جاءت هنا تبحث عن ضالتها، تريده شاباً أسمر بعيون سوداء داكنة، وذقن غير حليقة، وكتفين عريضين، وأن يكون طويلاً، وألا يكون كمن عهدتهم في بلدها. وأخيراً، والاهم، تريده أن يكون «وطنياً منتمياً لبلده ولا يفكر بالهجرة منها أبداً».

بدأت الرحلة من رام الله، وتنقلت بين المحافظات. فلم تصدف ضالتها، ولم تيأس، وظلت تبحث، لكن بلا جدوى.

تعود من عملها «التطوعي» منهكة جسدياً ونفسياً، وتتجول في شارع رام الله الشهير والمعروف باسم شارع ركب، وهو سمي بذلك نسبة لمحل بوظة يعمل فيه منذ نحو 20 عاماً.

يومياً، تتمشى في الشارع، حتى وجدت ضالتها! ها هو، المواصفات كلها دفعة واحدة تقف أمامها، دهشت، صعقت، كانت لا تقرأ العربية، ولا تعرف بعد لماذا هو معلّق هنا.

صارت يومياً تمر من هناك، تنتظر لحظة قد يأتي فيها إليها، ثم تذهب إليه لتقول له: «أحبك». تدقق في ملامحه، تبحث عنها في الوجوه المتحركة، ترتفع الأصوات الطارقة في صدرها، تحمر الوجنتان، علامات الحب كلها صارت ظاهرة، ولم يتبق سوى الكلام.تعرف أنه مشهور، أو ربما نجم، لكنها لم تعرف أنه شهيد، ولهذا صورته معلّقة على الحائط.

قلب رام الله يتصل بشوارع رئيسة ضيقة عديدة اكتظت بصور الشهداء خلال الانتفاضة. علقت الصور على جدران مباني هذه الشوارع التي تلتقي عند دوار شهير يعرف بـ «دوار المنارة».

وسمي بذلك لأن في وسطه منارة من الزمن القديم، مبنية من الحجر وهي محاطة بأربعة أسود كبيرة يمثّل كل منها عائلة من العائلات الأربع الأساسية التي أسست المدينة. وهناك ثلاثة أسود أخرى صغيرة ترمز إلى عائلات ثلاث صغيرة كانت من ضمن المؤسسين.

وبالمناسبة، ثمة دوار آخر في قلب المدينة أيضاً، واسمه «دوار الساعة». سمّي بذلك لأن في قلبه برجاً يحمل ساعة كبيرة.

تعتبر رام الله، بمساحتها البالغة 21 ألف دونم وسكّانها المقدر عددهم بـ 150 ألفاً، العاصمة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية ففيها معظم مقرّات الوزارات والمراكز الأدبية والثقافية. كما أنها تتميز بنوع من الانفتاح مقارنة بمحافظات فلسطينية أخرى، نظراً لوجود أكثرية مسيحية فيها تقدر بنحو 20 في المئة من عدد السكان.

وفي يوم من الأيام، انهارت العاشقة وراحت تبكي وتبكي وتجول في الشوارع بعدما رأت عمّال البلدية يزيلون حبيبها «الصورة»، وأزالوا معها كل صور الشهداء من شارع ركب. أزالوا ما يزيد على 5000 آلاف شهيد في أكثر من 20 ألف صورة علّقت على الحائط منذ بداية الانتفاضة الثانية، كلها صارت بعضاً من العدم.

قالت قبل أن تغادر المدينة: «حتى الصورة ثقيلة عليهم!». رحلت، ولم تحاول أن تبحث عن صورة جديدة علّقها ذوو شهيد أو تنظيمه السياسي بتكلفة زهيدة، فهي لا تريد أن تتعلق بحبيب جديد، وإنما الزهد في حب الصور.

فلسطين المحتلة ـ أمجد سمحان