يستعد الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي أقدم على إعادة ترشيح نفسه لولاية رئاسية ثالثة وهو في الثانية والسبعين من العمر لمواجهة جملة من التحديات أساسها الدخول بالجزائر في مرحلة البناء الفعلي وتأهيلها لتكون قطبا إقليميا يرتقي إلى مستوى قوتها الاقتصادية كثالث أكبر اقتصاد في إفريقيا.
وإذا كانت الحالة الصحية للرئيس الجزائري شابتها في السنوات الأخيرة بعض الشكوك فإنه في مناسبات عديدة وخلال الزيارات الميداني التي أداها إلى عدد من ولايات البلاد أبغ الجميع رسالة مفادها أنه قد تعافى تماما وإذا خاض الانتخابات وفاز فسيستمر في المنصب حتى العام 2014 فحتى الآن لم يظهر أي سياسي يمكنه منافسة بوتفليقة.
ويعتبر عدد من المنافسين أن ترشيحه يحظى بدعم العسكريين الذين يهيمنون على المشهد السياسي في البلاد منذ استقلالها عن فرنسا في العام 1962 ورغم إعلان علي بلحاج الزعيم السابق في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة اعتزامه ترشيح نفسه إلا أن وضعيته القانونية باعتباره ممنوعا من ممارسة النشاط السياسي لا تتيح له فرصة منافسة بوتفليقة.
و بالمقابل أعلنت شخصيات معارضة عن تشكيل تحالف معارض غير رسمي يسعى من أجل التغيير وهي رئيس الوزراء الأسبق مولود حمروش وزعيم جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد والأمين العام السابق للجبهة الوطنية للتحرير عبدالرحمن مهري، لكن بوتفليقة في خطابه أمام مجلس القضاة لخص الغرض من تعديل الدستور في «إعادة تنظيم وتدقيق وتوضيح الصلاحيات والعلاقات بين مكونات السلطة التنفيذية دون المساس بالتوازنات الأساسية للسلطات.. سلطة تنفيذية قوية موحدة ومنسجمة بإمكانها تحمل المسؤوليات واتخاذ القرارات بسرعة».
وعمليا فإن صلب الموضوع من تعديل الدستور هو المادة 74 التي كانت تنص على أنه لا يحق للرئيس أن يترشح أكثر من عهدتين.. هذا التعديل لا يعد سابقة من نوعه فقد سبقته تونس في العام ألفين واثنين حينما تم تعديل فقرات في دستورها وأهمها عدم تحديد الفترات الرئاسية بما يسمح للرئيس التونسي زين العابدين بن علي من الترشح لولاية رابعة في الانتخابات المقبلة كما تم في مصر تعديل الدستور المصري ليتم وفي سابقة تاريخية انتخاب رئيس الجمهورية انتخابا مباشرا من قبل الناخبين عوضا عن الاختيار الذي كان يتم من قبل البرلمان ليتم فيما بعد الاستفتاء عليه من قبل الشعب.
وإذا كانت الخطوة الجزائرية سبقت بدعوات من قبل الموالين لبوتفليقة فإن أحزابا معارضة لم تبدي تفاعلا مع هذه الخطوة التي أقدم عليها البرلمان وعبرت عبر بيانات لقياداتها عن رفضها بالقول أن إستراتيجية احتكار وانقلاب وتراجع سياسي وأخلاقي، و«خدعة للبقاء في السلطة».
وتأتي هذه المواقف على خلفية ما تراه أحزاب المعارضة واقعا سياسيا متوتراً وغير مستقر ويعتمد أساسا على الولاءات منها الولاءات الجهوية، والاقتصادية والسلطوية بدلا من الاصطفاف وراء برامج سياسية واضحة تلتزم بمصالح المواطنين، وتعالج مشكلاتهم واساسها الغلاء والبطالة المتفشية وظاهرة قوارب الموت أو الحراقة التي يعاني منها الشباب الجزائري وأزمات أخرى كأزمة السكن والانحرافات الأخلاقية جرّاء الفقر.
ويرى محللون ووسائل إعلام في الجزائر أن البلاد تعاني من عدد من القضايا المهملة التي تهدد استقرار البلاد إضافة إلى العنف الذي لم تتوقف عجلته رغم كل ما بذل في إطار مشروع المصالحة الوطنية للرئيس بوتفليقة. وهو ما يزيد من تعقيد المشهد فالمواقف السياسية جميعها باتت مبنية على أساس مواقف الأطراف من قضايا العنف والإرهاب وليس على أسس برامجية اقتصادية وسياسية واجتماعية.
اقتحام مبكر لمعترك النضال الوطني
ولد عبد العزيز بوتفليقة في 2 مارس 1937 و دخل مبكرا الخضم النضالي من أجل القضية الوطنية. ثم التحق، في نهاية دراسته الثانوية، بصفوف جيش التحرير الوطني و هو في التاسعة عشرة من عمره في 1956.
و كان له أن أنيط بمهمتين، بصفة مراقب عام للولاية الخامسة، أولاهما سنة 1957، والثانية سنة 1958، وبعدئذ مارس مأمورياته، ضابطا في المنطقتين الرابعة والسابعة بالولاية الخامسة. ألحق، على التوالي، بهيئة قيادة العمليات العسكرية بالغرب، وبعدها، بهيئة قيادة الأركان بالغرب ثم لدى هيئة قيادة الأركان العامة.
وذلك قبل أن يوفد، عام 1960، إلى حدود البلاد الجنوبية لقيادة ز جبهة الماليس التي جاء إنشاؤها لإحباط مساعي النظام الاستعماري الذي كان مرامه أن يسوم البلاد بالتقسيم. ومن ثمة أصبح الرائد عبد العزيز بوتفليقة يعرف باسم زعبد القادر الماليس. وفي عام 1961، انتقل عبد العزيز بوتفليقة سريا إلى فرنسا ، و ذلك في إطار مهمة الاتصال بزعماء الثورة التاريخيين المعتقلين بمدينة (أولنوا).
في 1962، تقلد عبد العزيز بوتفليقة العضوية في أول مجلس تأسيسي وطني، ثم ولي، وهو في الخامسة و العشرين من عمره، وزيرا للشباب والسياحة في أول حكومة جزائرية بعد الإستقلال. وفي سنة 1963، تقلد العضوية في المجلس التشريعي قبل أن يعين وزيرا للخارجية في نفس السنة.
جعل عبد العزيز بوتفليقة من منصب وزير الخارجية ، إلى غاية 1979، نشاطا دبلوماسيا أضفى على بلاده إشعاعا و نفوذا وقد أعطى عبد العزيز بوتفليقة، السياسة الخارجية دفعا خلال أزيد من عقد من الزمن أدى إلى نجاحات عظيمة بما في ذلك توطيد الصفوف العربية خلال قمة الخرطوم سنة 1967 ، ثم إبان حرب أكتوبر 1973 ضد إسرائيل، انتخب عبد العزيز بوتفليقة بالإجماع رئيسا للدورة التاسعة و العشرين لجمعية الأمم المتحدة سنة 1974 و نجح خلال عهدته في إقصاء جنوب إفريقيا بسبب سياسة التمييز العنصري التي كان ينتهجها النظام آنذاك، .
في ديسمبر 1998 أعلن عن نية الدخول في المنافسة الانتخابية الرئاسية بصفته مرشحا حرا. و انتخب في 15 أبريل 1999 رئيسا للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
وفي 22 فبراير 2004، أعلن عبد العزيز بوتفليقة عن ترشحه لعهدة ثانية. في 6 ديسمبر 2007 تعرض لمحاولة اغتيال في باتنة (400 كم عن العاصمة) حيث حصل إنفجار قبل 40 دقيقة من وصوله للمنصة الشرفية خلال جولة له شرق البلاد، وقد خلف الحادق 15 قتيل و71 جريح.
تأشيرة زيارة
الولاية الثالثة
بات في حكم المؤكد ترشح الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لولاية ثالثة في الانتخابات الرئاسية التي تشهدها البلاد في شهر ابريل القادم، بعد التعديلات التي أدخلت على الدستور والتي أقرتها المؤسسة التشريعية.
ولعل الخطوة التي اتخذها الرئيس الجزائري في سياق التحوير الجديد الذي يمنح صلاحيات أوسع لمؤسسة الرئاسة من شأنها دعم هذا الاتجاه، ففي الجزائر اليوم وبعد نحو نصف قرن من الاستقلال بات للبلاد وزير أول يتولى تنفيذ سياسة رئيس الجمهورية على غرار ما هو معمول به في الجمهويات ذات لأنظمة الرئاسية مثل فرنسا.
فعلى مدى عهدتين رئاسيتين لبوتفليقة لم يفت وهو رئيس الدولة والجمهورية فرصة لانتقاد أداء وزراء في الحكومة وربما وصل الأمر في مناسبات إلى حد توبيخ بعضهم بسبب قصور في الأداء الحكومي، الذي تنازعته في مواطن كثيرة أهواء حزبية وحسابات سياسية لم تمنح في أولوياتها مصلحة المواطن الجزائري.
وتجعله ينعم بخيرات بلاد تعد الأهم في محيطها الجغرافي، فمن يزر الجزائر يستطع أن يقترب أكثر من معضلة هذه البلاد التي تمكنها مواردها الطبيعية وجغرافيتها وقربها من أوروبا من أن تكون أفضل حالا مما هي عليه اليوم، ولعل ما يحسب للرئيس بوتفليقة من نجاح في عهده، الخروج بالبلاد من نفق سنوات الدم وتأهيلها لتعود إلى المشهد الدولي بعيدا عن عشرية التسعينات المظلمة التي أخرجت الجزائر من الزمن وعطلتها عن دخول القرن الواحد والعشرين.
ولعل رغبة الرئيس بوتفليقة وشريحة واسعة من السياسيين في الجزائر محاولة تدارك ما فات من خلال تأهيل دستوري وأداء حكومي يستطيع أن يوفر للمواطن الجزائري فرصة التمتع بخيرات بلاده وهي كثيرة وتتيح للبلاد الخروج من نمط اشتراكي إلى دولة عصرية ذات منظومة إدارية متطورة ومرونة تسمح باستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
كما تفتح المجال أمام آلاف الطاقات الجزائرية المعطلة للمساهمة بدورها في بناء بلادهم،وهذا ما يتمناه بوتفليقة ويدعو له صراحة في مناسبات متعددة، ويلقى دعماً واسعاً من عديد الأطراف في الجزائر ومن بينها المؤسسة العسكرية، التي ترى في بوتفليقة ضمانة لاستمرار مشروع البناء الذي شرع فيه رغم الصعوبات والانتكاسات فالبلاد في عهده تحولت إلى ورشات مفتوحة ومشاريع البنية التحتية والإعمار تبدأ لكي لا تنتهي.
والمعضلة ليست في التمويلات بقدر ما هي رهينة إدارة بالية لا يفوت الإعلام الجزائري فرصة لانتقادها وتعرية قصورها، فماذا يمكن لبوتفليقة في صورة ترشحه لولايته الثالثة أن يفعل لتغيير المشهد الجزائري، والجواب يتجلى في ما يعتبره سياسيون جزائريون فصل التداخل بين مؤسسة الرئاسة والعمل الحكومي الذي كان عائقا أمام أي مشروع للإصلاح والبناء.
فبوتفليقة يأمل في ولاية رئاسية تحرره أكثر من القيود الدستورية والتشريعية وتجعل وزراء الحكومة كل في موقعه مسؤولا مسؤولية مباشرة أمام رئيس الدولة وهو ما يمنح الجزائر إمكانية الدخول في عهد للبناء الفعلي تسير فيه التنمية جنبا إلى جنب مع الحراك السياسي والإعلامي الذي تعيشه البلاد والذي بات نموذجا في المنطقة.
محمد الهادي الحناشي
