حدود أوروبا مع روسيا ليست من طبيعة جغرافية وتاريخية فحسب، ولكنها أيضا من طبيعة نفسية. ولكن مسألة الحدود الروسية هذه تبقى ذات أهمية استثنائية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وأيضا للعديد من الدول المجاورة، التي كانت حتى الأمس القريب جمهوريات سوفييتية تدور في فلك موسكو.
ولروسيا حدود طويلة مع الصين ومع أذربيجان، كان التفاوض حولها، في الحالتين، قد استمر سنوات طويلة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وحدود عديدة أيضا مع دول الجوار الصغيرة، بالإضافة إلى الحدود البحرية والجوية. وإذا كانت روسيا تقبل بصعوبة استقلال بلدان آسيا الوسطى، فإنها ترفض بشدة سلخ بلدان البلطيق وبلدان القوقاز عن «الجسد الروسي»، وهي لا تتصور أبدا خسارة أوكرانيا، فهي لا تزال روسية في الرؤوس.
لكن روسيا تتردد باستمرار في التزود بحدود ثابتة، فهي لا تزال تطرح على نفسها سؤال: «من هي؟ أهي أوروبية أم آسيوية أم مجرد جسر للتواصل بين القارتين». بكل الحالات فإنها لم تتخذ في أي يوم من الأيام موقفا نهائيا من مسألة اندماجها مع المجموع الأوروبي.
تشير المؤلفة بداية إلى أنه عندما يتم الحديث عن روسيا والحدود، لا بدّ أن يصطدم المرء بمشكلة ترتبط بجوهر هذه البلاد ذاته، وهو جوهر يتجاوز المسألة الجغرافية وحتى التاريخية ويأخذ «بعدا فلسفيا». ذلك أن الحدود هي نتاج عملية تطور تاريخي تصل إلى تجسيد دولة ـ أمة ما ضمن حدود جغرافية معروفة يحفظها البشر عن «ظهر قلب». لكن روسيا لا تخضع لمثل هذه القواعد فهي دائما «بصدد البحث عن حدود لا وجود لها. إنها تريد التوصّل إليها ولكنها تجد صعوبة أكثر من الآخرين من أجل تحديدها نهائيا»، كما نقرأ.
وتتم الإشارة إلى أن ستالين كان قد خطّ ب«القلم الرصاص» حدود إمبراطوريته. وكان يقوم بإعادة صياغتها وينقل سكانها كما يشاء وحيث كانت تمتد سلطته. لكن الوضع قد تغيّر الآن مع روسيا الجديدة، حيث لم يعد يجري استخدام الحدود من قبل سلطة شمولية تسعى إلى التقسيم داخل إمبراطوريتها كي تحكم سيطرتها أكثر على ممتلكاتها تطبيقا لمبدأ «فرّق تسد». إن الأمر يتعلق اليوم بدولة حديثة وبنظام يؤكد على ديمقراطيته. وتبقى علاقتها مع حدودها ذات أهمية جوهرية خاصة بالنسبة للدولة الموجودة في جوارها المباشر والتي كانت تشكل حتى عهد قريب جزءا منها ولا تزال حتى الآن ذات استقلال هش، أي جورجيا.
وتؤكد المؤلفة أن علاقة روسيا بحدودها هامة جدا أيضا بالنسبة لدول أخرى وعلى حدود أخرى مثل دول منطقة البلطيق وبولندا ورومانيا، أي الدول التي كانت حتى الأمس تحت السيطرة وإنما التي تحررت اليوم وهي بحاجة لمعرفة أن روسيا قد قبلت العالم الجديد وأنها تعترف بحقيقة استقلال جيرانها.
وعلاقة روسيا بحدودها هامة كذلك بالنسبة لأوروبا التي تحتاج أيضا لمعرفة عمّا إذا كانت روسيا قد أصبحت بلدا «طبيعيا» أم أنها ما زالت ذات طبيعة «إمبريالية». معرفة ذلك هي التي تحدد طبيعة العلاقات المطلوب إقامتها بين القوتين الأساسيتين في القارة القديمة، أي أوروبا وروسيا.
مكانة الحدود في روسيا حالياً هامة ومعقّدة بنفس الوقت، وعلى السلطات الروسية أن تفاوض على جبهات عديدة لرسمها. هناك الحدود الروسية ـ الصينية الطويلة التي كانت مصدر نزاعات لم تنقطع. وهناك حدود طولها 7000 كيلومتر مع ازربيجان. كانت المفاوضات حول هذه الحدود مع الصين وأذربيجان قد بدأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 واستمرت قرابة ربع القرن للوصول إلى اتفاقيات حدودية. لكن، للمفارقة، تجد روسيا صعوبات أكثر في التوصل إلى رسم الحدود مع الدول المجاورة الصغيرة، مثل لتوانيا واستونيا وجورجيا وأوكرانيا.
البحر الأسود
وهناك أيضا مسألة معقّدة تتعلق بالحدود البحرية لروسيا التي تقلّص نفوذها كثيرا على البحر الأسود. لقد كانت في الحقبة السوفييتية القوة المسيطرة عليه وتتقاسم هذا البحر الداخلي مع تركيا، ولا بد أن يسوءها اليوم تجزئة النفوذ حوله. إذ ليس من السهل رؤية أن دولتين عضوين في الحلف الأطلسي وفي الاتحاد الأوروبي هما رومانيا وبلغاريا، من جهة، ودولتين مرشحتين للانضمام إلى الحلف الأطلسي هما أوكرانيا وجورجيا، من جهة أخرى، تتقاسم فيما بينها مع تركيا، القسم الأكبر من شواطئ البحر الأسود. هذا البحر الذي هو بصدد أن يصبح رهانا إستراتيجيا بالنسبة للاتحاد الأوروبي كما بالنسبة للحلف الأطلسي.
وتلفت المؤلفة الانتباه إلى أن هذه الدول قد عبّرت مرات عديدة عن موافقتها على إجراء مناورات بحرية للحلف الأطلسي في البحر الأحمر، وكذلك عمليات عسكرية أطلسية ذات علاقة بمكافحة الإرهاب. كل قرار من هذه القرارات رأت به روسيا مساسا، بطريقة ما، بما تعتبره مجالها الحيوي، وحافزا لها لطرح السؤال الذي يؤرّقها حول «حدودها».
الرهان الحقيقي الذي تعيشه روسيا هو التوصل إلى رسم نهائي لحدودها مع جورجيا عبر معاهدة حدودية شاملة. وهذا في غاية الدقة بسبب وجود الإقليمين الانفصاليين ـ أعلنا استقلالهما قبل فترة وجيزة - المتمثلين في أبخاريا وأوسيتيا الجنوبية. وتعتبر المؤلفة أن قبول روسيا نهائيا بالحدود مع جورجيا يعني الاعتراف بسيادة جورجيا على هذين الإقليمين. وتقول إنها حاولت هي نفسها ـ من موقعها آنذاك كوزيرة لخارجية جورجيا ـ أن تدفع روسيا للقيام بتلك «الخطوة الحاسمة» عندما تفاوضت ووقعت مع وزير الخارجية الروسية بتاريخ 30 مايو 2005 الاتفاق حول انسحاب القواعد العسكرية من روسيا.
جزر الكوريل
وتشير المؤلفة أن مسألة كريمي وتبعيتها لأوكرانيا تراود باستمرار أذهان الروس رغم الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه. وترى المؤلفة أنه من المثير للاستغراب أن روسيا، البلاد-القارّة التي تبلغ مساحتها سدس اليابسة في العالم تفضّل متابعة النقاشات والمحادثات حول جميع المناطق الصغيرة المتنازع عليها بدلا من الوصول إلى اتفاقيات قد تجلب تعاطف جيرانها واعترافهم بجميلها.
وترى المؤلفة أن نفس «اللغز» يحيط بمسألة جزر الكوريل حيث يمكن للتوصل إلى اتفاق نهائي أن يوفّر منافع اقتصادية وسياسية هائلة لروسيا بينما أن عدم الوصول إلى مثل هذا الاتفاق مع اليابان يسمم علاقات روسيا مع «شريكها» الآسيوي الذي لا يمكنها الاستغناء عنه. ويتم التأكيد أنه من الصعب جدا فهم سبب العناد الروسي في هذه القضية وإيجاد تفسير عقلاني له. وبعيدا عن كل منطق لا تريد روسيا التخلي عن هذه الجزر المتناهية في الصغر، وكما لو أنها تمثل ما هو أهم من المساحة التي تغطيها ومن «المكنونات» التي تخفيها ومن موقعها الإستراتيجي المزعوم. المسألة تدفع «قسرا» إلى التفكير برابطة أقوى من الرابطة مع الأرض.
هنا تفتح المؤلفة المؤلفة قوسين لتشير إلى أن «روسيا تقيم مع حدودها رابطة بسيكولوجية أكثر مما هي سياسية». هذا مع التأكيد أنه لا مكان ل«العقلانية» و«للحساب الحقيقي للمصالح السياسية أو الاقتصادية أو الإستراتيجية في ذلك كله. «إنها رابطة روسيا مع ذاتها هي التي ينبغي الكشف عنها عبر رابطتها مع حدودها».
روسيا، كما يتم تقديمها، لا يمكنها أن تتصور نفسها سوى حجم هائل يتحرك. ومن هنا جاء استياؤها الكبير من استقلال الدول المجاورة لها مباشرة. لكنها تقيم علاقات خارجية مع بلدان آسيا الوسطى مثل كازاخستان وغيرها، فرغم أن هذه البلدان هامة في المخيلة الروسية، فإن ذلك يعود للنظر إليها كمجال ل«التوسع» وليس لما تمثله بحد ذاتها. الأمر مختلف بالنسبة للتخلي عن بلدان البلطيق وعن النوافذ على بحر البلطيق وعن النوافذ على بحر البلطيق، فهذا مؤلم جدا بالنسبة لروسيا مثلما هو عن سان بطرسبرج، إذ أن «نافذة مفتوحة على أوروبا» تنغلق.
أما بالنسبة لضياع القوقاز، فقد رأت فيه روسيا بترا مؤلما للجزء المتوسطي من جسدها. وفي نفس الوقت كانت خسارة أوكرانيا أمرا لا يمكن تصورّه. فأوكرانيا هي أولا المهد والأسطورة المؤسسة.
وقبول الانفصال عنها يعني الاعتراف بحدود تفصلك عن الجزء الآخر من نفسك، وهذه هي الخطوة التي تتردد روسيا وجزء كبير من سكانها في القيام بها. ومثل هذه الخطوة لم يتم قطعها في الرؤوس. فإذا طُلب من أحد الروس رسم خارطة لحدود بلاده فسيكون هناك كمّ كبير من المفاهيم والأوهام. هذا الكم من روسيا بصيغة الجمع يعني عدم وجود روسيا واحدة، أي عدم وجود صورة واضحة لما ينبغي أن تصبح عليه.
وترى المؤلفة أن تردد روسيا في التزود بحدود ثابتة يمكن الدفاع عنها، وبحدود «يستبطنها» مواطنوها، وقادتها، يجعلها بصورة ما «ضحية» للإحساس بعد اكتمالها. وعدم التحديد هذا يؤدي إلى عدم معرفة أين يبدأ أو أين ينتهي الآخر. وهذا يخلق أيضا حالة «دفاعية» و«هجومية» بنفس الوقت.
من هنا أيضا يأتي الإحساس الروسي بوجود «حالة حصار» مفروضة باستمرار على روسيا. نقرأ: «هذه الذهنية المتعلقة بالقلعة المحاصرة التي تتسم بها السياسة الروسية، وهذا الخوف المعقّد واللاعقلاني من الغريب القريب، أمور تجد جذورها في نفس الإحساس بعدم الثبات». وضمن نفس النهج من التحليل يتم التأكيد على أن روسيا مأخوذة بالاهتمام بأولئك الذين يحيطون بها وبمصيرهم أكثر وبماضيها «الإمبريالي» أكثر من اهتمامها بالقيام بأن تصبح دولة «طبيعية» عادية.
ولا تزال روسيا تطرح على نفسها سؤال: من هي؟ هل هي روسيا الأوروبية المحصورة بحوض نهو الفولغا وغرب جبال الاورال أو روسيا الكبرى بممتلكاتها الشاسعة عبر سيبيريا أو روسيا المسيحية أو روسيا السهول الآسيوية والإسلامية؟ وترى المؤلفة أن مثل هذا التساؤل يجد صداه في الحنين الذي أبداه فلاديمير بوتين حيال زوال الاتحاد السوفييتي، إذ اعتبر ذلك: «أكبر مأساة في العالم المعاصر».
وسؤال: ما هي؟ يؤدي إلى أسئلة أخرى: أين هي؟ وهل هي تتجه نحو أوروبا أو تشكل جزءا من أوروبا الكبرى؟ وهل هي جسر مع آسيا أم هي جزء من آسيا؟
بالنسبة لأوروبا من الملفت للانتباه أن روسيا لم تتخذ في أي يوم من الأيام موقفا نهائيا حول مسألة اندماجها في المجموع الأوروبي. ففي المفهوم الذي طرحه ميخائيل غورباتشوف حول البيت المشترك وحول تصريحات بوريس يلتسين وفلاديمير بوتين، يظل الغموض قائما. كذلك لم تتخلّ روسيا رسميا عن حق المطالبة ذات يوم بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحتى لو كانت اليوم لا تندرج في موقع من يريد السير في هذا المنظور بل تفضل سبيل «الشراكة الإستراتيجية».
وكانت روسيا قد رفضت عرض ما سمي بسياسة الجوار. فهي لا تنوي أن تكون جارا مثل الآخرين ولا أن تكون قوى خارجة عن أوروبا، وإنما شريكا، متفرّدا في علاقة متفرّدة. هذه العلاقة المتفرّدة ليست محددة بشكل دقيق، هذا فضلا عن أنها معطلة اليوم بسبب «الفيتو» الذي فرضته بولندا ويمنع استئناف المفاوضات من أجل تجديد اتفاقية انتهى أجلها في شهر نوفمبر 2007.
كذلك تلوح في الأفق صعوبات كثيرة للعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. فليس هناك ماضٍ مشترك، بسبب الإرث السوفييتي، ولا مشروع لمستقبل مشترك. فروسيا لم تختر بين أوروبا وآسيا. ولا يزال الطريق طويلا لمعرفة الصيغة النهائية التي سوف ترسو عليها الأمور.
الصفحات: 294 (متوسط)
الكتاب: أوروبا وجراح الأمم
تأليف: سالومي زورابيشفيلي
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: بوران- باريس- 2008
