قلّما أثار قس الجدل من حوله كما فعل رئيس أساقفة ميونيخ راينهارد ماركس، فهو لا تجمعه مع ماركس الجد القرابة العائلية فقط، وإنما الشبه في ملامح الوجه والأفكار أيضاً، إذ فاجأ القس الآتي من تريار، مسقط رأس كارل ماركس القديم نفسه، المجتمع الفكري الألماني بإعلانه في مؤتمر صحافي عقده في ميونخ في 29 أكتوبر المنصرم، وأعلن فيه صدور كتابه الجديد: «رأس المال، نداء إلى الشعب» الصادر عن «دار باتلوخ، ميونيخ، 304ص». ويأتي العنوان في استعارة لاسم مؤلف كارل ماركس الشهير «رأس المال».

«المضاربة الوحشية خطيئة» هو عنوان المقابلة التي أجرتها مجلة «ديرشبيغل» معه، حيث دعا إلى العودة إلى الاقتصاد الاجتماعي للسوق، معترفاً بأن الاشتراكية الكاثوليكية استفادت من أفكار ماركس، وذلك بقوله: «نحن نقف اليوم على أكتاف كارل ماركس»، ويجب أن نطلب المعذرة من ناقد الرأسمالية الأبرز، والمحلل لأزماتها، إذ تنبأ بجوهر العولمة، على أنها عولمة لرأس المال.

يقول القس راينهارد ماركس إن الداعي لهذا الكتاب الآن ينطلق في سياق مشروع فكري بدأه منذ عدة سنوات مع أطروحة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، غداة انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1989، عندما دعا هذا الأخير إلى التفكر في مبادئ الرأسمالية. وحذر حينها من أن فشل الأنظمة الرأسمالية المعاصرة في حل الأزمات التي يعيشها العالم، سوف يكون من شأنه انبعاث جديد لأفكار ماركس القديمة.

وصحّت تنبؤات البابا الراحل إذ سرعان ما شهدنا ظهور انبعاثات روحية جديدة للماركسية. ففي العام 1993، كتب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا كتابه «أطياف ماركس» الذي بشّر بحتمية التناسل الروحي لأفكار صاحب رأس المال، وقال بضرورة العودة إلى أفكار الرجل الأكثر خبرة في فهم الرأسمالية، وذلك من أجل مواجهة التوحش الرأسمالي.

تدفع الأزمة المالية العالمية الراهنة والحديث عن الركود الاقتصادي المقبل بالكثيرين في العالم، وفي ألمانيا على وجه الخصوص، إلى العودة لقراءة ماركس من جديد، ويشهد المجتمع الألماني، إضافة إلى صعود وتنامي اليسار الجديد، اهتماماً شبابياً وأكاديمياً لافتاً بكتابات ماركس وتحديداً «رأس المال»، اهتمام يأتي من مشارب مختلفة كالجامعة والكنيسة والتيارات الشبابية الجديدة، وبعض المفكرين الرأسماليين أنفسهم.

هؤلاء يطرحون ماركس كأحد المفكرين والفلاسفة العظماء الذين أثروا المكتبة والوعي البشريين بالكثير من الأفكار المفيدة، التي لا يزال بعضها حتى أيامنا صالحاً لا بل ضرورياً، لفهم وتفسير الرأسمالية والعولمة وحركة الاقتصاد المعاصر.

ومن أبرز نقاط اختلاف آراء القس راينهارد ماركس مع أفكار ماركس القديم، مسألة الملكية الخاصة التي يدافع القس عنها. بالإضافة لذلك، لن يكون بمقدور رئيس أساقفة ميونيخ وبروفسور اللاهوت، أن يجاري أفكار مؤسس الشيوعية في أفكاره حيال الله والعائلة المقدسة.

ألمانيا ــ ناجي طاهر