى السودان واجتماعه مع الرئيس البشير ومع نائبه رئيس حكومة الجنوب سيلفا كير في جوبا لتؤكد على ذلك، وبأن الشمال والجنوب مكونات أساسية للدولة السودانية والتراب السوداني وكيان واحد لا تفرط مصر فيهما.
ويضيف: «لعل تأكيدات الرئيس مبارك بأن الاستثمارات والمشروعات المصرية كثيرة سواء في الشمال أو في الجنوب تؤكد أن مصر مع وحدة السودان ومع التطبيق المناسب والدقيق لاتفاقية نيفاشا والتي أنهت الحرب في الجنوب بعد عقدين من اندلاعها».
لافتا إلى أن مصر كانت حريصة دائما في المباحثات الخاصة باللجنة الوزارية التي يرأسها رئيسا وزراء البلدين على أن تكون المشروعات المشتركة زراعية أو صناعية أو تعليمية وثقافية موزعة على مناطق عدة في السودان وأن تهدف هذه المشروعات إلى تثبت التنمية وتبادل المنافع وفق صيغة الكسب المشترك، وعلى هذا شهد جنوب السودان في العامين الماضيين مشروعات مصرية كثيرة منها في مجال الرعاية الصحية والاتصالات والتعليم والتبادل التجاري.
ويرى أن «الحرص المصري على وحدة السودان ينطلق من رؤية واقعية قوامها أن السودان بحاجة إلى جهود كل أبنائه، وإلى التمسك بخيار الوحدة مع ابتداع سياسات وتحركات تعيد توزيع الثروة والسلطة بين أهل السودان ككل وفق صيغة عادلة يقبل بها السودانيون أنفسهم دون ضغوط أو إجبار»، ويشير إلى أن هذه الرؤية هو ما تتمسك به مصر تجاه أزمة إقليم دارفور.
علاقات فعاله
ويضيف أبو طالب أن مصر تحافظ على علاقات فعالة مع أطراف النزاع إدراكًا منها لمدى التعقيد التي وصلت إليه تلك الأزمة نتيجة التدخلات من مصادر دولية وإقليمية شتى، مشيرا إلى أن الآلية الأنسب هي أن تكون هناك مبادرة عربية أفريقية واحدة، باعتبار أن توحيد المبادرات والتنسيق بينها يساعد على سرعة الحل، لكن تعدد المبادرات من شأنه أن يسهم بدوره في تعقيد الأزمة ويبعد عنها بشائر التسوية المطلوبة والأزمة.
كما هو معروف معقدة أصلاً، وهناك من يحاول ويسعى دائمًا إلى إشعال الحرائق وليس إطفائها، وهذا يعني أن مصر تدعم التنسيق بين الجهد العربي الذي تقوم به قطر بتكليف وتفويض من الجامعة العربية وبين الجهد الإفريقي الذي يقوم به الاتحاد الإفريقي بمساندة ودعم من الأمم المتحدة.
توقيت الزيارة
وفي السياق نفسه، ترى الخبيرة في شؤون السودان د. أماني الطويل أن توقيت زيارة الرئيس مبارك يحمل عددا من المؤشرات المهمة في ظل التهديدات الخارجية واحتمالات الشرذمة الداخلية. وتشير إلى أن الزيارة تدشن موقفاً سبق وأعلنه مبارك أثناء توديعه للقوات المصرية المسلحة العاملة في دارفور في إطار القرارات الأممية بأن «مصر تقف على مساحة واحدة من جميع مكونات التنوع السوداني»، ومن هنا تعمل في ثلاثة اتجاهات:
الأول، السعي نحو إقرار تسوية سلمية في دارفور. ومصر تمتلك قنوات الاتصالات والحوار مع الفصائل المسلحة، بالإضافة إلى العلاقة القوية بحكومة السودان.
الثاني، علاقة متميزة مع جنوب السودان.. عناصرها احترام حق تقرير المصير والسعي نحو وحدة طوعية للقطر السوداني، إيمانا بأن فصل الجنوب له تأثير سلبي على العلاقات العربية الإفريقية في طول القارة الأفريقية وعرضها.
الثالث، السعي إلى تحجيم إجراءات المحكمة الجنائية الدولية بتأجيل طلب توقف الرئيس البشير لمدة عام وفق المادة 16 من ميثاق روما سعياً لسحب اختصاص المحكمة الجنائية لإقرار العدالة في دارفور، مع وجود إصرار مصري بعدم الإفلات من العقوبة ضد من مارس الانتهاكات ضد أبناء دارفور.
من جانبه، يرى مدير مركز يافا للدراسات د. رفعت سيد أحمد أن الزيارة في حد ذاتها عمل إيجابي من حيث توقيتها ولا شك في ذلك لكن المهم ما اتفق عليه في هذه الزيارة ، ويعرب عن الأمل في أن «تكون الزيارة جزءاً من بداية عهد جديد للملف المصري السوداني فالدور المصري خلال الـ 20 عاماً الماضية كان غائبا عن السودان وكانت مصر ضيفا في أغلب الاتفاقيات التي وقعت في الجنوب بين المتمردين والحكومة السودانية»، مشيرًا إلى أن المأمول هو أن تعيد مصر دورها في السودان باعتبار أن استقرار السودان من استقرار الأمن القومي المصري.
ويضيف د. رفعت سيد إلى قضيتين رئيسيتين تمثلان أمن مصر القومي: الأقباط، ومياه النيل.
ويشدد على أنه «من غير وعي وإدراك للقطبين يصبح أمن مصر مهددا بدرجة كبيرة»، لافتًا إلى أن الزيارة التي قام بها الرئيس مبارك في هذا السياق بداية لدور كبير تتطلع به مصر تجاه السودان. لكنه يعبر عن خشيته من «النفس القصير» في السياسة المصرية في ما يختص بالتنفيذ.
ويقول: «أخشى أنه بعد شهرين ينقطع دور مصر في السودان وتذهب الاتفاقيات الموقعة في مهب الريح ... إذا كانت هناك ضغوط أميركية وإسرائيلية تحاول أن (تجبر) تتراجع مصر عن هذه الاتفاقيات خاصة وهذه الاتفاقيات تشمل استثمارات ومشروعات».
وفي ملف ذي صلة، يقول سيد أحمد إن رفض حركات التمرد لمبادرة الرئيس البشير بالوقف الفوري لإطلاق النار رفض تقف وراءه الضغوط الأميركية والغربية و«جزء من لعبة أميركية إسرائيلية، لأن منطقة دارفور غنية بمختلف الثروات المعدنية مثل اليورانيوم».
عيون
حرب الممرات والمضائق
القراصنة قادمون؟
هذه هي آخر الفزاعات التي تعمل الآلة الإعلامية الغربية على تغذيتها، وكأن العصابات التي تهدد أمن الملاحة على أبواب البحر الأحمر تمتلك قدرات خارقة تحتاج إلى حرب دولية جديدة.. وكأنه لا يكفينا الحرب على الإرهاب.
القراصنة مهما امتلكوا من إمكانيات لا يمكن أن تزيد على ما يحمله أي جندي من الدول الغربية، وحتى الشرقية، التي تتواجد أساطيلها وقطعها البحرية في المحيط الهندي.. ومهما زاد عددهم لا يمكن أن يزيد على بضعة آلاف.. ومهما امتلكوا من تقنيات اتصال لا يمكن أن تضاهي أياً مما تمتلكه أقل الدول العربية تجهيزاً.
إذن، أين المشكلة؟
المشكلة كانت في البداية في التهوين من الأمر وعدم الاكتراث، وهو خطأ استراتيجي عربي، ويمني بشكل أساسي، وفي الوقت الراهن جاء التهويل والتضخيم.
الغياب العربي تم استدراكه ولو متأخراً فكان اجتماع القاهرة يوم الخميس بقرارات قوية تنتظر التنفيذ، وبسرعة.
أما العامل الغربي، فالتعاطي معه لا يجب أن يخرج من خانة الارتياب، فأية فرقاطة أو مدمرة: أميركية أو فرنسية أو روسية إن قصدت تستطيع أن تقضي على القراصنة وخطرهم. ولكن الأمر أكبر؟
إنها حرب المضائق، فباب المندب بوابة الملاحة الدولية والسيطرة عليه تعني امتلاك مفتاح استراتيجي في وقت تعاد فيه صياغة خريطة العالم اقتصادياً.. وهنا تبدو المؤامرة واضحة ضد العرب الذي يهيمنون، بحكم الجغرافيا، على أهم ثلاثة معابر مائية: مضيق هرمز، وباب المندب وقناة السويس. فباب المندب تؤدي حكماً إلى امتلاك مفتاح قناة السويس، هذه القناة التي شنت من أجلها حرب ضروس قبل 52 عاماً.. أما المضيق الثالث: هرمز، فيبدو حالياً محل صراع بين أميركا وإيران التي تهدد بما تملك من ترسانة صاروخية الطامحين إلى تغيير الواقع.
وهكذا، تكتمل حلقات تكبيل العرب لفرض ما يملى.. النفط تقهقر إلى ما دون الخمسين دولاراً، وربما قريباً إلى مادون الأربعين، والثروات السيادية تبخر جزء كبير منها في لعبة الأوراق المالية، وسيادة عدد من الدول الكبرى، عربياً، باتت مستباحة ومهددة ومقيدة ب: اتفاقات، واجتياحات، واحتلالات، وحصار.
فالعراق مكبل بأمر الواقع، وسوريا في «الطوق»، ومنطقة الخليج تعاني مالياً وتراقب لعبة شد الحبال بين أميركا وإيران، ومصر تقاطع سوريا ومنشغلة في الخلافات الفلسطينية وفي الأوضاع غير المستقرة عند بوابة أمنها القومي الجنوبية، والسودان مهدد بأن يكون سودانيين، ودول الاتحاد المغاربي تبحث من عقدين عن الوفاق.
فهل يعقل أن يكون في يد هؤلاء مفاتيح بوابات ثلاثة بحار وأكبر المحيطات!
نضال حمدان
