تمثل مسألة الحدود إحدى أكبر الإشكاليات التي تواجهها أوروبا في مسيرة توحيدها. هكذا تطرح أمامها أسئلة كثيرة: فهل يمكن فعليا الوصول إلى «إلغاء الحدود» باسم المبادئ الإنسانية الكونية؟ وأين تقف حدود أوروبا وما هو مصير الحدود الداخلية بين دول الاتحاد الأوروبي؟ قيام الدول مرهون بوجود حدود. هكذا هو الأمر منذ بداية التاريخ، وقد كانت الحدود وراء حروب ونزاعات إلى درجة وصف القرن العشرين بأنه كان «قرن المجابهات من أجل الحدود».
المشكلة-المعضلة المطروحة على أوروبا هي كيفية حماية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، من جهة، وتجاوز الحدود للوصول إلى وحدة حقيقية. بكل الحالات ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن التاريخ الأوروبي كله كان عبارة عن سلسلة من عمليات توحيد مجاميع أوروبية كبيرة ومن التجزئة والانقسام. ما يتم التأكيد عليه في أوروبا اليوم هو الوصول إلى حالة من التوازن في إطار صيغة من التوحيد لا تلغي الحدود وإنما تتجاوزها من منظور تحقيق هوية تقوم على التنوع والتعددية. «هذا ليس كتابا آخر عن الحدود. وليس كتاب جغرافي ولا مؤرّخ ولا خبير.
إنه دراسة ولّدتها التجربة المعاشة وتأملات وتساؤلات يطرحها مواطنو زمننا حول أحد المفاهيم المهيمنة في هذا العصر. ويكفي تصفّح مجلّة أو صحيفة كي يقتنع المرء بأن الحدود، على الأقل نظرا لعدد المرات التي يتم ذكرها فيها، هي في صميم الكثير من مشاكلنا».بهذه الكلمات تفتتح المؤلفة كتابها عن «جراح الأمم» في «أوروبا المريضة بحدودها»، وهي تحدد القول: «ما يهمنا هنا هو الحدود المعاشة والحدود التي تقيم جدرانها العازلة في داخلنا». ثم تتساءل: كيف يمكن لهذه الحدود أن تغدو مسألة حياة أو موت بالنسبة لنا؟
وتقول في تحليلاتها إن النصف الثاني من القرن العشرين عرف في أوروبا «أوهاما» تمثّلت في اعتقاد الكثيرين بإمكانية «إلغاء الحدود وتوحيد الحضارات والأنظمة السياسية المتنافسة حول مبادئ كونية». ويتم تحديد إحدى اللحظات الكبرى في أوروبا خلال تلك الفترة بتوقيع «اتفاقيات هلسنكي» عام 1975 التي أكدت على «حرية انتقال الأشخاص والسلع» في قارة كانت بصدد إعادة توحيدها.
لقد لاحت في الأفق آنذاك إمكانية إزالة الحواجز بين الأمم وأن النموذج الغربي سوف يتوصل إلى فرض نفسه على بقية العالم. لكن تفجيرات 11 سبتمبر 2001 كانت ضربة قاضية لتلك الأحلام-الأوهام. بكل الحالات تتطلب ولادة أية دولة «ولادة حدودها» أولا، فبدون حدود لا مجال لوجود «كيان دولة».
لا شك أن فكرة الحدود تعود إلى أقدم الحقب التاريخية. وكان اليونانيون القدماء قد أطلقوا صفة «برابرة» على كل من هو غير يوناني وخلقوا بذلك مجتمعهم المغلق. لكن لم يكن الأمر يتعلق قديما بدول «ذات حدود» وإنما بالأحرى ب«مجتمعات مغلقة إلى هذه الدرجة أو تلك». إن الحدود تمثل «عنصرا جوهريا» بالنسبة للدول، إذ تؤمّن تماسكها انطلاقا من أجزاء مترابطة بصيغة ما ضمن إطار جغرافي محدد.
وترى المؤلفة أن العالم الحديث قد بدأ عمليا مع «تكريس»، بل «تقديس» الحدود التي ارتبطت بنفس الوقت ب«عروة وثقى مع مفهوم «المنع». هكذا يطلقون على الغزاة من أمثال جنكيز خان وتيمورلنك أنهم يمثلون «شعوبا بلا حدود». بالمقابل هناك شعوب ذات طابع «حضري» منذ بداياتها مثلما في الهند والصين حيث يتم البحث باستمرار عن «التجذر أكثر في العمق مما هو التمدد أو التوسع».
كان القرن العشرون قد عرف حربين كونيتين بسبب «حدود جرى خرقها» أو «أراضٍ تم استقطاعها»، لكنه أكّد بنفس الوقت على «عدم إمكانية المساس بالحدود» وعلى «صيانة التراب الوطني» لمختلف الدول من جهة، ومن جهة أخرى على ضرورة بناء «عالم مفتوح» يقول على التبادل والتواصل بين البشر.
مع ذلك لا تزال الحدود مشكلة راهنة في العلاقات بين الدول وسببا أساسيا في المجابهات العسكرية وقد كانت إلى حد كبير وراء الحرب التي استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران في مطلع عقد الثمانينات الماضي من أجل السيطرة على شط العرب. ولا تزال مصدر تهديد بمجابهات في العديد من مناطق أمريكا اللاتينية.
وتلخص المؤلفة مكانة الحدود في تاريخ العالم خلال القرن العشرين بالقول: «كان القرن العشرين هو قرن المجابهات من أجل الحدود، وتقديسها ثم شجبها وتحميلها وزر كل الشرور قبل أن يكون قرن عقيدة تجاوزها وإلغائها». «سوف نحمي هوية البلدان الأعضاء وتقاليدها المتنوعة في إطار الاتحاد الأوروبي. إن حدودنا المفتوحة والتنوّع الرائع للغاتنا وثقافاتنا ومناطقنا يشكل مصدر ثراء متبادل بالنسبة لنا. وعديدة هي الأهداف التي لا يمكننا بلوغها سوى مجتمعين وليس فرادى.
«علينا أن نتغلب على التحديات الكبرى التي لا تعترف بالحدود الوطنية. إجابتنا هي قيام الاتحاد الأوروبي، إذ لن نتمكّن صون المثال الأوروبي للمجتمع من أجل مصلحة جميع مواطني ومواطنات الاتحاد سوى عبر العمل معا».
تعتبر المؤلفة أن هذا النص الذي تأخذه من «إعلان برلين» الذي تبنّاه قادة دول الاتحاد الأوروبي بمناسبة الذكرى الخمسين لتوقيع معاهدة روما عام 1957، يمثل ؟ أي النص- كل أوهام وعظمة وتناقضات أوروبا التي «تتأرجح» باستمرار بين تطلّعين متعارضين.
من جهة هناك إرادة تجاوز الحدود كي تحقق القارة وحدتها «الأصيلة» وتنهي الخلافات الداخلية وتذيب الخلاقات القومية والعقائدية، مصدر النزاعات والآلام، في إطار واسع يتركّز حول «حضارة مشتركة». ومن جهة أخرى هناك إرادة تعزيز الحدود وتدعيمها من أجل الدفاع عن «تعددية الشعوب والأمم» التي صنعت أوروبا عبر مساراتها التاريخية، وبالتالي المحافظة على «هوية» كل شعب وأمة.
هذا يعني إدراك أن إنقاذ الهويات التعددية يمثل ثروة حقيقية بالنسبة لأوروبا. لكن تعايش هذه الهويات لا يمكن فصله عن فكرة أوروبا نفسها. المطلوب إذن هو «فصل» الشعوب المعنية من أجل صيانتها في إطار «تفرّدها» وتعليمها بنفس الوقت على التسامح المتبادل وتأكيد رغبة العيش المشترك.
وتخلص المؤلفة في هذا السياق إلى القول: «إن تاريخ أوروبا ليس شيئا آخر سوى حركة تأرجح مستمر بين إعادة خلق مجموع أوروبي كبير وبين حالة من الانقسام غير المحدود وعمليات التجزئة المتعاقبة واحدة تلو الأخرى لاستعادة هويات عرقية ولغوية ووطنية ودينية. إنه مسار قد يبدو متناقضا ظاهريا أحيانا ولكنه تكامليا أيضا عبر البحث عن الوحدة والبحث عن الهوية».
إن التطلّع نحو إعادة بناء وحدة أوروبية مثّلتها لفترة من الزمن «الإمبراطورية الرومانية» في مرحلة ما قبل تقسيمها إلى إمبراطورية رومانية غربية وإمبراطورية رومانية شرقية وما قبل التجزئة إلى ممالك متنافسة لم يستطع شارلمان أن يوحّدها سوى لفترة قصيرة من الزمن، كان ماثلا في المخيلة الأوروبية ولمدّة قرون طويلة.
لكن الحدود هي أيضا أحد «أقدم مخترعات أوروبا». إنها موجودة بمقدار ما يمكن الولوج في أعماق التاريخ الأوروبي. ولكن ليس حدود الدول في البداية. هكذا مثلا عندما أقام ملوك انجلترا على الأرض الفرنسية في العصور الوسطى لم يتم تحديد أية رقعة جغرافية لحدود سلطتهم.
لكن إذا لم تكن هناك حدود دول أو حدود وطنية بالمعنى الحديث ،فإنه كانت هناك حدود أخرى طبيعية كالجبال والأنهار والتحديدات المناخية والإقليمية وحدود اللغة واللهجات. بكل الحالات لم تكن الحدود تتناظر مع أمة أو دولة أو حتى عرقية، فهذه المفاهيم الثلاثة لم تكن موجودة آنذاك.
الحلم أو الأسطورة- بقيام أوروبا كبرى موحّدة دون حدود وجروح تردد لدى قادة من أمثال شارلمان ونابليون وهتلر أو آباء أوروبا الآخرين. هؤلاء جميعا، كما تقدمهم المؤلفة، حاولوا بأدوات وإيديولوجيات مختلفة تحقيق نفس الحلم «الطوباوي» لأوروبا موحّدة بواسطة سلطات ملكية أو بواسطة المسيحية أو بالاثنتين معا بالنسبة للبعض، وبواسطة القيم الديمقراطية بالنسبة لآخرين أو ربما بواسطة قوى السلاح. تعددت الوسائل والغاية واحدة.
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن مرحلة تاريخية جديدة قد بدأت غداة قمة هلسنكي عام 1975 ثم تعززت مع حركة التحرر التي شهدتها بعض بلدان الكتلة السوفييتية مثل ظهور نقابة تضامن في بولندا، صيف عام 1980. وبدا في المحصلة أن «أوروبا أخرى» يعاد اكتشافها.
وتشير مؤلفة الكتاب إلى الدور الكبير الذي لعبه المثقفون الأوروبيون للدفاع عن أوروبا تلك «المنسية» والمجزأة». هكذا ساهمت تعبئة المثقفين بسقوط جدار برلين عام 1989 الذي أعقبه في عام 1991 انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية «شرخ» أوروبا إلى معسكرين مما سمح لها باستئناف التوجّه نحو وحدتها.
لكن تفتح المؤلفة هنا قوسين لتشير إلى أن مسائل الحدود وحق الإقامة والعمل بحريّة في أي بلد من بلدان الاتحاد الأوروبي هي التي أدت إلى بروز احتجاجات في أوروبا «الديمقراطية»، أي الغربية، ضد «خطر» قدوم موجات من الوافدين من أوروبا الشرقية (الشيوعية سابقا). ولم يكن مثل ذلك الخوف بعيدا عن «رفض» الدستور الأوروبي في استفتاءات عامة في فرنسا وهولندة، مما بدا كرفض لقيام أوروبا تسير نحو إلغاء الحدود والتقليص الكبير للهويات «الوطنية».
حول مسألة الهوية هذه تبلور المبدأ المؤسس الآخر الكبير لأوروبا التي تتجسّد في تنوعها وتعددها الاثني واللغوي والديني والعرقي. على أساس هذا المبدأ جرى إعداد إيديولوجية التسامح واحترام مختلف الثقافات. الحدود برزت في هذا الإطار أنها أحد الأدوات من أجل الحفاظ على الهويات المختلفة.
لكن بالمقابل يتم التأكيد على أن تاريخ تجزئة أوروبا كله قد قام على قاعدة البحث عن تأكيد الذات في الدائرة «الأصغر» والأكثر تمركزا حول «الهوية» الخاصة التي قامت على أساسها الدول، وبالتالي «الحدود». ثم إن «حق الاختلاف» يمكن أن تتم ترجمته بسحق الانفصال». ولم يكن من مبدأ «حق الشعوب بتقرير مصيرها» سوى أن أعطى أساسا «قانونيا» للمحافظة على الحدود.
وعامل آخر عقّد صلة أوروبا بسحدودها» مع الخارج و«حدودها» الداخلية. وهو يتعلق بهدف تأمين السلام والاستقرار. ولا شك أن الآباء المؤسسين لأوروبا سعوا من أجل توحيدها للخروج نهائيا من قرن من الأنظمة الشمولية والحروب. ولعلّ أوروبا تريد تحقيق ذلك عبر «تجاوز» الحدود الداخلية «الوطنية» لبلدانها.
لكن بناء «الجدران» يرمز بوضوح إلى «الحدود المطلقة». هكذا كان جدار برلين قد رمز إلى «الجنون الحدودي»، كما تقول المؤلفة. وتعتقد أوروبا اليوم أنها استطاعت عبر مسيرة توحيدها قد اكتشفت «توازنا» جديدا لا يتمثل في إلغاء الحدود وإنما السيطرة عليها وتجاوزها. لكنها تبقى في مواجهة ثلاث تحديات أساسية تتعلق بالحدود، وهي تحدي التوسيع مع تحقيق توحيد مجال أوسع، وتحدي الدستور ومشكلة الهوية الأوروبية الواحدة أو المتعددة، وأخيرا تحدي الأقليات وإقامة الدول مثل كوسوفو.
الكاتبة في سطور
* سالومي زورابيشفيلي، مؤلفة هذا الكتاب هي دبلوماسية فرنسية، لكنها شغلت أيضا منصب وزيرة خارجية جورجيا، بحكم جنسيتها المزدوجة الفرنسية والجورجية، ما بين شهر مارس 2004 وحتى شهر أكتوبر 2005.
* تعيش المؤلفة بين باريس، العاصمة الفرنسية، وتبليسي، العاصمة الجورجية، وهي تمثّل بالنسبة للكثير من الجورجيين أملا سياسيا جديدا.
* سبق لها أن قدّمت في عام 2006 كتابا تضمّن شهادتها عن تجربتها السياسية، تحت عنوان: «امرأة من أجل بلدين»، صدر عن دار نشر «جراسيه» في باريس
الصفحات: 294 (متوسط)
الكتاب: أوروبا وجراح الأمم
تأليف: سالومي زورابيشفيلي
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: بوران- باريس- 2008


