بدأت مسيرة التوحيد الأوروبي بست دول وقّعت على اتفاقية روما عام 1957 ثم توسعت عام 1973 لتضم انجلترا والدانمرك وأيرلندا ليصل عدد البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي اليوم إلى 27 دولة.
واجهت أوروبا الموحّدة منذ البداية مشكلة الحدود، بل معضلة الحدود، فالتوحيد الفعلي يستدعي إلغاءها والواقع يثبت أنه لا مجال لوجودها من دون حدود.
ومنذ البداية، جرى النظر إلى توسيع الاتحاد الأوروبي على أنه توسيع للمجال الديمقراطي على أنقاض أنظمة دكتاتورية أو شيوعية حتى فترة قريبة من الزمن. وقد أثبت النموذج الأوروبي فاعليته بالقياس إلى نماذج توحيد أخرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وتجربة الاتحاد السوفييتي (السابق).
بالمقابل بحثت أوروبا باستمرار عن سبل إيجاد «أدوات مشتركة» على صعيدي الأمن والدفاع، مما طرح مسألة العلاقة مع الحليف الأميركي الكبير.
وإذا كان الجميع يؤكّد أن توسيع إطار الاتحاد الأوروبي ساهم في «استقرار» أوروبا وازدهارها الاقتصادي، فإن وجهات النظر قد تباينت حول اتفاقية «شنغن» ونتائجها.
هل ينبغي دمج بريطانيا في البناء الأوروبي الموحّد؟ وهل ينبغي الاكتفاء بنواة واحدة صلبة؟ ثم هل ينبغي الحديث في المسائل الدفاعية أم الاقتصار على قضايا الاقتصاد والسوق؟
هذه هي الأسئلة التي ترى المؤلفة أن أوروبا قد طرحتها على نفسها في بدايات مسيرة توحيدها، أو فترة «المراهقة السعيدة» كما تسميها.
وبعد التذكير بأهمية قيام نقابة تضامن في بولندا في مطلع عقد الثمانينات الماضي للدلالة على أنه كانت توجد «حياة» ما وراء الستار الحديدي الذي كان يقسم القارة الأوروبية إلى شطرين، تؤكد المؤلفة أن تاريخ البناء الأوروبي يبقى أولا وأساسا هو عمليات التوسيع المتعاقبة للمجال الأوروبي الموحّد، الذي يمثله اليوم الاتحاد الأوروبي.
بدأت حركة التوسيع أولا باتجاه الغرب عبر انضمام انجلترا والدنمارك وأيرلندا عام 1973 إلى الدول الست المؤسسة الموقعة على معاهدة روما عام 1957. ثم اتجه التوسيع جنوبا مع انضمام اليونان عام 1981 ثم البرتغال واسبانيا عام 1986 وشمالا عام 1995 عبر انضمام السويد وفنلندة وشرقا كخطوة أولى مع النمسا قبل موجة التوسيع الكبرى نحو أوروبا الوسطى والشرقية عام 2004.
إن كل معضلات الاتحاد الأوروبي تعود، برأي المؤلفة، إلى التناقض الظاهري المتمثل في كون أن أوروبا الموحّدة انطلقت من رؤية مفادها أنه ينبغي إلغاء الجذور لتحقيق التوحيد الفعلي، ولكنها اصطدمت بواقع آخر هو أنه لا مجال لوجودها من دون حدود.
وتخضع حدود الدول بصورة عامة لقواعد معروفة ولحقائق جغرافية وتاريخية وثقافية تحترمها إلى هذا الحد أو ذاك. والحدود الخارجية لأوروبا لا تخضع لأية مرجعية «مقبولة» من الجميع. لكن منذ قيام مسيرتها التوحيدية منذ توقيع اتفاقية روما تتوسع حدودها لتشمل اليوم 27 دولة انطلاقا من 6 دول أصلا.
توسيع الديمقراطية
المؤشرات اليوم تدل على أن التوسيع يمثل عملية دائمة ولا نكوص عنها، هذا مع التساؤل إذا لم تكن قد غدت اليوم العنصر الأكثر فعالية للتعبير عن النفوذ الأوروبي في العالم باعتبارها أداة «رائعة» في ميدان السياسة الخارجية.
كما أن عملية توسيع إطار الاتحاد الأوروبي تبدو بمثابة توسيع للديمقراطية،التي شملت أولا بلدانا في أوروبا الغربية كانت حتى فترة ليست بعيدة محكومة بأنظمة دكتاتورية، أي اليونان واسبانيا والبرتغال. ثم شملت بلدانا في أوروبا الوسطى والشرقية كانت حتى الأمس القريب في عداد بلدان الكتلة الشمولية (الشيوعية).
وكان النجاح الذي حققه النموذج الديمقراطي بالاعتماد على التوسيع، قد تجاوز ما كانت تنتظره أوروبا وتجاوز كل طموحاتها. وتشير المؤلفة هنا إلى أن مثل هذا النجاح يمثل سابقة، إذ لم تتم التضحية أبدا بالأمم، ولم تتم محاولة استبعادها، إلى جانب المحافظة ل(الفرد) على كل حقوقه الأساسية.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أنه ليس هناك أي نموذج آخر لسالتنظيم الجماعي» قد حقق الأهداف الأربعة التي كان قد حددها لنفسه، أي «الحرية والديمقراطية والازدهار والسلام».
بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية تشير المؤلفة إلى فاعلية النموذج الذي تبنّته لكنها تجده نموذجا محدد الإطار مسبقا ولا يمكنه أن يتمدد إلى ما وراء المحيطات ولا حتى أن يتجاوز «الحزام» الجنوبي، هذا على عكس النموذج الأوروبي القابل للتوسيع.
اضف إلى هذا واقع أن النموذج الأميركي، ومهما كانت درجة قوته الراهنة، يعاني من صعوبات كبيرة في تمثّل الأقليّات العرقية التي تمّ دمجها في المجتمع الأميركي بدرجات متفاوتة مع وجود مجموعات كبيرة من المهمّشين. بين هؤلاء جميعا تقوم «حدود داخلية لم يتم تجاوزها حتى الآن».
والنموذج السوفييتي السابق كان قد تصوّر قيام منظومة أخرى للازدهار ولكن «على حساب الحرية والهويات الوطنية واستعباد الأفراد»، وذلك بحيث أن لا تنظّم أية دولة جديدة طواعية وإنما بقوّة السلاح أو الغزو أو الثورات المدبرة أو بواسطة عمليات اقتسام مفروضة، كما جرى في يالطا بعد الحرب العالمية الثانية.
أوروبا، من جهتها، نجحت في توسيع إطار الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وفي سياق الاستمرارية. وتفتح المؤلفة قوسين كي تشير إلى أن «غياب الإرادة السياسية، وعدم القدرة في إيجاد نمط محدد لتشغيل المؤسسات وعطالة الأفكار في أوروبا اليوم، أمور لا تعود كلها إلى عملية التوسيع ولا للعولمة بمقدار ما تعود إلى غياب الرؤية والفكر والقناعة».
ازدهار عبر التوسع
بالمقابل، وفي الوقت الذي لم تستطع فيه أوروبا أن تتجاوز حقيقة مستوى المؤسسات، قامت بالمقابل أثناء قمة «نيس» بجنوب فرنسا عام 2000 بإيجاد «أدوات سياستها الخارجية للأمن والدفاع». وإذا كان من الصحيح القول أن العديد يعتقدون بعدم قدرة أوروبا تجاوز الحلف الأطلسي فيما يخص العمليات العسكرية الجديّة الخاصة بمسائل الحرب والسلام، فإن المؤلفة تؤكد على ضرورة عدم الاستهانة بالأوروبيين الذين استطاعوا أن يحققوا السلام والاستقرار والديمقراطية والازدهار الاقتصادي عبر «التوسيع».
وفي الوقت الذي يمكن فيه دائما القول أو أوروبا لا يمتلك سياسة خارجية تستحق هذه التسمية، وأنها لا تمتلك كما يردد الأميركيون دائما «رقم هاتف واحد»، فإنه من الصحيح أيضا القول أن البلدان الأوروبية، ما عدا بعض الاستثناءات القليلة، لا تنفق سوى جزءً هزيلا من دخلها القومي لمسائل الدفاع ولا تزال تلقي المسؤوليات الدفاعية على «الحليف الأمريكي الكبير».
لكن مقابل هذا تؤكد المؤلفة على أن أوروبا قد أنفقت مبالغ هائلة من أجل الاستقرار. ولم يأخذ أحد في حساباته حتى الآن مثلا ما كانت ألمانيا الفدرالية (الغربية) قد أنفقته قبل سقوط جدار برلين من أجل تعزيز روابطها ب(نصفها الآخر). ولا تتردد المؤلفة في القول أن ألمانيا الغربية قد «اشترت» تحرير ألمانيا الديمقراطية (الشرقية)، وذلك بالمعنى الحقيقي وليس المجازي، و«اشترت» أيضا رحيل القوات الروسية، ثم «موّلت» بطريقة ما سقوط جدار برلين.
وكانت عملية «توسيع» إطار الاتحاد الأوروبي «أداة للاستقرار في أوروبا» إذ دون منظور هذا التوسيع، هل كان بالإمكان تأكيد أن «الانفصال السلمي» بين جمهورية تشيكيا وسلوفاكيا ممكنا؟ أو تأكيد أن هنغاريا ـ المجر- ورومانيا أن تتوصلا إلى اتفاق حول ترانسلفانيا؟ تتساءل المؤلفة.
كذلك يتم التأكيد على أن عملية التوسيع الأوروبي كانت أداة للازدهار الاقتصادي. والدليل البسيط والواضح الذي يتم تقديمه هو أن «معدّل النمو الاقتصادي السنوي من رقمين ـ أي أكثر من 10 بالمئة- كانت قد نسيته أوروبا القديمة منذ فترة طويلة ولكنه أصبح ـ بعد التوسيع- حقيقة واقعة في شرق القارة». هكذا أصبح «كل شيء ممكنا» على قاعدة «تفاؤل» لا حدود له بفضل الدينامكية والحماس في أوروبا الموحّدة.
ما يتم نسيانه غالبا عند الحديث عن حدود أوروبا هو أنه عندما يتم الاقتراب من البحر الأسود وتركيا وروسيا تغدو الحدود مرادفة للمجهول. مع ذلك يمكن القول أن أوروبا لا تمتلك حدودا واحدة فقط، بل أنها بدلا من أن تكون أداة لإلغاء الحدود غدت آلة لصناعتها.
حرية العمل
وأول هذه الحدود شنغن، وهو اسم بلدة أصبح الجميع يعرفها داخل أوروبا وخارجها. لقد أصبحت كما تصفها المؤلفة، رمز جميع المفارقات، خاصة فيما يتعلق بالحدود التي كرّستها والتي تشمل تقريبا جميع دول الاتحاد الأوروبي عندما كان يضم 15 دولة باستثناء كل من ايرلندا وبريطانيا.
أما الدنمارك فإنها لا تطبّق جميع بنود الاتفاقية. بالمقابل هناك بعض الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ولكنها مشمولة باتفاقية «شنغن»، أي أنها «داخل أوروبا» دون أن تكون من دول الاتحاد الأوروبي، مثل أيسلندا والنرويج. وكانت سويسرا أيضا قد وقّعت في شهر يونيو-حزيران 2002 اتفاقيات مع دول الاتحاد الأوروبي حول حرية انتقال الأشخاص للإقامة والعمل، أي أصبحت داخل انتقال الأشخاص للإقامة والعمل، أي أصبحت داخل «شنغن» عمليا، دون أن تكون داخلها قانونيا.
بالنسبة للبلدان الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي، فقد بقيت هناك بعض الحدود مع دول الاتحاد الأوروبي ال15. ولفترة انتقالية لن يستطيع العمال القادمون من أوروبا الشرقية والوسطى الدخول بشكل حر إلى أسواق العمل في البلدان الأعضاء «القدامى» في الاتحاد. بهذا المعنى الأوروبيون متساوون، ولكن «ليس تماما». وهناك حالة خاصة تتعلّق بإقليم كالينينغراد الروسي الذي يستطيع سكانه الروس، تبعا لاتفاقية موقّعة مع روسيا عام 2002، الانتقال بحريّة بين الإقليم وبقية الأراضي الروسية عبر أراضي بلدان البلطيق الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
«شنغن» هي هذا كله وهذا القدر الكبير من التعقيد ومن البساطة والانفتاح والانغلاق. الانفتاح عبر تجسيد حلم التوحيد الأوروبي الكبير بإزالة الحدود وحرية الانتقال والعمل. إنه ثأر أوروبا المسافرين والطلبة والتجّار من أوروبا «الأسلاك الشائكة» والجدران والرقابات الصارمة على الحدود. وإعلان العودة إلى أوروبا الثقافة والتواصل والتبادل.
ومقابل الانفتاح هناك ميل معاكس نحو «الانغلاق» حيث تنقل المؤلفة مما جاء في بيان المجلس الأوروبي في بروكسل خلال شهر نوفمبر 2004 ومفاده: «غدا أمن الاتحاد الأوروبي وأمن دوله ملحّا، خاصة بعد الهجومات الإرهابية. إن المواطنين الأوربيين ينتظرون من الاتحاد ضمان احترام الحريات والحقوق الأساسية مع تبنّي سياسة أكثر فاعلية على الحدود لمشاكل مثل الهجرة غير الشرعية وتجارة البشر والإرهاب والجريمة المنظّمة».
هكذا بنفس الوقت الذي يبرز فيه الطموح «التوحيدي» وإلغاء الحدود يبرز أيضا «الوجه الآخر للميدالية» المتمثل في ضرورة الحماية. ثم إن الانفتاح لا يخص واقعيا سوى دائرة «ضيّقة» من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وليس كلها. بهذا المعنى أصبحت «شنغن» تجسّد «الانغلاق» و«الاستبعاد» بالنسبة لأولئك الذين «ينظرون إليها من الخارج». والنتيجة هي أن «شنغن» تفرّق اليوم أكثر مما توحّد.
الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب من الاتحاد الأوروبي، كما تشرح المؤلفة، قدرا أكبر من المخيلة والمرونة والجسارة. وذلك في منظور الوصول إلى «شنغن» ذات صيغة «تعاقدية» ومدروسة «تضبط» عملية ترك الأبواب مفتوحة، وهذا هو التحدي الجديد الذي تواجهه أوروبا.
