قال المعلق السياسي في «معاريف» الإسرائيلية بن كاسبيت ان «حركة كهذه لم ترصد منذ زمن طويل في الحلبة السياسية الإسرائيلية. فمن جهة، يحاول كثيرون حشر أنفسهم في الليكود. ومن الجهة الأخرى يحاول الجميع تقريباً الفرار من حزب العمل. فيما أن الرفاق في الوسط بينهما، في حزب كاديما، ينظرون بارتباك ما نحو الليكود، الذي فعل بالضبط ما سبق لهم أن فعلوا قبل ثلاث سنوات».

والواقع أن الأسابيع القليلة المقبلة يمكن أن تكون حاسمة في أكثر من اتجاه. وإذا كان انسحاب عضو الكنيست زئيف ألكين من كاديما ولجوئه إلى أي من أحزاب اليمين سوف تبشر بانسحابات أخرى فالأمر يتطلب وقتاً لإصدار حكم. ولكن اتهامه لليفني ولكاديما بأنهما حزب يساري يحتاج إلى الكثير من الانتباه. ففي كاديما أغلبية وصلت تقريباً من اليمين الليكودي وهي تنظر بحيرة للعودة المظفرة المرتقبة لهذا الحزب إلى السلطة.

ولا ريب أن الصورة تكتمل إذا علمنا أن يوفال ابن اسحق رابين «شهيد اليسار» يؤيد زعيم الليكود بنيامين نتانياهو وأن عامي إيلون أعلن انشقاقه عن حزب العمل. فقد بذل إيهود باراك في الأسابيع الأخيرة جهداً هائلاً لإبقاء أوفير بينس ويولي تامير وآخرين في حزبه.

ومن غير المستبعد أن تبذل تسيبي ليفني في الأسابيع المقبلة جهوداً جبارة لإبقاء آخرين في حزبها. ففي إسرائيل يتطلع الساسة إلى التأثير وليس إلى المبادئ ويوجه كثيرون أنظارهم نحو الأحزاب التي تنال تأييداً متزايداً في استطلاعات الرأي.

واستطلاعات الرأي الأخيرة تشهد أن معسكر اليمين الديني والقومي سوف يحقق نصره الحاسم على معسكري الوسط واليسار. وقد أشارت الاستطلاعات إلى أن الليكود هو الحزب الأقوى وأنه بات يزيد من الفارق بينه وبين كاديما. ولكن في الخلفية كان هناك من رأى ليس أن اليمين يفوز بل أن اليسار يموت.

ومن الجائز أن تعبير موت اليسار في إسرائيل أشد نسبية مما هو في أي مكان آخر. فاليسار في كل مكان في العالم يستند أولاً وقبل كل شيء على أرضية اقتصادية ـ اجتماعية فيما أنه في إسرائيل يستند إلى أرضية سياسية. فما يحدد موقع اليمين واليسار ليس البعد الاجتماعي أو الاقتصادي وإنما الموقف من العملية السياسية مع الفلسطينيين والعرب. وبات معروفاً أن اليساري في إسرائيل هو من يؤيد التسوية في حين أن اليميني هو من يعارضها جزئياً أو كلياً.

وهكذا فإن ما يعرف بالحركة العمالية في إسرائيل، وهي التي قادت تقريباً كل حروب إسرائيل ضد العرب، كانت تصنف يسارية لأنها تقول بالتسوية السياسية وبالحل الإقليمي، فيما أن اليمين الذي لم يكن يؤمن بالحل الإقليمي كان يعارض التسوية. ورغم أن الوضع تغير كثيراً في إسرائيل على هذا الصعيد إلا أن التصنيفات بقيت على حالها.

فاليمين الإسرائيلي لم يعد في الغالب معادياً للتسوية أو للحل الإقليمي من حيث المبدأ بل صار يطالب بتحصيل قدر أكبر من مكاسب إسرائيل جراء حروبها.

وهكذا فإن الليكود الذي بني على أساس حيروت التي كانت تؤمن بأن «للأردن ضفتان، الأولى لنا والثانية أيضاً لنا» صار يؤيد الدولة الفلسطينية. ولكن الدولة التي يريدها هي الدولة التي يتنازل الفلسطينيون فيها عن القدس وربما عن غور الأردن أيضاً، وبالتأكيد عن الكتل الاستيطانية. ومن الجائز أن تبدي حكومة الليكود استعداداً للتنازل عن واحد أو اثنين من هذه المطالب. المهم أن لا تعود إسرائيل إلى حدود العام 1967 خشية خسارة المكاسب.

وبمعنى من المعاني فإن الكثيرين يعتقدون أن اليسار الإسرائيلي الذي هيمن على الأداء الصهيوني منذ العشرينات من القرن الفائت وحتى العام 1977 ربح الرهان التاريخي ضد اليمين في كل ما يتعلق بالتسوية. غير أن هذا اليسار خسر ويخسر المعركة الآن داخلياً. والبعض يعزو هذه الخسارة إلى أداء اليسار نفسه ليس فقط على الصعيد الداخلي وحسب، وإنما كذلك على صعيد التسوية ذاتها.

فاليسار الصهيوني المؤمن بالتسوية كان طوال تاريخه في الغالب الأشد عدوانية في التعامل مع محيطه. ولم يكن صادق التمسك بمبدأ التسوية بشهادة موقف دافيد بن غوريون الذي برر القبول بمشروع التقسيم العام 1947 بأن «النقب لن يهرب منا». وقد وجد هذا المبدأ تجلياته الكبرى في أداء إيهود باراك في مؤتمر كامب ديفيد حين ذهب لـ «ينزع القناع» عن وجه ياسر عرفات، القائد الفلسطيني الذي كان الأكثر قدرة على تحقيق التسوية السياسية.

هناك من يقول ان اليسار الإسرائيلي لم يمت ولكن هناك أيضاً من يقول ان هذا اليسار مات فعلاً منذ زمن بعيد أو أنه لم يكن قائماً أصلاً. بل ان المفكر اليساري زئيف شترنهل كتب في «هآرتس» ان اليسار الإسرائيلي يعيش حالة اندثار وعليه ألا يلوم في ذلك إلا نفسه.

فهو لم يفلح في التحرر من رحى ماضيه ولم يفلح في أن يبني لنفسه مستقبلاً، كما أنه من دون حاضر. وفي غالب الأحوال فإن اليسار يتماثل مع معسكر السلام بالمعنى الواسع جداً، وليس مع الدفاع عن الضعفاء ضد الحيتان ومع المعدمين ضد المستغلين. والخلاصة هي أن على من يريد اليوم بناء اليسار أن يبدأ من الأساس.

تقديم وترجمة ـ حلمي موسى