الحدود والهوية هناك رابطة عضوية بينهما، على قاعدة هذه الرابطة حصل إقليم كوسوفو على استقلاله قبل أشهر. وطرح بنفس الوقت تحديا كبيرا أمام أوروبا التي أكّدت في مواثيق الاتحاد الأوروبي على أنها ضامنة للهويات، صغيرها وكبيرها، وللأقليات بكل تنوعها مع التأكيد القاطع أن الدول الأوروبية لا تقوم على أساس العرق.

هكذا بدا استقلال كوسوفو بالنسبة للعديدين، ومن بينهم مؤلفة هذا الكتاب، بمثابة خلل في مسيرة التوحيد الأوروبية، إذ أنه يستجيب لمنطق تقسيمي، على أساس عرقي، ويخلق تقسيمات حدودية داخلية كانت اتفاقية هلسنكي الأوروبية قد كبحتها تماما.

ويتم التأكيد أن آلية «التجميع» و«التقسيم» تشكل تهديدا للاستقرار في أوروبا وقد تخلق اضطرابات لن يكون من السهل السيطرة عليها. وبالتالي تمثل خطرا على «الموديل» الأوروبي برمّته أو ربما تؤدي إلى تهديم كيانات بعض الدول القائمة.

ومن المساوئ التي يتم التركيز عليها فيما يخص استقلال كوسوفو، أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي «فرضته» ولم يكن خيارا أوروبيا، بل ومن دون أي تنسيق حقيقي مع الأوروبيين.

تتناظر الحاجة إلى الحدود مع الحاجة إلى الهوية. والبحث عن هذه الهوية يمكن أن يبدو كنوع من الحنين إلى الماضي، وكرد فعل طبيعي للدفاع في مواجهة العالم المعولم والذي لا يهتم بالخصوصيات. وهذا البحث يغذي أيضا الحاجة إلى الحدود الوطنية ما بين الدول، الحاجة إلى الحدود الداخلية.

هذا المطلب الملحّ يضع أوروبا في مواجهة نقاط ضعفها. ذلك أنه عليها بالتحديد أن تكون الضامن والحامي للهويات المهددة وليس فقط الهويات الأكبر. ومطلوب من الحضارة الأوروبية أن تحتوي الثقافات واللغات وتقاليد الأقليات وأن تقدّم لها بنفس الوقت منظور البقاء ولكن بعيدا عن ردود الأفعال المتعلقة بالانكفاء على الذات.

وضمن هذا السياق قامت كوسوفو قبل فترة بتحدٍ كبير لأوروبا. فهل كان الحفاظ على الاثنية واللغة الألبانية يمر عبر بروز حدود جديدة ودولة جديدة؟ وهل كان من المبرر والضروري والمشروع إحياء تلك المحاولة القديمة المتمثلة في تناظر حدود الدولة مع الحدود الاثنية؟ أو بالمقابل، هل كان ينبغي اعتبار أن الحماية التي توفرها الاتفاقيات الأوروبية للأقليات في الدول ذات الاثنيات المتعددة كافية؟ ذلك على أساس أنه عندما تصبح صربيا عضوا في الاتحاد الأوروبي، فإن كوسوفو لا ينبغي لها أن تحس بأنها مهددة في هويتها فالاتفاقيات والمبادئ الأوروبية تضمن الحماية لجميع الأقليات.

في مواجهة مثل هذا التحدي، كما في النقاش حول عملية التوسيع، أخطأت أوروبا في أنها لم تتخذ أي قرار قاطع. بل إنها لم تكتف بعدم اتخاذ القرار بل لم تقم بأي نقاش حقيقي حول مسألة بهذه الدقة ثم يبدو من غير المنطقي أن تقوم أوروبا بتحديد إطارها الخارجي وهي تعاني من إشكاليات حدودية داخلية.

إن التحدي الكبير تجده المؤلفة في كيفية قبول أوروبا بداخلها لدولة لا تتناظر مع المعايير الأوروبية ولا تقول بالتعددية الاثنية والتعددية الثقافية حتى لو كان الدستور ينصح بذلك على خجل؟

ومع ظهور الدولة الجديدة ـ كوسوفو- يزداد تعقيد الخارطة الأوروبية، كما تشير المؤلفة. وذلك اعتمادا على القول إن ذلك يُطلق آلية التقسيم باتجاه خلق دول أصغر فأصغر، هذا في الوقت الذي كان يسود فيه الاعتقاد أن مثل هذه الآلية «التجزيئية» قد جرى كبحها نهائيا منذ اتفاقية هلسنكي.

وإذا استلهمت مجموعات عرقية أخرى من مثال كوسوفو، وقبولها لاحقا في مجموعات اثنية أخرى كمثال كوسوفو، وقبولها لاحقا في الاتحاد الأوروبي، فهذا يعني أن هذا الاتحاد سوف يضم عددا متزايدا من الدول ذات العرق الواحد مما يتعارض مع «النموذج الأوروبي» من حيث بنيته الداخلية على صعيد التنظيم وكذلك من حيث مفهومه للدولة وللمواطنة. بهذا المعنى لا تمس مسألة كوسوفو جغرافية أوروبا ولكنها تمس أيضا قيمها.

وتتم الإشارة إلى أن بروز النزعات القومية خلال القرن العشرين، خاصة بعد الحروب، ترافق مع الميل نحو إنشاء دول-أمم منسجمة اثنيا. هكذا ومنذ الحرب العالمية الأولى هرب مئات الآلاف من الهنغاريين ؟ المجريين- من الدول التي ظهرت على أنقاض الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية.

وهرب مئات الآلاف من الألمان من بولندة بعد سقوط إمبراطورية آل رومانوف. وكانت أوروبا كلها خلال العامين اللذين تليا نهاية الحرب العالمية الأولى تمارس رصد الأقليات والطوائف الدينية وتقوم بعمليات تجميع «كيانات جديدة» على أساس الأصل أو اللغة، أو ربما تقوم بتقسيم «كيانات قائمة» على نفس الأسس.

بعد الحرب العالمية الثانية استؤنفت عمليات «التجميع» و«التقسيم» العرقي. هكذا غادر مئات الآلاف من الألمان بلدان أوروبا الشرقية وبلدان البلطيق والاتحاد السوفييتي خوفا من تعرّضهم لعمليات انتقام باعتبارهم «متواطئين» مع النازيين. كان عدد كبير من هؤلاء قد توجه إلى الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من بلدان القارة الأمريكية.

من جهة أخرى كان ستالين قد قام في عام 1944 بأكبر عمليات تهجير اثنية بالنسبة لمسلمي القوقاز من شيشان وانغوشيين وشركس وداغستانيين وغيرهم باتجاه آسيا الوسطى.

وكان قد جرى توجيه الاتهامات لشعوب بأكملها بالتواطؤ مع العدو (التركي) بسبب «قرابتهم الاثنية والدينية» وانتظر بعضهم حتى انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1955 بينما انتظر آخرون فترة طويلة أكثر كي «يُعاد الاعتبار» لهم ويحصلون على حق العودة إلى مواطنهم القديمة.

تلك الآلية في «التجميع» و«التقسيم» العرقي شكّلت تهديدا للاستقرار في أوروبا، بالمقام الأول. ذلك أن الأمر يتعلق بخرق مبدأ «عدم إمكانية المساس بالحدود» والتأكيد على «سلامة حدود الدول» باعتبارهما أساسين ثابتين للاستقرار الحدودي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

مع ذلك تشير المؤلفة إلى شيوع نزعة «مقلقة» تمثّلت في التأكيد على ضرورة تعزيز الحدود على اعتبار أنها تحمي الاثنيات التي تؤسس هوياتها على خلافاتها اللغوية والثقافية والدينية والعرقية، وبالتالي تعتبر أي «تدخل خارجي» تهديدا لبقائها. لكن «عندما ينعتق الشيطان العرقي من عقاله يصبح من الصعب جدا السيطرة عليه»، تكتب المؤلفة.

كذلك يتم التأكيد أن الديمقراطية سوف تعاني كثيرا من الوضع الجديد. ذلك أن القبول بآلية «التقسيم» وباستقلال لم يأت نتيجة خيار سياسي أوروبي مدروس وإنما جرى فرضه من قبل الولايات المتحدة الأميركية، تتم ترجمته، أي القبول، على أنه ضعف تعاني منه المؤسسات الأوروبية.

ويقدّم أيضا البرهان على أن هذه المؤسسات ليست قادرة على تصور حلول المشاكل ذات طبيعة أوروبية خالصة ولا تخص، بنيويا، سوى الدول الأوروبية.

ثم إن ذلك يعني أيضا «اعتراف» أوروبا أنها غير قادرة على ضمان احترام الحقوق الثقافية والسياسية واللغوية والدينية للسكان المعنيين داخل هذه الدولة الأوروبية أو تلك. هذا يعني أيضا أن «المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان» أو «المجلس الأوروبي» لا يمتلكان المصداقية فيما يتعلق بمجال حقوق الأقليات.

وترى مؤلفة هذا الكتاب في آلية «التقسيم» على أساس اثني أو عقائدي توجها خطيرا بالنسبة ل«الدول الأوروبية القديمة» التي ليست بمعزل عن الشقاقات على خلفية تعزيز الهويات.

وتشير إلى أن المسلمين الذين يعيشون في أوروبا قد يخشون من ضياع هويتهم في إطار الهوية الغربية وقد يخشى هذا الغرب أيضا من تأثير قوة التقاليد الإسلامية. وتزداد مثل هذه الخشية في الغرب إثر انفجار أحداث مثل تلك التي شهدتها ضواحي المدن الفرنسية الكبرى في خريف عام 2005 والتي قام بها شباب «يبحثون عن هوية» وكانت أغلبيتهم من المسلمين.

في المحصلة، ترى المؤلفة أنه إذا كان استقلال كوسوفو يعني أنه يمكن الحصول على «الاندماج في أوروبا» وعلى «الحدود العرقية» فإن الأسس التي قامت عليها أوروبا والعديد من الدول-الأمم التي تتكوّن منها، يمكن أن تصبح موضع تساؤل. وسيغدو هذا التساؤل أكبر إذا أدّت «التنقية العرقية» مستقبلا إلى هجرة جميع الصربيين من كوسوفو بحيث تبقى البانية صرفة.

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب ترى في استقلال كوسوفو خطرا على «الموديل الأوروبي» فإنها تؤكد على أن اتفاقيات دايتون، التي أشرفت عليها واشنطن بشأن البوسنة والهرسك، كانت قد أوجدت المناخ لمثل تلك الآلية. هذا مع فارق أنه مع تقسيم البوسنة والهرسك إلى دويلات عرقية صغيرة، فإنها بقيت تشكل بمجملها «مجموعا متعدد الاثنيات ومتعدد الطوائف فيما يتعلق ببنيته الإدارية، الأمر الذي ترمز إليه عملية التناوب على الرئاسة».

ومن المخاطر الكبرى التي يتم التأكيد عليها في البناء الأوروبي اليوم تتمثل في تبني سياسة «لم أر شيئا» أو «لا أعرف شيئا».

وترى المؤلفة أنه مما يؤسف له أن الاتحاد الأوروبي، وبمناسبة الذكرى الخمسين لبداية مسيرة التوحيد في القارة القديمة، لم يقل شيئا حيال مسألة استقلال كوسوفو وما يترتب عليها. ومما يؤسف له أيضا أنه لم تتم استشارة الأوروبيين حول ما يمكن أن يغيّر بشكل محسوس صورة وطبيعة الدول الأوروبية، ومما يؤسف له أن ما عرفته مسألة بهذا القدر من المركزية بالنسبة لأوروبا قد جرى الإيحاء بها من الخارج، وأنها كانت ثمرة رؤية أميركية وليس مفهوما أوروبيا.

وتطرح المؤلفة في هذا السياق السؤال التالي: هل ستؤدي الحرب في العراق، كائنا من يكن المنتصر فيها، إلى المحافظة على هذه الدولة-الأمة متعددة الأعراق أم تُرى هناك تباشير عملية تحلل عرقي وعقائدي مع المصير المجهول الذي ستؤول إليه كردستان. وسؤال آخر: ما هي الحجج التي يمكن للأميركيين أن يواجهوا بها مثل هذا الاحتمال عندما يدفعونه إلى نهاياته القصوى في قلب أوروبا؟

ولا تتردد المؤلفة في القول أن الولايات المتحدة الأميركية نفسها، وهي التي تمثّل النموذج الأكثر اكتمالا للاختلاط العرقي، قد تعاني أيضا من نتائج المنطق العرقي للهويات.

بل وتشير إلى أن هذا النموذج، الفاعل حتى الآن، بدأ يُبدي بعض مؤشرات الخلل. هذا ما يدل عليه بروز تزايد كبير في عدد الناطقين باللغة الاسبانية القادمين من دول أمريكا الجنوبية، وخاصة المكسيك، والذين ربما يدفعهم وزنهم الديموغرافي في المجتمع الأمريكي إلى أن لا يقبلوا بالضرورة الاندماج بالطريقة التي يتم بها حتى الآن، أي سيادة لغة واحدة ؟ الانكليزية- ونموذج ثقافي لا يقوم على الخصوصيات.

في المحصلة النهائية، يتم التأكيد على أنه لا ينبغي لأوروبا المساومة حول الفكرة الخاصة بكون أنها في مسيرتها التوحيدية تشكل الضامن لحقوق الأقليات ولأشكال من الاستقلال الذاتي وللثقافات وللهويات. وعليها أن تبرهن على استعدادها لفرض مفهومها حول الاستقرار والتسامح على الجميع، بما في ذلك مقاومة التهديدات الصادرة أحيانا باستخدام القوة لفرض «الواقع العرقي المستقل».

وسيكون من واجب أوروبا أن تقنع الولايات المتحدة وروسيا أنها وحدها المخوّلة لتحديد الخيارات الخاصة بمستقبلها. وأن تهديد هذه أو ضغط تلك لم يعودا ذا وزن حاسم، وأنها قد تستمع لهذين الشريكين، أحدهما كقوة عظمى، والآخر كقوة أوروبية، لكنها هي صاحبة قرار الاختيار.

الصفحات: 294 (متوسط)

الكتاب: أوروبا وجراح الأمم

تأليف: سالوميك زورابيشفيلي

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: بوران- باريس- 2008