كان رفض الفرنسيين ثم الهولنديين عبر استفتاء شعبي للدستور الأوروبي هو رفض لتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي، كما توضح مؤلفة هذا الكتاب.

لكن مسؤولية الرفض لا تحمّلها لمفهوم التوسيع نفسه، وإنما للتقصير الكبير لدى الساسة الأوروبيين الذين لم يشرحوا للرأي العام في بلدانهم رهانات التوسيع ومبرراته.

ومسألة التوسيع هذه مرتبطة عضويا بمسألة الحدود والهوية الأوروبية التي هي بطور البناء. فأين تقف حدود أوروبا؟ وهل البحر المتوسط حدود فاصلة أو جسر بين مجالين أوروبيين؟ وتركيا هل ستكون داخل الاتحاد الأوروبي أم خارجه؟

مسألة الحدود هذه وتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي تطرح أسئلة كثيرة حول وقف هذا التوسيع مؤقتا أو نهائيا. بكل الحالات يتم التأكيد على ضرورة عدم ترك مسألة الحدود غائمة ومشوشة، فهذا يؤدي إلى خلل على صعيدي الداخل والخارج.

إن الحاجة كبيرة إذن للحدود، وإذا كانت أوروبا قد أزالت مراكز المراقبة على الحدود، فإنها عوّضت عنها بأشكال متنوعة من الحدود يتم تعريفها ب«الحدود غير المادية» و«الحدود التي لم تتم إزالتها» و«الحدود غير المرئية».

كانت «لا» التي واجه بها الفرنسيون وبعدهم الهولنديون مشروع الدستور الأوروبي قد قرعت جرس الإنذار، ولم يؤد تبنّي الاتفاقية الأوروبية المبسطة في نهاية عام 2007 إلى أن تبدّل حقيقي في الوضع.

هذا ما تؤكده المؤلفة مشيرة إلى أن ذلك الرفض كان بعمقه رفضا لعملية التوسيع غير المفهوم وغير المقبول في الأعماق. لقد كانت «لا» ضد «العامل البولندي» الذي يهدد باجتياح أسواق العمل في بلدان أوروبا الغربية. أوروبا هذه التي كانت قد دعمت نقابة تضامن البولندية في مطلع عقد الثمانينات الماضي، ولكنها تسير اليوم في الاتجاه المعاكس. وما يرمز بوضوح ل«تفكك الروابط» وكأن أوروبا دخلت في أزمة. وهي كما يتم تحديدها «أزمة حدود، نقص الحدود».

هذه الحاجة للحدود التي تجتاز أوروبا ظهرت أولا على صعيد حدودها الخارجية، مثل «الجروح السطحية في البداية ثم تتغلغل في الجسد». ومن المطلوب أخذ هذا في الحسبان، ذلك أن تجاهله يمكن أن يولّد أخطارا أكبر وأعمق. لقد حان الوقت الذي ينبغي على أوروبا التفكير بمسألة حدودها، أي بتعبير آخر تحليل «مرض الحدود» الذي تعاني منه.

لقد كانت «لا» للدستور الأوروبي الصادرة من بلدين مؤسسين موقعين على اتفاقية روما عام 1957 ذات دلالات متنوعة. إنها تعني الخوف من العالم الجديد والانكفاء على الذات ورفض بيروقراطية بروكسل (مقرّ المفوضية الأوروبية) والخوف من الأوروبيين الجدد الذين «يبرزون فجأة» في المشهد الأوروبي.

وتشير المؤلفة إلى أنه إذا كانت عملية توسيع إطار الاتحاد الأوروبي غير بعيدة عن رفض الفرنسيين والهولنديين للدستور الأوروبي فإنه من الظلم تحميل المسؤولية كلها لهذا التوسيع. بل ليس من الظلم فقط، وإنما أيضا من الخطأ ذلك أن الخطأ أولا يقع على كاهل رجال السياسة الأوروبيين الذين لم ينجحوا في «بيع» نجاحات السياسة الأوروبية للرأي العام في بلدانهم. هكذا قاموا بتوجيه أصابع الاتهام ل«كبش فداء» اسمه «التوسيع».

ولا تتردد المؤلفة في تحميل هؤلاء الساسة الأوروبيين مسؤولية «التعصير» في شرح نجاح عملية التوسيع، وشرحها «بشكل سيئ» إذا حصل ذلك، هذا مع أن مسيرة التوحيد والتوسيع هي أحد «المعارك الكبرى» الظافرة.

لكن مهما كان الأمر، أصبح رفض الدستور هو بمثابة رفض ل«التوسيع»، ولم يجهد أحد في شرح الأسباب العميقة الأخرى لذلك الرفض، فمن السهولة أكثر «الاتفاق» على إجابة واحدة توفّر على الأقل فترة استراحة. باختصار «من السهولة أكثر تأجيل اتخاذ أي قرار حيال مستقبل الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي مما يسمح بتجنب القيام بأية خيارات حقيقية حول قضايا حاسمة.

وترى المؤلفة أن الناخب الأوروبي كان يطلب قرارا مبررا وقائما على حجج فيما يتعلق بمدى التوسيع، وكان ينبغي أن يُشرح له أسباب توسيع إطار الاتحاد الأوروبي وما يكسبه أو يخسره، أي تعريف ذلك الناخب الأوروبي بسلبيات وإيجابيات اتخاذ أي قرار، وإلا قد يدفعه خوفه من «المجهول» إلى قول «لا» في ظل غياب «لماذا» سيتخذ موقفا آخر؟

الحدود أولاً

ويتم التأكيد في هذا السياق أن «لا» الفرنسية والهولندية للدستور الأوروبي لم تكن رفضا للتوسيع، ك«توسيع» وإنما ل«التبني المسبق لدستور» قبل اتخاذ قرار حول ما ستكون عليه حدود أوروبا التي هي بطور البناء. وهذا ما تجنّبت أيضا اتفاقية لشبونة المبسّطة الخوض فيه. هذا مع الإشارة إلى أن هذه الاتفاقية قد زوّدت أوروبا ببعض المؤسسات الجديدة ـ رئيس ووزير خارجية أوروبي تقريبا- مما قد يسهّل اتخاذ القرارات.

ومن الواضح وجود علاقة واضحة بين سؤال «من أنا»؟ و«إلى أي حد أبقى أنا أو أصبح آخر»؟ والإجابة على مثل هذه التساؤلات لا يمكن تجنبها طويلا. وبتعبير آخر، إلى أي حد يمكن للبحر المتوسط أن يصبح حدودا نهائية لأوروبا أو على العكس سيكون غدا جسرا بين مجالين أوروبيين؟ وتركيا الواقعة على الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، أين ستكون؟ داخل الاتحاد الأوروبي أم خارجه؟

السبب الرئيسي لمثل هذا المنطق القائل ب«وقف» التوسيع، يتم تحديده بالتسمية ذاتها «الاتحاد الأوروبي». فلو كانت التسمية هي ليست «أوروبا» وإنما «مجموعة الدول الحرة» أو «الديمقراطيات المتحدة»، فإنه ما كان السؤال حدود التوسيع أن يطرح بنفس الدرجة من القلق. لكن بما أن المسألة تتعلق بأوروبا، فهل يتم تبنّي الحدود اعتمادا على حقائق الخرائط الجغرافية؟ أم تارة منها وتارة أخرى من الوقائع الجغرافية؟

وعندها هل يمرّ خط الفصل في أعلى جبل بالقوقاز (جبل إلبروز) كما تحدد الخرائط القديمة أو في مصب نهر الفولغا أو في الخط الفاصل بين تركيا الأوروبية وتركيا الآسيوية أو على قمم جبال الأورال؟ بكل الحالات ليست هناك أية إجابة يتفق حولها الجميع.

والمسألة لا تتعلق بالجغرافيا فقط، إذ هناك من يقول إن خط الفصل (حدود أوروبا) يتحدد اعتمادا على الحضارة والثقافة، أي سيكون ذا طبيعة دينية، دون قول ذلك. لكن مثل هذا الخط «يصعب تحديده» ذلك أن جورجيا وأرمينيا مثلا ستكونان أقل أوروبية من بلدان البلقان الإسلامية.

وهناك معيار التنمية الاقتصادية. هنا أيضا لا يمكن القول إن أوروبا هي التي تضم تحديدا الأمم الغنية مما يعني نبذا واضحا للفقراء الذين قد «تتسارع» عندها هجراتهم نحو المناطق الثرية. وأوروبا تعاني أصلا من مشكلة الهجرة التي لم تتوصل حتى الآن إلى ضبطها أو السيطرة عليها.

غياب القرار

الأسئلة إذن كثيرة حول توسيع إطار الاتحاد الأوروبي و«كبحه مؤقتا» في فترة استراحة أو «كبحه نهائيا». بكل الحالات ومهما كانت الإجابات يتفق الجميع على أنه لا يمكن الذهاب بعملية «توسيع أوروبا» إلى ما لا نهاية. وتبرز هنا حقيقة مفادها أن الحدود تبقى «لا بد منها» بالنسبة للبشر وللأمم ولمختلف التجمعات. قد تكون هذه الحدود «متحركة» أو تكون «ثابتة». لكن بكل الحالات ينبغي أن تكون «غير مستقرة» أو «مشوشة»، كي لا تثير أشكالا من الخلل على صعيد الداخل كما الخارج.

وتتبدّى أشكال الخلل على صعيد الداخل بعدم القدرة على التزوّد بدستور وعدم القدرة في تبنّي سياسات محددة وعدم القدرة في تحقيق الذات. ومثل هذه الحالة من «غياب القرار» هي التي تزيد من الشروخ أكثر فأكثر بين طرفين في أوروبا، أوروبا «الجدد» وأوروبا «القدماء».

و«غياب القرار» هو الذي يفسر سعي الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى بلورة المواقف المتباينة بين بلدان البلطيق وبولندا ورومانيا المتحمسة للتوسيع الأوروبي والبلدان الأخرى التي تفضّل التأني بغية ضمان التزوّد بالغاز الروسي. مثل هذه التباينات لن تختفي إلا مع «توضيح الحدود». لكن مثل هذا القرار صعب، إنما أفضل من حالة «التشنجات» القائمة.

أصبحت حاجة الحدود هي السمة المسيطرة في أوروبا إلى درجة أنها حجبت «حالات الغياب» الأخرى، وهي حاجة غدت تتعلق بالوجود في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو المالية أو غيرها من المظاهر. وفي ظل حالة الغياب الصارخ للحدود المتفق عليها بدا أن أوروبا تريد التعويض عن ذلك عبر خلق مجموعة من «الحدود المتعددة» إلى درجة أنها قد تهدد «الفكرة الأوروبية» ذاتها.

ذلك أنه إذا كان قد جرى إلغاء «المراكز الحدودية» فإنه يجري كل يوم خلق عدد كبير منها. المثال الذي تقدمه المؤلفة هو تلك «الدوريات الجوّالة» من رجال الجمارك الموجودة في أي مكان من التراب الوطني لهذا البلد الأوروبي أو ذلك وتمارس عمليات التفتيش، وكأن البلاد كلها قد تحوّلت إلى حدود.

وتتحدث المؤلفة في هذا السياق عن «الحدود غير المادية» التي تعتبرها حدودا جديدة لأوروبا والمتمثلة في الحدود البحرية والجويّة. الحدود البحرية مفتوحة على المتوسط والمحيطات وأوروبا لا تزال ذات آراء متباينة وغير محددة حول هذه الحدود كلها. هذا على الرغم من أنها «الممر الأساسي» لموجات الهجرة القادمة من البلدان الفقيرة في الجنوب باتجاه أوروبا.

أما الحدود الجوية فترى المؤلفة أنها «الأكثر نشاطا» و«الأكثر خطورة» و«الأكثر رقابة» في أوروبا. كما تؤكد أن المطارات الأوروبية الكبرى مثل فرانكفورت وأمستردام ولندن قد أصبحت في السنوات الأخيرة، وتحديدا منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001، منطقة معرضة ل«كل الأخطار» ولذلك تعرف «شتّى أشكال الرقابة».

مع ذلك تجد أوروبا نفسها أمام معضلة كبيرة. إذ كيف يمكنها أن تراقب كل شيء ويصل إليها أو يعبر منها بنفس الوقت عددا أكبر من المسافرين ومن السلع؟!

ويتم الحديث أيضا عن «الحدود التي لم تتم إزالتها» حيث إن الحدود القائمة بين عدد من الدول الأوروبية لم تختف أبدا. إذ رغم أنه يمكن العبور اليوم بين هذه الدول دون تخفيف السرعة ودون صعود «مراقبين» إلى القطارات فإن «الاختلاف» يغدو جليا للناظر إلى المنازل واللافتات على طرفي الحدود «غير الموجودة». وتصل المؤلفة إلى القول إنه من السذاجة الاعتقاد أنه سيكون ممكنا خلال العقود القادمة تخفيف وطأة الحدود أو إلغاؤها بين الدول الأوروبية.

ومن المفارقة أنه بمقدار ما يتم توحيد السلع الاستهلاكية في لندن وباريس وبرلين وبودابست يتزايد لدى المعنيين الاهتمام بالمحافظة على الهوية الوطنية وعلى أمنهم. وهذا لا تتم ترجمته ب«حدود أقل» ولكن ب«حدود أكثر». إن البحث عن الوحدة الأوروبية «يتقاطع» و«يصطدم» هنا مع البحث عن تأكيد الهوية.

وتتحدث المؤلفة أخيرا عما تسميه «الحدود غير المرئية»، أي تلك التي «تفصل» بين الطوائف والمجموعات وبين القدماء والجدد. المقصود هنا ليس الدول الأوروبية وإنما سكانها. فوراء هؤلاء قرون من الانتماء والقيم التي تأسست عليها الدول-الأمم. ومن هنا بالتحديد يأتي الخوف من التكامل والاندماج... وما قد يعني للكثيرين فقدان الهوية.

الصفحات: 294 (متوسط)

الكتاب: أوروبا وجراح الأمم

تأليف: سالومي زورابيشفيلي

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: بوران- باريس- 2008